خاتمة كتابي (أَحْيَاءٌ.. وَلكن) لاسلام العيوطي

خاتمة كتابي (أَحْيَاءٌ.. وَلكن) من إصدار دار اللؤلؤة للنشر والتـوزيع تدقيق لغوي الأستاذ حسام البيباني
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُتَصِفُ بِالْكَمَالِ، وَمَا دُونَهُ يَعْتَرِيهِ الْعَجْزُ وَالنَّقْصَانُ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَان، الَّذِي أُوتِيَ الْبَيَان، والَّذِي أَقَرَّ بِالأَجرِ لِمَن أَخْطَأَ وَمَنْ أَصَابَ، وَبَعْدُ:
فَقَدِ انْتَهَيْتُ مِنْ مُؤَلَّفِي هَذَا، وَالْمَعْنُونِ لَهُ بِعُنْوَانِ (أَحْيَاءٌ.. وَلكن)، وَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَوَصَّلْتُ إِلَى مَا صَبُوتُ إِلَيْهِ، وَأَنْ لَا أَكُونَ مِمَّنْ ضَلَّ سَعْيُهُ فَيُحْسَبُ عَلَيْهِ. فَقَدْ أَسْقَطْنَا الضَّوءَ عَلَى أَيَّامِ الصِّبَا، وَكَيْفَ دَارَتْ بِنَا الْأَيَّامُ فَجَعَلْتَنَا نَحْيَا حَيَاةً كَسَوَادِ الْعَسَلِ، مَذَاقُهُ مُرٌّ نَتَجَرَّعُهُ دُونَ أَنْ نَمل، حَتَّى اشْتَدَّ عُودنَا وَأَدْرَكْنَا كَيْفَ سَرقَتْ مِنَّا الْحَيَاةُ أَيَّامَنَا؟
فَصِرْنَا شَبَابًا بِقُلُوبٍ أَصَابَهَا الْهَرَم، فَأَدَّبَتْنَا اللَّيَالِي، وَجَعَلَتْنَا نَشْعُرُ بِكُلِّ مَا يُصِيبُ مُجْتَمَعَاتِنَا، فَشَمَّرْنَا سَوَاعِدَنَا لِنُجَابِهَ، كُلًّ مَسَاوئنَا لِنُجَنِّبَ جِيلنَا وَالْأَجْيَالَ الْلَاحِقَةُ بِنَا مِرَارَة مَا تَجَرَّعْنَاهُ طِيلَةَ عُمْرِنَا، فَهَذَا هُوَ الشَّرَفُ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الشَّرَفَ لَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الضَّيِّقِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْأَعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةِ فَحسب، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ أَيْضًا شَرَف الْكَلِمَةِ، وَشَرَفَ الْعَمَلِ، وَشَرَفَ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
فَكَيْفَ نَعْبُدُ اللَّهَ وَنَحْنُ بَعِيدُونَ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ تَقْوَاهُ؟!! فَالمشَاعِرُ تَبَلَّدَت والْأَحَاسِيسُ تَاهَتْ وتَدَهْوَرَتْ وَتَشَوَّهَتْ، وَحُبُّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ قَلَّما تَجِدُهُ فَقَد اغْتَالَتْهُ الْأَيْدِي الْآثمَةُ. فَالْبَعْضُ اسْتَسْلَمَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ قَدَمَاهُ مَغرُوسَة فِي قَلْبِ الْمَعْرَكَةِ، فَالتَهَمَهُ الْعَدُوُّ، وَكُلُّتَا يَدَيْهِ مُكَبَّلَة، وَعَيْنَاهُ تَنْظُر لِلذِّئَابِ وَهِيَ تَنْهَشُ جَسَدَهُ.
نَعَمْ يَا عَزِيزِي! هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ الْعَارِيَةُ. فَالذَّوقُ العامُّ اِخْتَلَفْ وَانْحَدَرَ، وَتَعَلَّمْنَا الْحُبَّ عَلَى أَيْدِي مَنْ لَيْسَ لَهُمْ قَلْبٌ، حَتَّى أَدْرَكْنَا أَنَّ الْحَيَاةَ شَيْءٌ أَعْمَقُ مِنْ هَذَا وَذَاكَ، فَهِيَ كَالنَّهْرِ لَا نَعْلَمُ مِنْهُ الْمَنْبَعَ مِنَ الْمَصَبِّ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ عَبَثًا، وَأَنْ بُطُونَ الْكُتُبِ مَنَارَةٌ نَسْتَقِي مِنْهَا الْمَهَارَةَ فِي الْفَنِّ وَالْأَدَبِ، وَالْحُبَّ نَرْوِي مِنْهُ الْفَتَيَاتُ التَّائِهَةُ مَا بَيْنَ الْأَحْلَامِ وَالْأَمَانِيِّ الْفَارِغَةِ.
فَبَعْضُ النِّسَاءِ سَاخِطَات عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِنَّ، وَأُخْرَيَاتٌ يَتَمَنَّوْنَ نِصْفَ مَا بِأَيْدِي غَيْرِهِنَّ، يَطْلُبْنَ الرَّحْمَةَ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِهَا لَهُنَّ، بَلْ وَقَننَت التَّشْرِيعَاتُ لهُنَّ الْعَقَبَات ليتجرعنَّ مَرَارَةِ الْأَلَمِ.
فَأَصْبَحَ مُجْتَمَعُنَا كَمَلْهًى لَيلي أَفْرَادُه كَمُدْمِنِي الْمُخَدِّرَاتِ، وَالنَّفْسُ السَّويَّةُ تَأْبَى الِانْغِمَاسَ فِي الشَّهَوَاتِ.
للَّهُ دُركَ يَا مَنْ جِئْتَ مُتَمِّمًا لمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
فطَافَ بِنَا المُطَاف نِهَايَتهُ حَتَّى أَيْقَنَّا أَنَّ الشُّهْرَةَ فِي كُلِّ الْمَجَالَاتِ تَقْتَرِنُ بِهَا الثَّروَةُ، فَأَصْحَابُهَا يَعِيشُونَ لِيَجْمَعُوا ثَرْوَةً مَادِّيَّةً، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْعِلْمِ يَحيونَ لِيَصْنَعُوا ثَرْوَةً فِكْرِيَّةً تَزخَرُ بِهَا نَفْسُ الْعَالَمِ وَالنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
يَا رَبِّ أَمرتنَا بِالدُّعَاءِ وَوَعَدْتَنَا بِالْإِجَابَةِ، فَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ نَدْعُو، اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ…



Messenger_creation_E77E228F-222D-49C1-8AFD-52DD8BADE5BB.jpeg

Messenger_creation_369B664C-93DF-483C-A0CB-B18F8AFEF143.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى