يحيى بركات - ما بعد الإبادة… حين لم تعد السياسة قادرة على التخفّي

لم يكن المشهد بحاجة إلى توصيف.
كان أكبر من اللغة، وأقسى من الصورة، وأوضح من أي بيان.
أرضٌ محروقة، مدن بلا مدن، أجساد بلا أسماء، وأطفال لا يموتون دفعة واحدة، بل يتآكلون: بالجوع، بالعطش، بالبرد، وبانتظار لا يأتي.
غزة لم تكن خبرًا. كانت لحظة امتحان للإنسان، وسقوطًا مدويًا لكل لغة سياسية ادّعت يومًا أنها تعرف ماذا تفعل.
في تلك اللحظة، لم تسقط المباني وحدها.
سقطت القدرة على التخفّي.
تخفّي السياسة خلف المصطلحات،
تخفّي العجز خلف “إدارة الأزمة”،
وتخفّي الفراغ خلف خطابات الصمود.
من هنا يبدأ كل شيء.
لا من منصة، ولا من مؤتمر، ولا من ورقة سياسات.
من الإبادة بوصفها حدًا فاصلًا.
ما قبلها ليس كما بعدها،
وما بعدها لا يمكن أن يُدار بالأدوات نفسها.
هذا بالضبط هو المدخل الذي انطلقت منه د. غانية ملحيس.
ولمن يقرأ مقالها من الناس، لا من النخب، فالأمر أبسط وأخطر مما يبدو.
هي لا تقول إننا أخطأنا في إدارة السياسة، ولا إن القيادة فشلت فحسب، ولا تتحدث عن خلل هنا أو تقصير هناك.
هي تقول شيئًا واحدًا واضحًا: النموذج السياسي الفلسطيني نفسه استُنفد.
النموذج الذي بدأ مع انطلاقة الحركة الوطنية الحديثة،
تكرّس داخل منظمة التحرير،
ثم تحوّل مع أوسلو إلى سلطة تدير الواقع بدل أن تفككه.
هذا النموذج، تقول غانية، لم يعد قادرًا لا على تفسير ما يجري، ولا على تغييره.
الإبادة لم تكن ذروة أزمة، بل لحظة كشف.
أسقطت أوهامًا عشنا عليها طويلًا:
وهم أن الشرعية الدولية ستحمينا،
وهم أن إدارة الخسارة سياسة،
وهم أن السلطة مركز السياسة،
وهم أن الزمن يعمل لصالحنا تلقائيًا.
هنا يبدأ الحوار الحقيقي، لا السجال.
المتوكل طه لم يدخل النقاش لينقض هذا التشخيص، بل ليضع إصبعه على عامل الزمن.
قال، بوضوح إنساني لا يخلو من القلق: نعم، النموذج مأزوم، وكثير من المفاهيم سقطت، لكننا محاصرون، مراقَبون، مداهمون بالوقت. لا يمكن هدم الكوخ قبل ضمان أن البديل سيحمينا من العراء.
هو لا يدافع عن القائم، لكنه يخشى الفراغ، يخشى أن يسبق الانهيار القدرة على البناء، ويعرف أن الشارع الفلسطيني يقف على حافة انفجار لا يحتمل المغامرة غير المحسوبة.
خالد عطية التقط الخيط نفسه، لكن من زاوية بنيوية أكثر برودة ودقة.
قال إن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في البنية:
سلطة وُلدت لإدارة واقع استعماري،
تمثيل تحوّل إلى احتكار،
سياسة رُبطت بالوظيفة والراتب والاستقرار السلبي.
لكنه توقّف عند سؤال بالغ الحساسية: كيف نعبر من نموذج مستنفد دون أن نسقط في فراغ تمثيلي قد يكون أكثر تدميرًا من استمرار النموذج نفسه؟
مروان طوباسي أعادنا خطوة إلى الوراء، إلى الأصل.
ذكّر بأن الانطلاقة لم تكن تنظيمًا بقدر ما كانت إجابة عن فراغ تمثيلي بعد النكبة، وأن جوهر الأزمة اليوم ليس خللًا إداريًا أو تنظيميًا، بل غياب مشروع قادر على استيعاب التحولات الإقليمية والدولية، ومواجهة استعمار تغيّر شكله ولم تتغيّر أدواتنا.
وأنا، قبل هذا الحوار وبعده، كنت أطرق الجدار من زاوية واحدة: سؤال الحامل السياسي.
كيف تحوّل الحامل إلى غطاء؟
كيف صار الشعب حاضرًا في الخطاب، غائبًا عن الفعل؟
وكيف أُجّل هذا السؤال ثلاثين عامًا، حتى جاءت الإبادة وفرضته بلا رحمة؟
هنا بالضبط تكتسب قراءة مقال غانية معناها الحقيقي للناس، لا للنخب فقط.
لأنها لا تترك القارئ معلقًا في فضاء الأسئلة، بل تقوده إلى منطقة الاعتراف.
هي تقول بوضوح: السياسة بعد الإبادة لا يمكن أن تكون إدارة خسارة، ولا تحسين شروط بقاء، ولا انتظار اعتراف من قاتل.
السياسة يجب أن تعود فعلًا تحرريًا لا وظيفة،
إنتاج معنى لا إدارة واقع،
وملكًا للناس لا امتيازًا للنخب.
وعندما تتحدث عن فصل السياسة عن السلطة،
وإعادة مركزية الشعب،
ودمج الشتات وفلسطينيي الداخل،
وبناء قاعدة اجتماعية مستقلة،
وتبنّي خطاب ما بعد الشرعية الدولية،
فهي لا تكتب حلمًا نظريًا، بل تشير إلى اتجاه نجاة.
ومن هنا يصبح السؤال موجّهًا للجميع، دون تسميات أو اتهامات:
هل ما زال مقبولًا أن نناقش “المسارات المقبلة” بعناوين تجاوزها الناس؟
هل ما زال ممكنًا أن يدور النقاش حول خلافات قديمة، بينما السؤال صار وجوديًا؟
الناس لم تعد تسأل: ماذا سيحدث؟
الناس تسأل: ماذا لم يعد يجوز أن يحدث؟
أي نقاش لا يبدأ من هذا الاعتراف سيبقى حبيس لغة ما قبل الإبادة، حتى لو بدا حديثًا في شكله.
وأي حوار لا يعيد وصل السياسة بالناس، وبالألم العاري في الشارع، سيظل فوقيًا مهما حسنت نواياه.
ما يجمع هذا الحوار – بين غانية، والمتوكل، وخالد، ومروان، وبين هذه القراءة
ليس اتفاقًا كاملًا، بل إدراك مشترك أن زمنًا انتهى، وأن إدارة ما انهار لم تعد سياسة.
الخلاف ليس على الوجهة، بل على إدارة العبور.
والخطر الحقيقي ليس في النقاش، بل في الاستمرار بلغته القديمة.

بعد الإبادة، لم تعد السياسة سؤالًا نظريًا يُناقَش من مسافة، ولا مادة سجال بين نخب تبحث عن صياغات أذكى للواقع. صارت مسؤولية ثقيلة معلّقة في رقبة الجميع، لأن ما انهار لم يكن أداءً ولا خطابًا، بل نموذجًا كاملًا عاش طويلًا على تأجيل الأسئلة، حتى باغتته الإبادة وأسقطت قدرته على التخفّي.
ما كُتب في هذا الحوار ليس اتفاقًا نهائيًا ولا مشروعًا جاهزًا، لكنه اعتراف جماعي بأن زمن اللغة القديمة انتهى. الاعتراف بأن إدارة ما انهار لم تعد سياسة، وبأن تأجيل العبور لم يعد حيادًا، بل مشاركة صامتة في إطالة الانهيار.
ما تقترحه غانية، وما تلتقطه هذه القراءة، ليس إعلان نهاية بقدر ما هو تحذير من الاستمرار داخل نموذج مات ولم يُدفن. السياسة بعد الإبادة لا تُستعاد من فوق، ولا من غرف مغلقة، ولا من إعادة تدوير عناوين تجاوزها الناس قبل أن تتجاوزها النخب. تُستعاد فقط حين تعود إلى الناس، إلى الشارع، إلى الألم العاري، إلى سؤال المعنى الذي لم يعد يقبل المراوغة: كيف نحمي الإنسان والمعنى قبل أن نفقد الأرض معهما؟
هنا، لا يعود السؤال: من كان على صواب؟
بل: من يجرؤ أن يرى ما انهار، ويسمّيه باسمه، ويمشي نحو المجهول بصدق، بدل أن يجرّ الجميع إلى ماضٍ لم يعد موجودًا؟

هذا النص لا يعد بخلاص قريب،
ولا يدّعي امتلاك الإجابة، لكنه يضع حجرًا في منتصف الطريق ويقول بوضوح: هنا انتهت لغة الأمس. وما لم نبدأ من هذا الاعتراف، سنظل نناقش الخرائط، بينما المكان نفسه ينهار تحت أقدامنا. هنا فقط يمكن أن تبدأ السياسة من جديد…
أو لا تبدأ أبدًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى