رعَشاتُ الرُّؤى
محمود حسن / مصر
نعود إلى حيثُ اللقاءُ مُؤَجَّلُ
ونأوي إلى مَعنًى وشعرٍ يُرَتَّلُ
كدائرةٍ تحوي نفوسًا جريحةً
ولا آخرٌ يأتي ولا جاءَ أوَّلُ
يُحيطُ بنا حزنُ الجبالِ وصمتها
ومتكأ الجَنْبِ العجوزِ مُهَلْهلُ
ويوقظنا رعبُ الرُّؤَى ذاتَ غفوةٍ
ولا حُلُمٌ من سندسٍ فيُؤَوَّلُ
بَكَتْ كِلْمةٌ مذبوحةٌ بقصيدةٍ
فَمأسَاتُها أن ليسَ مسعفَ يخجلُ
طبيبكُ شطَّت في يديهِ مباضعٌ
وفي غرفة الإنعاش راحَ يُقَتِّلُ
تموتُ ولا تخديرَ آلمَ مَوْتةٍ
وكنت تري باب النجاةِ ..فَيُقْفَلُ
أتِلْكمْ يدٌ قدْ لامستْ طينَ مضغةٍ
وفي بعضها آياتُ سحرٍ تَنَزَّلُ
وكنتِ إذا قد حلَّ قَحْطٌ سنابلًا
ونارَ قِرى عامِ الرَّمادةِ تُشْعَلُ
فكيفَ انتبهتِ الآنَ لحظةَ رعشةٍ
سرتْ بدمي حينَ الرؤى تتَشَكَّلُ
وأفْزعتِ روحًا غُيِّبتْ وفرائصًا
وما كذبتْ لكنَّها تَتَجَمَّلُ
إذا ماتَ حلمٌ في نُطَيَفَةِ فكرةٍ
تجوعُ خيولٌ والقصائد تذبلُ
ويَعْرى جنينٌ لا مَشيمةَ حولهُ
ويولدُ طفلٌ - شوَّهَتهُ - مُكَبَّلُ
نُدوبُ سُلالاتٍ دخيلٌ بناؤُها
فليسَ بها عِرْقٌ ولا مُتَخَيَّلُ
وعزفٌ نشازٌ لا مَقامَ يُجِيزُهُ
ونحتٌ هجينٌ فالحجارةُ عُطّلُ
فيا كم حَوى حزنَ النبوَّةِ شاعرٌ
شهيدًا بلا أجرٍ ..وَمَنْسِيَّ يُرحَلُ
محمود حسن
************
" وقد تكتمل القصيدة يوما "
تتبدى لي قصيدة " رعشات الرؤى" بوصفها بناءً شعريًا تتكثف فيه التجربة داخل نسيج لغوي متوتر، لا يسعى إلى تمثيل الواقع بقدر ما يسعى إلى مساءلة شروط المعنى، ومن ثمّ، فإن مقاربة النص تأويليًا تقتضي النظر إليه باعتباره حدثَ فهمٍ، لا مجرد موضوع جمالي، على النحو الذي يقرره جادامر حين يجعل اللغة المجال الذي يتحقق فيه الوجود والفهم معًا¹. في هذا الأفق، تغدو الكلمة، والصورة، والإيقاع عناصر بنائية فاعلة في إنتاج الدلالة، لا أدوات تعبير محايدة.
فمنذ مطلع النص، تتشكل بنية الصورة على أساس الانطلاق من مركزية ثقل النص " نعود إلى حيث اللقاء مؤجل" . الصورة هنا لا تُرى، بقدر ما يفكر فيها ، إذ إن فعل العودة لا يقود إلى أصل، العودة هنا قرينة تأجيل، بما يحوّل الحركة إلى دوران بلا مخرج. ويتأكد هذا البعد البنائي في قوله: " ولا آخر يأتي ولا جاء أول"، حيث تُبنى الصورة على نفي الحدّين معًا، فتتشكل دلالة الفراغ الزمني عبر آلية لغوية بسيطة لكنها كثيفة الأثر. إن الصورة، هنا، ليست تشبيهًا ولا استعارة منفردة، بل بنية كلية تُعطّل أفق التقدم، وتجعل الزمن نفسه مادة شعرية مأزومة.
وتتعمق هذه البنائية عبر صور الطبيعة الصامتة، حين نصغي لقول الشاعر " حزن الجبال وصمتها"، فالجبل، بوصفه رمز الثبات والعلو، يُنزَع من دلالته التقليدية ليغدو حاملًا للحزن والصمت. هذه المفارقة الدلالية تكشف آلية اشتغال الصورة في القصيدة، قلب المألوف، لا لتوليد الدهشة والغرائبية، إنما لتعرية العالم من يقيناته. الصورة هنا ليست زخرفًا، ربما كانت تفكيكًا رمزيًا للمرجع الثقافي ذاته، وهو ما يجعلها صورة تأويلية بامتياز، لا تصويرية محضة.
وفي ظني؛ يبلغ وعي النص بالصورة ذروته في قوله "بكت كلمة مذبوحة بقصيدة". هذه الصورة لا تقوم على البنية الاستعارة ، إنما على ما يمكنني أن أسميه بالتشخيص المزدوج ؛ فالكلمة ككائن حي، والقصيدة كأداة ذبح. إننا أمام صورة تعكس وعيًا نقديًا باللغة، حيث تتحول القصيدة من فضاء خلاص إلى فضاء عنف. وبهذا المعنى، تتجاوز الصورة وظيفتها البلاغية لتصبح بنية فكرية، تكشف عن مأزق اللغة حين تنفصل عن مسؤوليتها الأخلاقية، وهو ما ينسجم مع تصور جادامر للغة بوصفها بيت الكينونة، لا أداة خارجية².
أما الصورة الأكثر قسوة في النص، فتتمثل في مشهد الطبيب وغرفة الإنعاش. هنا تتضافر الصورة الشعرية مع البعد السردي، لتكوين مشهدية كليلة لا على الإيحاء الجزئي ولتنظر الطبيب، المفترض أن يكون رمز النجاة، كيف يتحول إلى قاتل، وغرفة الإنعاش إلى مسرح موت. هذه الصورة المركبة تُبنى على آلية الانقلاب الدلالي، حيث تُسحب الوظيفة الرمزية من عناصرها، وتُعاد صياغتها على نحو مأساوي. إنها صورة لا تُقرأ إلا في ضوء سياق ثقافي، ربما يشير إلى تحول مؤسسات المعنى إلى أدوات إلغاء وهدم لا بناء وتشييد .
ومن جهة أخرى ؛ توازي بنية الصورة بنيةٌ إيقاعية لا تقل كثافة. فالقصيدة المنتظمة في بحرها العروضي، والتكرار الصوتي لحروف اللين، ولا سيما المدود، يقابله حضور مكثف للأصوات الصلبة (القاف، الطاء، الجيم)، ما يخلق توترًا إيقاعيًا يعكس توتر المعنى. إن الإيقاع هنا ليس حاملًا موسيقيًا محايدًا، الإيقاع هنا يسهم في توليد الرعشة التي يحيل إليها العنوان. يلاحظ أن القافية الموحّدة تُستثمر لإبراز الاختناق الدلالي؛ فعودة الصوت نفسه في نهاية الأبيات تُحاكي العودة الدائرية للمعنى، وكأن الإيقاع يعيد إنتاج المأزق ذاته الذي تنتجه الصورة.
وبهذا، يتحول الإيقاع إلى عنصر تأويلي، لا مجرد انتظام عروضي، يسهم في توليد معنى ارتعاشة الرؤى وهو ما ينسجم مع رؤية جادامر للفن بوصفه " لعبة" لها قوانينها الداخلية التي تشرك المتلقي في تحققها³.
وتتجلى بنية الصورة-الإيقاع بأوضح صورها في مقاطع الولادة والموت " يعري جنين لا مشيمة حوله / ويولد طفل – شوهته – مكبل ".
الصورة هنا – فيما أرى- تقوم على تفكيك مفهوم البداية؛ فالولادة لا تعني الحياة، الولادة قرينة العطب منذ اللحظة الأولى. والإيقاع، بما يحمله من توقفات داخلية وتقطيع نحوي، يعمّق الإحساس بالانكسار، وكأن الجملة نفسها تتعثر كما يتعثر المعنى.
ولنقرأ قول الأستاذ محمود حسن :
نُدوبُ سُلالاتٍ دخيلٌ بناؤُها
فليسَ بها عِرْقٌ ولا مُتَخَيَّلُ
وعزفٌ نشازٌ لا مَقامَ يُجِيزُهُ
ونحتٌ هجينٌ فالحجارةُ عُطّلُ
فيا كم حَوى حزنَ النبوَّةِ شاعرٌ
شهيدًا بلا أجرٍ ..وَمَنْسِيَّ يُرحَلُ
هنا يمكن قراءة النص بوصفه احتجاجًا على زمن يخلط بين الأصالة والاستنساخ، بين التجديد والتهجين، وبين الشهرة والقيمة. إنه نص يُدين خطاب الحداثة الزائفة حين تنفصل عن جذورها دون أن تنتج أفقًا جديدًا، ويُعيد الاعتبار للشاعر بوصفه ضميرًا ثقافيًا لا مجرد منتِج لغوي. وفي العمق، يكشف النص عن مأساة المثقف العربي المعاصر حين يكون حاملاً "حزن النبوّة" في زمن لا يعترف بالأنبياء ولا بالشعراء. ولنتأمل ما يحمله النص بالفحوى من دلالات النشاز الذي "لا مقام يجيزه" وما يحيل إليه من كسر غير واعٍ لقوانين الذوق الثقافي، لا بوصفه تمردًا إبداعيًا، إنما بوصفه خللاً بنيويًا عاما ، فالمقام هنا ليس موسيقيًا فحسب، إنما المقام ثقافي وأخلاقي، إنه الإطار الذي يمنح الفعل الفني مشروعيته. وليس ببعيد عن ذلك رمزية "النحت الهجين" الذي تُعطَّل فيه الحجارة: فالمادة الخام هنا (الحجر/اللغة/الواقع) حاضرة، لكن اليد التي تشكّلها عاجزة، أو مغتربة عن شروط الصنعة والمعنى.
أما الخاتمة السفلية ؛ "قد تكتمل القصيدة يومًا" ، فهي صيغة معلّقة، لا تُنهي الإيقاع بقدر ما تتركه مفتوحًا. فالفعل المضارع المؤجل يحافظ على توتر الزمن، ويجعل اكتمال القصيدة مشروطًا باكتمال شروط الفهم. وهنا يتجلى البعد التأويلي الجادامري بوضوح، فالمعنى ليس معطى نهائيًا، إنما حدثًا تاريخيًا مفتوحًا، غير أن القصيدة تضيف إلى هذا التصور بعدًا مأساويًا، إذ تكشف أن هذا الانفتاح قد يتحول إلى تعليق دائم.
بهذا كله، يمكن القول إن " رعشات الرؤى" قصيدة تُبنى من الداخل، عبر تضافر الصورة والإيقاع واللغة، لا لتقديم معنى مكتمل، بل لفضح هشاشته. إنها نصّ يجعل من الشعر فضاء اختبار للكلمة، ومحنة للشاعر، وسؤالًا مفتوحًا للمعنى، حيث يكون الجمال النصي في القدرة على الإبقاء على السؤال.
محمود حسن / مصر
نعود إلى حيثُ اللقاءُ مُؤَجَّلُ
ونأوي إلى مَعنًى وشعرٍ يُرَتَّلُ
كدائرةٍ تحوي نفوسًا جريحةً
ولا آخرٌ يأتي ولا جاءَ أوَّلُ
يُحيطُ بنا حزنُ الجبالِ وصمتها
ومتكأ الجَنْبِ العجوزِ مُهَلْهلُ
ويوقظنا رعبُ الرُّؤَى ذاتَ غفوةٍ
ولا حُلُمٌ من سندسٍ فيُؤَوَّلُ
بَكَتْ كِلْمةٌ مذبوحةٌ بقصيدةٍ
فَمأسَاتُها أن ليسَ مسعفَ يخجلُ
طبيبكُ شطَّت في يديهِ مباضعٌ
وفي غرفة الإنعاش راحَ يُقَتِّلُ
تموتُ ولا تخديرَ آلمَ مَوْتةٍ
وكنت تري باب النجاةِ ..فَيُقْفَلُ
أتِلْكمْ يدٌ قدْ لامستْ طينَ مضغةٍ
وفي بعضها آياتُ سحرٍ تَنَزَّلُ
وكنتِ إذا قد حلَّ قَحْطٌ سنابلًا
ونارَ قِرى عامِ الرَّمادةِ تُشْعَلُ
فكيفَ انتبهتِ الآنَ لحظةَ رعشةٍ
سرتْ بدمي حينَ الرؤى تتَشَكَّلُ
وأفْزعتِ روحًا غُيِّبتْ وفرائصًا
وما كذبتْ لكنَّها تَتَجَمَّلُ
إذا ماتَ حلمٌ في نُطَيَفَةِ فكرةٍ
تجوعُ خيولٌ والقصائد تذبلُ
ويَعْرى جنينٌ لا مَشيمةَ حولهُ
ويولدُ طفلٌ - شوَّهَتهُ - مُكَبَّلُ
نُدوبُ سُلالاتٍ دخيلٌ بناؤُها
فليسَ بها عِرْقٌ ولا مُتَخَيَّلُ
وعزفٌ نشازٌ لا مَقامَ يُجِيزُهُ
ونحتٌ هجينٌ فالحجارةُ عُطّلُ
فيا كم حَوى حزنَ النبوَّةِ شاعرٌ
شهيدًا بلا أجرٍ ..وَمَنْسِيَّ يُرحَلُ
محمود حسن
************
" وقد تكتمل القصيدة يوما "
تتبدى لي قصيدة " رعشات الرؤى" بوصفها بناءً شعريًا تتكثف فيه التجربة داخل نسيج لغوي متوتر، لا يسعى إلى تمثيل الواقع بقدر ما يسعى إلى مساءلة شروط المعنى، ومن ثمّ، فإن مقاربة النص تأويليًا تقتضي النظر إليه باعتباره حدثَ فهمٍ، لا مجرد موضوع جمالي، على النحو الذي يقرره جادامر حين يجعل اللغة المجال الذي يتحقق فيه الوجود والفهم معًا¹. في هذا الأفق، تغدو الكلمة، والصورة، والإيقاع عناصر بنائية فاعلة في إنتاج الدلالة، لا أدوات تعبير محايدة.
فمنذ مطلع النص، تتشكل بنية الصورة على أساس الانطلاق من مركزية ثقل النص " نعود إلى حيث اللقاء مؤجل" . الصورة هنا لا تُرى، بقدر ما يفكر فيها ، إذ إن فعل العودة لا يقود إلى أصل، العودة هنا قرينة تأجيل، بما يحوّل الحركة إلى دوران بلا مخرج. ويتأكد هذا البعد البنائي في قوله: " ولا آخر يأتي ولا جاء أول"، حيث تُبنى الصورة على نفي الحدّين معًا، فتتشكل دلالة الفراغ الزمني عبر آلية لغوية بسيطة لكنها كثيفة الأثر. إن الصورة، هنا، ليست تشبيهًا ولا استعارة منفردة، بل بنية كلية تُعطّل أفق التقدم، وتجعل الزمن نفسه مادة شعرية مأزومة.
وتتعمق هذه البنائية عبر صور الطبيعة الصامتة، حين نصغي لقول الشاعر " حزن الجبال وصمتها"، فالجبل، بوصفه رمز الثبات والعلو، يُنزَع من دلالته التقليدية ليغدو حاملًا للحزن والصمت. هذه المفارقة الدلالية تكشف آلية اشتغال الصورة في القصيدة، قلب المألوف، لا لتوليد الدهشة والغرائبية، إنما لتعرية العالم من يقيناته. الصورة هنا ليست زخرفًا، ربما كانت تفكيكًا رمزيًا للمرجع الثقافي ذاته، وهو ما يجعلها صورة تأويلية بامتياز، لا تصويرية محضة.
وفي ظني؛ يبلغ وعي النص بالصورة ذروته في قوله "بكت كلمة مذبوحة بقصيدة". هذه الصورة لا تقوم على البنية الاستعارة ، إنما على ما يمكنني أن أسميه بالتشخيص المزدوج ؛ فالكلمة ككائن حي، والقصيدة كأداة ذبح. إننا أمام صورة تعكس وعيًا نقديًا باللغة، حيث تتحول القصيدة من فضاء خلاص إلى فضاء عنف. وبهذا المعنى، تتجاوز الصورة وظيفتها البلاغية لتصبح بنية فكرية، تكشف عن مأزق اللغة حين تنفصل عن مسؤوليتها الأخلاقية، وهو ما ينسجم مع تصور جادامر للغة بوصفها بيت الكينونة، لا أداة خارجية².
أما الصورة الأكثر قسوة في النص، فتتمثل في مشهد الطبيب وغرفة الإنعاش. هنا تتضافر الصورة الشعرية مع البعد السردي، لتكوين مشهدية كليلة لا على الإيحاء الجزئي ولتنظر الطبيب، المفترض أن يكون رمز النجاة، كيف يتحول إلى قاتل، وغرفة الإنعاش إلى مسرح موت. هذه الصورة المركبة تُبنى على آلية الانقلاب الدلالي، حيث تُسحب الوظيفة الرمزية من عناصرها، وتُعاد صياغتها على نحو مأساوي. إنها صورة لا تُقرأ إلا في ضوء سياق ثقافي، ربما يشير إلى تحول مؤسسات المعنى إلى أدوات إلغاء وهدم لا بناء وتشييد .
ومن جهة أخرى ؛ توازي بنية الصورة بنيةٌ إيقاعية لا تقل كثافة. فالقصيدة المنتظمة في بحرها العروضي، والتكرار الصوتي لحروف اللين، ولا سيما المدود، يقابله حضور مكثف للأصوات الصلبة (القاف، الطاء، الجيم)، ما يخلق توترًا إيقاعيًا يعكس توتر المعنى. إن الإيقاع هنا ليس حاملًا موسيقيًا محايدًا، الإيقاع هنا يسهم في توليد الرعشة التي يحيل إليها العنوان. يلاحظ أن القافية الموحّدة تُستثمر لإبراز الاختناق الدلالي؛ فعودة الصوت نفسه في نهاية الأبيات تُحاكي العودة الدائرية للمعنى، وكأن الإيقاع يعيد إنتاج المأزق ذاته الذي تنتجه الصورة.
وبهذا، يتحول الإيقاع إلى عنصر تأويلي، لا مجرد انتظام عروضي، يسهم في توليد معنى ارتعاشة الرؤى وهو ما ينسجم مع رؤية جادامر للفن بوصفه " لعبة" لها قوانينها الداخلية التي تشرك المتلقي في تحققها³.
وتتجلى بنية الصورة-الإيقاع بأوضح صورها في مقاطع الولادة والموت " يعري جنين لا مشيمة حوله / ويولد طفل – شوهته – مكبل ".
الصورة هنا – فيما أرى- تقوم على تفكيك مفهوم البداية؛ فالولادة لا تعني الحياة، الولادة قرينة العطب منذ اللحظة الأولى. والإيقاع، بما يحمله من توقفات داخلية وتقطيع نحوي، يعمّق الإحساس بالانكسار، وكأن الجملة نفسها تتعثر كما يتعثر المعنى.
ولنقرأ قول الأستاذ محمود حسن :
نُدوبُ سُلالاتٍ دخيلٌ بناؤُها
فليسَ بها عِرْقٌ ولا مُتَخَيَّلُ
وعزفٌ نشازٌ لا مَقامَ يُجِيزُهُ
ونحتٌ هجينٌ فالحجارةُ عُطّلُ
فيا كم حَوى حزنَ النبوَّةِ شاعرٌ
شهيدًا بلا أجرٍ ..وَمَنْسِيَّ يُرحَلُ
هنا يمكن قراءة النص بوصفه احتجاجًا على زمن يخلط بين الأصالة والاستنساخ، بين التجديد والتهجين، وبين الشهرة والقيمة. إنه نص يُدين خطاب الحداثة الزائفة حين تنفصل عن جذورها دون أن تنتج أفقًا جديدًا، ويُعيد الاعتبار للشاعر بوصفه ضميرًا ثقافيًا لا مجرد منتِج لغوي. وفي العمق، يكشف النص عن مأساة المثقف العربي المعاصر حين يكون حاملاً "حزن النبوّة" في زمن لا يعترف بالأنبياء ولا بالشعراء. ولنتأمل ما يحمله النص بالفحوى من دلالات النشاز الذي "لا مقام يجيزه" وما يحيل إليه من كسر غير واعٍ لقوانين الذوق الثقافي، لا بوصفه تمردًا إبداعيًا، إنما بوصفه خللاً بنيويًا عاما ، فالمقام هنا ليس موسيقيًا فحسب، إنما المقام ثقافي وأخلاقي، إنه الإطار الذي يمنح الفعل الفني مشروعيته. وليس ببعيد عن ذلك رمزية "النحت الهجين" الذي تُعطَّل فيه الحجارة: فالمادة الخام هنا (الحجر/اللغة/الواقع) حاضرة، لكن اليد التي تشكّلها عاجزة، أو مغتربة عن شروط الصنعة والمعنى.
أما الخاتمة السفلية ؛ "قد تكتمل القصيدة يومًا" ، فهي صيغة معلّقة، لا تُنهي الإيقاع بقدر ما تتركه مفتوحًا. فالفعل المضارع المؤجل يحافظ على توتر الزمن، ويجعل اكتمال القصيدة مشروطًا باكتمال شروط الفهم. وهنا يتجلى البعد التأويلي الجادامري بوضوح، فالمعنى ليس معطى نهائيًا، إنما حدثًا تاريخيًا مفتوحًا، غير أن القصيدة تضيف إلى هذا التصور بعدًا مأساويًا، إذ تكشف أن هذا الانفتاح قد يتحول إلى تعليق دائم.
بهذا كله، يمكن القول إن " رعشات الرؤى" قصيدة تُبنى من الداخل، عبر تضافر الصورة والإيقاع واللغة، لا لتقديم معنى مكتمل، بل لفضح هشاشته. إنها نصّ يجعل من الشعر فضاء اختبار للكلمة، ومحنة للشاعر، وسؤالًا مفتوحًا للمعنى، حيث يكون الجمال النصي في القدرة على الإبقاء على السؤال.