حكَّام الجزائر، فكرياً، مثلُهم مثلَ علماء وفقهاء الدين الحاليين

الفرق بين هؤلاء الحُكَّام وعلماء وفقهاء الدين، هو أن الأولين، أي حُكَّامُ الجزائر، مُنشغِلون بالسياسة السياسوية، أي إدخال الغلو السياسي في تدبير شؤون الوطن والمواطنين. بمعنى أن جميعَ الأمور تصبح مُسيَّسة ولو أدى ذلك ألى تدبيرٍ يشوبُه العبث والتفاهة وسوء الأحوال. بينما الآخرون، أي علماء وفقهاء الدين مُنشغِلون بالأمور الدينية كما تُمليها عليهم خلفياتُهم الفكرية، الاجتماعِية والثقافية. والقاسِم المُشترَك بين هؤلاء وهؤلاء، هو فرضُ نمط تفكيرهم على الناس، عنوةً، أي أحبَّ مَن أحبَّ و كرِه مَن كرِه

لكن، قد يَطرَح القراءُ السؤالَ التالي : "لماذا اخترتُ هذا العنوان لهذه المقالة"، أو بعِبارةٍ أخرى، "لماذا شبَّهتُ حكَّامَ الجزائر، فكرياً، بعلماء وفقهاء الدين"؟

هذا التَّشبيهُ ليس صُدفة أو مجرَّد فكرة أمطرتها علي السماء. صحيح، إنها فكرة، لكن ليست اعتيادية. بل لها ما يُبرِّرها. كيف ذلك؟

علماءُ وفقهاءُ الدين الحاليون، من أجل توصيل الدين إلى الناس أو من أجل تفسيرِه ليعملَ به هؤلاء الناس، اكتفوا، إلا نادِراً، بما قاله، في موضوعِ الأمور الدينية، علماءُ وفقهاءُ الدين، القدامى، من صحابةٍ وأتباعهم واتباع التابعين، من أئمَّةٍ وشيوخٍ ومُفسِّرين. بمعنى أن علماء وفقهاء الدين، الحاليين، لم يأخذوا بعين الاعتبار التَّطوُّر الذي حدث في المجتمعات الإسلامية، أي أن ما قالَه الأولون، في تفسيرهم للأمور الدينية، صالحُ لكل زمان ومكان، فكرِياً وعملياً.

وهذا النهج في التفكير، هو ما سارَ عليه حكامُ الجزائر في تدبير شؤون البلاد والعباد. لقد بالغوا في تسييسِ كل الأمور التي لها علاقة بهذا التَّدبير، سواءً على المستوى الداخلي أو الخارِجي. الداخلي لما يتعلَّق الأمرُ بتوفير كرامة العيش للمواطنين الجزائريين، وخصوصا، أن الجزائر لها ما يكفي من الثروات النَّفطية والغازية التي تُدرُّ عليها أموالاً طائفة من العُملة الصعبة التي تمكِّن المواطنين الجزائريين من التَّمتُّع بأعلى مستوى عيشٍ في القارة الإفريقية. لكن واقعَ عيشِ المواطنين الجزائريين يُبيِّن، بوضوحٍ، أن الجزائرَ بلدٌ فقيرٌ لا يملك أيةَ ثروة نفطِية ولا غازِية. لماذا؟

لأن حُكَّام الجزائر بالَغوا، لصالِحِهم، في تسييسِ كلَّ الأمور التي لها علاقة بتدبير شؤون البلاد والعباد. بل إنهم متشبِّثون بمبادئ سياسية أكل الدهرُ عليها وشرب، أي لم تعُد صالحةً للتَّدبير الجيِّد لشؤون البلاد والعباد. ومن بين هذه المبادئ، أذكر، على سبيل المثال، الإمبريالية، التضامن بين الشعوب، التَّقدُّمية le progressisme، العالمية l'internationalisme، الاشتراكية le socialisme، الدفاع عن حقوق الآخر وعدم قبول ممارسة التَّعسُّف على الشعوب، الأخوة بين الشعوب…

كل هذه المبادئ، إما مُتضمَّنة في الدستور الجزائري، وإما يُعمل بها في السياسة الخارجية للجزائر، علما أن علاقات جميع بلدان العالم، حالياً، مبنيةٌ على تحقيق أو تبادل المصالح. كل بلدٍ، عندما يريد أن يُقيمَ علاقات تعاون اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي أو تكنولوجي أو علمي… مع بلد آخرَ، يضع تحقيقََ مصالحِه في الدرجة الأولى، أي ماذا سيُفيده هذا التعاون أو ماذا سيربح من ورائه…

ولهذا، فحُكَّامُ الجزائر، عسكريون ومدنيون، لا يختلفون، في نمطِ تفكيرهم وفي رؤيتِهم العقلية لأمورِ البلاد والعباد، عن علماء وفقهاء الدين، الحاليين. حكَّام الجزائر وعلماء وفقهاء الدين لهم نفس طريقة (نَمَط) التفكير المُعتمٍدة على ما كان سائدا، في الماضي، من مبادئَ وقِيمٍ تجَاوزَها الزمان والمكان. أضف إلى هذا، أن المبادئ والقيم ليست إلا شعارات des slogans, إن كانت صالِحةً للماضي، فهي، حاليا، غير صالِحة للعصر الحاضرِ أو يجب تكييفُها مع هذا الحاضر.

مايهمُّهم (حكَّام الجزائر)، هو فرض طريقةَ تفكيرهم على الشعب الجزائري وإلهاءه بأمورٍ لا ناقةَ له فيها ولا جَمَل، وخلقُ قضايا لا تنفعُه إن انشغلَ بها أو لم ينشغل بها. وأكبر قضيةٍ خلقَها حكَّم الجزائر لإلهاء الشعب الجزائري، هي قضية الصحراء المغربية أو ما يُسمُّونه حق الشعب ألصحراوي في تقرير مصيره.

ولا داعي للقول أن النظامَ الجزائري، اعتِماداً على تشبُّثِه بالمبادئ والقيم الزائفة، المذكورة أعلاه، نجح في زرعِ وغرز a réussi à inculquer ou incruster قضية الصحراء، المُفتعلة، في ذاكرة المواطنين الجزائريين، وخصوصا، البسطاء منهم فكريا. علماً أن هذه القضايا لا تساهِم لا في تنمية البلاد ولا في توفير كرامة العيش للمواطنين الجزائريين.

وبدون أدنى شكٍّ أن هذه القضايا لها انعكاسٌ سلبي على تدبير شؤون البلاد والعِباد كسوءُ الحكامة la mauvaise gouvernance والفساد بجميع أشكالِه والقمعُ والاستبداد… بمعنى أن حُكَّامَ الجزائر، بحكم تشبُّثِهم بمبادئ وقيم أكلَ الدهرُ عليها وشرب، يمضون وقتَهم، تقريبا كلَّه، في محاولة تحقيقِ هذه المبادئ والقيم على أرض الواقع، وذلك على حساب رفاهية الشعب وكرامة عيشِه.

وهذا هو ما نشاهده، بأمِّ أعيُننا، في واقع المواطنين الجزائريين الذين يُعانون من أبسط أمورِ العيش والحياة.

أن يصطفَّ الموطِنون في طوابير طويلة من أجل الحصول على نصف لترٍ من الحليب أو على قنينة زيت أو على شيء من الدقيق أو العدس أو الحمَّص…، فهذا شيءٌ غير مقبول في بلد غنيٍّ بالنَّفط والغاز. أن يتعب المواطِنون من أجل الحصول على سيارة للتَّنقُّل، فهذا شيءٌ غير مقبول في بلدٍ غنيٍّ بالنفط والغاز. أن يفتحَ المواطِنون الجزائريون الصنبورَ le robinet ولا يجدون فيه ما يسدُّون به عطشَهم، فهذا شيءٌ غير مقبول في بلدٍ غنيٍّ بالنفط والغاز. أن يفرَّ المواطنون الجزائريون من جحيم الحياة في بلدِهم، مُمتَطين قواربَ الموت، فهذا شيءٌ غير مقبول في بلدٍ غنيٍّ بالنفط والغاز…

وفي الختام، نمطُ تفكيرِ حُكَّام الجزائر يُشبِه، إلى أعلى درجة، نمطَ تفكير علماء وفقهاء الدين. كلاهما يعتمِدان على مبادئ وقيم ماضوِية أكل الدهرُ عليها وشرِب. إن كانت صالِحةً لواقع الماضي، فالحاضِر يرفضها أو يُطالِب بتكييفِها مع خصواصياتِه ومع ما حدث فيه من تغييرات، أحياناً، جذرية.

الحقيقة، كل الحقيقة، أن الطرفين، أي حكَّام الجزائر وعلماء وفقهاء الدين، الحاليين، هدفُهم الأساسي، هو بقاءهم مُسيطِرين على عقول الناس وإجبارِها على الجمود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى