بدايات الجنون – 1-
تمشي في شوارع نابلس ، تنظر إلى المحلات التجارية ، ولا ترى ، منذ تسعة أشهر ، إلا الهدوء . حركة قليلة وبشر يمكن أن تعدهم إذا رغبت ، وأنت منذ 28/9/2000 لم تغادر المدينة إلا مرة واحدة إلى أريحا فعمان . لم تزر رام الله مرة واحدة ، لا لأنك لا ترغب في زيارتها ، وإنما لأنك تصغي إلى جارك يحدثك عن عذابات الطريق . هو يأتي مضطراً ، وأنت لست مضطراً لأن تسافر . لأنك ، حين كنت تسافر ، كنت تسافر رغبة في تغيير الشوارع التي تذرعها .
تمشي في شوارع نابلس ، وترى الشوارع شبه فارغة ، ولا تبصر البشر أفواجاً إلا حين تكون هناك جنازة شهيد . حين تكون هناك جنازة ترى الشوارع تمشي وتصغي إلى أصوات الرصاص ، وتذهب نصيحة محافظ نابلس ، أبو جهاد العالول ، هباء . لا أحد يوفر الرصاصة لزمن صعب قد يأتي . وتتساءل :
- من أين يحصلون على هذا الرصاص ؟
ويجيبك أحدهم:
- إنهم يدفعون ثمن الرصاصة كذا شيكلاً ، ويبدون في هذا كرماء وكرماء ، جداً . للرصاص ، رصيد ، وإطلاقه بلا حساب ( تتذكر ما بثه التلفاز عن أحداث الخليل ، تتذكر ما قاله رجل خليلي تعرض بيته لاعتداء الإسرائيليين المستوطنين : إنهم يطلقون الرصاص دون أن يصيبوا إسرائيلياً ، ونحن ندفع الثمن ، والله لو قتلوا واحداً أو أصابوا لما حزنا .
وتقول:
- لعله يبالغ ، ولكن قتلانا وجرحانا أكثر ) .
قبل أسبوع من الآن ، 11/7/2001 أو أقل قليلاً كنت تسير في شوارع نابلس ، كنت تسير مع صديق قديم ، وبعد أن زرتما شوارع البلدة القديمة واقتربتما من الدوار ، أصغيتما إلى رجل يهذي ، يشتم ويشتم ويشتم ، وذكرك بمظفر النواب ، وأنت منذ فترة مشغول بإيجاد تفسير لظاهرة الشتم هذه . هل يشتم النواب العرب لأنه يكرههم ؟ لأنه لا يحبهم ؟ أم أنه يشتمهم لأنه يحبهم ؟ ولأنه يحبهم ، دون أن يحققوا له ما يرغب في أن يحققه العرب ، وما يرغب في أن يحققه العرب هو شيء نبيل ، لأنه يحبهم فإنه يشتمهم .
ذلك الرجل من نابلس ، في مدخل سوق البصل ، كان يشتم العرب ويقول :
- لقد سمّن العرب اليهود حتّى يذبحوا أهل فلسطين .
ولو كان العرب انتصروا على اليهود وحرروا أهل فلسطين لما قال الرجل ما قاله . إنه يشتم لأنه رأى واقعاً أليماً عجز هو وأهل فلسطين عن مواجهته ، وعجز العرب أيضاً عن مواجهته .
تقول لصديقك :
- هذه الحالة ليست حالة مرضية ، هذه حالة صحية ، ولعل الأيام القادمة تشهد المزيد من الحالات المشابهة لهذه الحالة . إن ما ألم بنا ليس سهلاً ، إنه يدفع إلى الجنون .
وتمشي في شوارع نابلس ، الشوارع غير مكتظة ، وأهل الريف الذين تعتمد المدينة عليهم ، في البيع والشراء ، لا يأتون إلى المدينة إلا بصعوبة بالغة ، والكل يشكو ، أصحاب السيارات العمومية يشكون ، والتجار يشكون ، وأهل الريف يعانون ، والرجل يشتم ولا بُدَّ من جنون ، لا بُدَّ من جنون حتّى نثبت أننا أصحاء نتأثر بما حولنا ونقنع ذاتنا بأننا لا نذهب إلى المسلخ كالخراف .
عمان 11/7/2001
لماذا .. يا نحنُ ؟
تقرر السفر إلى عمان لكي تشارك في مؤتمر ستعقده الجامعة الأردنية في 16/7/2001. وتتساءل :
- متى أسافر ؟
لقد حجز المشرفون على المؤتمر غرفاً للقادمين ابتداءً من 15/7. ولا تغفل عينيك عما يجري هنا في الأرض المحتلة . ماذا لو أغلق الجسر في قادم الأيام ؟ ماذا لو حدث انفجار ما ؟
وتبكر السفر خمسة أيام لتنفق أكثرها ، هناك ، ضجراً ، لأن كيانك كله ، حين تسافر وتقيم في غير منزلك ، يهتز . أنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، لأنك ستجد نفسك أمام عالم آخر يجبرك على ممارسة طقوس أخرى . وحين تسافر مبكراً تضع يدك على قلبك . تصحو مبكراً ، تصغي إلى نشرة الأخبار ليعلن المذيع أن معابر قطاع غزة قد أغلقت في وجه المسافرين وذلك بسبب انفجار سبب الهلاك للمقدم عليه في عملية انتحارية .
ولم يغلقوا معابر الضفة . في الطريق تصغي إلى السائق يقارن بين اليوم والأمس ، يقول :
- لقد سهلها الله اليوم . أمس سرنا في طرق التفافية . اليوم سنصل إلى أريحا في العاشرة ، أمس وصلنا إليها في الثانية ظهراً .
وتبدأ ، في استراحة أريحا ، المشكلة . ثمة شرطة فلسطينيون يبدون وكأنهم يحافظون على النظام . تجلس ، مثل بقية المواطنين ، على المقاعد المخصصة للمغادرين . تنتظر أن يأتي دورك ، ولكنك تبصر شرطياً يصيح على مواطن كان قام من مقعده ليجلس امرأة ، هكذا روى ، ولكن الشرطي يطلب منه أن يعود إلى الصفوف الخلفية . هذا يعني أن عليه أن يتأخر ساعتين على أقل تقدير . تراقب ما يجري . تلوم الشاب لأنه فعل خيراً وتهمس :
- على المرء، في مثل هذه الظروف ، ألا يفعل خيراً . عليه أن يكون قانونياً .
وتسبح بحمد الشرطي لأنه حافظ على النظام .
ولكنك تفاجأ حين ينادي هذا الشرطي على عشرة مواطنين طالباً منهم أن يذهبوا إلى الباص الجديد . وتسأل هل يسافر الباص بعشرة ركاب فقط ؟
وتنظر حولك لترى أربعين مواطناً يقومون بالسير على طرق التفافية غض الشرطة الفلسطينية النظر عنها ، ولا تحمد الذكاء الفلسطيني هذه المرة ، فالتحايل لا يكون ، هنا ، على الاحتلال . هنا يلتف من لهم واسطة ، وما أكثرهم ! ويتركون من لا واسطة له ينتظر وينتظر .
ولا تحتمل تلك التصرفات التي يقوم بها المواطنون ويغض النظر عنها من يشعرون بأنهم يطبقون النظام . وتسأل نفسك :
- هل ثمة فرق بين سلوك الشرطي الفلسطيني هنا وسلوك جنود الاحتلال الذين كانوا يسهلون أمر السائقين المتعاونين معهم ؟
وتعود بذاكرتك إلى أيام الاحتلال الأولى ، إلى بداية السبعينيات . كان للسائقين المتعاونين ميزة أثروا من ورائها .
وتدفعك حميتك ، وربما ثقافتك ، إلى ألا تكون حماراً . تذهب إلى الشرطي وتخاطبه بأدب جم :
- يا أخي عليك أن تراعي أننا بشر ، وعليك أن تحول دون تسرب هؤلاء .
يعدك الشرطي أنه سينتبه إلى هؤلاء الخارجين عن النظام ، ولكنه لا يفعل ، ولا يختلف الوضع كثيراً ، بل إن الشرطة يساعدون بعض المواطنين على التسرب ، لأنهم – أي الشرطة – ما زالوا يؤمنون بجماعتي وجماعتي وقريتي ومعارفي . وتعود إلى الشرطي من جديد: يا أخي هذا لا يجوز ، نحن أيضاً بشر . يطلب الشرطي منك أن تعود إلى مقعدك ، فهو ، كما قال ، يعرف واجبه .
تذهب إلى المسؤول عن الشرطي ، فلا تختلف إجابته :
- إجلس مكانك.
وتنسحب بهدوء ، لأنك لا تريد أن تعود إلى الضفة ، ويكون سبب عودتك الشرطة الفلسطينية لا سلطات الاحتلال .
تصغي إلى أحاديث النّاس يمايزون ويقارنون ، ويصبح الاحتلال لمن ليس لديهم واسطة ، يصبح ، في تلك اللحظة ، مثالاً وماضياً يترحم البسطاء على أيامه . ويحزنك هذا ، فالاحتلال ما زال يمارس فظائعه ، ولا تنسى كلام السائق عن الطرق الالتفافية . يحزنك أن الذي دفع بعض المواطنين لقول هذا هم بعض الشرطة الفلسطينية . وتسأل نفسك :
" هل أكتب هذا ؟ " .
في فندق ( الميرلاند ) في عمان تجلس على كرسيك وراء طاولتك وتكتب ، وتدفعك قصة " عزيز نيسين " الكاتب التركي، قصته " آه منا نحن الحمير " إلى الكتابة .
كان للحمير لغة مثل لغة البشر ، وانقرضت هذه ، لأن حماراً رأى ذئباً يقترب منه ، وبدلاً من أن يصرخ ويهرب ، أخذ يقنع نفسه بأن ما يراه ليس ذئباً حتّى اقترب هذا منه وأمسك برقبته وكان كلام الحمار الأخير النهيق آ آ آ آ ، ومن يومها ما عادت الحمير تتكلم .
وأنت الآن تكتب هذا ، وتخاطب الشرطي والمسؤول عنه :
- لماذا ... يا نحن ؟ لماذا دفعنا بعض المواطنين إلى الترحم على أيام الاحتلال الذي ما زال يقتلنا ؟!!
25/8/2001
كوشان بيت جدي :
تدخل إلى البقالة لتشتري الخبز . تلقي التحية على صاحبها الذي كنت علمته في المدرسة قبل خمس وعشرين سنة ، فيرد عليك ويتابع مع زبائن آخرين كانوا موجودين في البقالة قبل أن تدلف إليها ، وفجأة يسألك :
– قل لي يا أستاذ ، كيف يمكن أن أخرج شهادة ميلاد لجدي الذي ولد في ترشيحة ؟
وتسأله عن السبب ، بعد أن تخبره أنك لا تعرف ، فيجيب :
- إنهم سيدفعون للاجئين تعويضات ، والتعويضات مغرية وسوف تصل إلى خمسين ألف دولار .
وتتذكر سؤال والدك لك قبل شهرين أو ثلاثة عن بطاقة المؤن الخاصة بك . تسأله عن السبب يقول لك :
- إنهم يدفعون مائة وخمسين شيقلاً لكل لاجئ بسبب الأوضاع السائدة .
تعطيه البطاقة عله يحصل على مائة وخمسين شيكلاً وشوال طحين ، ثم يخبرك أنهم لم يعطوه إياها لأنك لم تسجل اسمك من قبل ، أو لأنك أستاذ جامعي يحصل على راتب جيد .
وتنظر ، وأنت تصغي في بيتك ، في أوراق ملاحظاتك . ثمة ورقة صغيرة كتبت عليها ملاحظة لتكون محور قصة قصيرة . " بيتنا في يافا وكوشان جدي " ولا تكتب القصة على الرغم من مرور عام أو عامين على الملاحظة .
ودائماً تعود بك الذاكرة إلى أيام الشباب والطفولة .
تتذكر بيوت المخيم . تتذكر جدك وجدتك اللذين أقاما في غرفة منفصلة عن غرفة أبيك وعمك الأكبر ، وأقام بالقرب منهما – أي من جدك وجدتك – عمك الصغير . ولا تعرف ، الآن ، السبب الذي جعلاهما يعطيانه كوشان بيتهما في يافا ليحتفظ به . ألأنه كان يقيم بينهما ومعهما قبل أن يتزوج وتصبح له عائلة ؟ ألأنه أوصل لهما الكهرباء من بيته ؟ الأنه في لحظة صفاء استطاع الحصول عليه ؟ أم أنه أخذه خلسة واحتفظ به. وتتذكر أن والدك وعمك الأكثر كانا يطلبان من الكوشان صورة ليحتفظا بها . وكان عمك يرفض ذلك ؛ لأنه يريد البيت كله له .
ذات مرة زرت يافا مع أبيك ، فمر من أمام بيت والده وقال :
- هذا هو بيتنا . وحين قرأت " عائد إلى حيفا " لغسان كنفاني تذكرت تلك الزيارة . لم يفعل أبوك شيئاً ، مثله مثل سعيد . س . ولم يفعل عمك شيئاً أيضاً . ظل الجميع يحتفظ بالكوشان ومفتاح البيت على أمل أن يحرر عبد الناصر فلسطين ، وبعد 1967 على أمل أن يحررها الفدائيون . وهدم البيت . هكذا عرفت من مواطن نابلسي كان يقيم قبل عام 1948 في يافا بالقرب من بيت جدك ، ولا تدري إن ظل عمك يحتفظ بالكوشان ، فلم تعد تسأله ، ولم يعد النّاس يسألون عن الكوشان ، فهناك بطاقة الإعاشة التي تصدرها وكالة الغوث ، وهذه البطاقة قد يكون ثمنها خمسين ألف دولار . هكذا يقولون .
وتقول للبقال النابلسي :
- أما أنا فلا أريد أي مبلغ . سوف أترك الخمسين ألف دولار ولن أسأل عنها .
وها أنت تنفق من عمرك سبعة وأربعين عاماً . عشت في مخيم اللاجئين وتقاتلت مع السكان حول الماء، وانتقلت إلى حي بعيد عن المخيم ، ولكنك تشاهد المخيم صباح مساء : مبان بعضها فوق بعض ، بناء مرصوف يبدو عصبي المزاج قبيح المنظر . والناس في المخيم ما زالوا يحلمون بقطعة أرض وحديقة قد تأتي بها بطاقة الإعاشة ، وأما حلم العودة فشعار على لافتة أو على بطاقة تصدرها مؤسسة تحمل مفردة " سنعود " يقوم عليها بعض من يحلمون بالعودة.
عمان 12/7/2001
هل أنت من مواطني 1948 ؟
تستقل السيارة من العبدلي ، في عمان ، إلى فندق عمرة لتنفق ساعة أو ساعتين في ( فيينا كفى ). تنظر إلى العداد الذي توقف أمام الرقم ( 40 ) فتلفت نظر السائق ، ويسألك هذا :
- هل أنت من عرب 1948 ؟
وقبل أن تبدأ حواراً معه تقول له : - أمس ، وأنا عائد من فندق عمرة ، سألني سائق السيارة أيضاً السؤال ذاته .
وتسأل السائق :
- لماذا هذا السؤال ؟
يتحدث السائق الذي هو من منطقة جنين ، ويقيم في عمان ، عن عرب 1948. يقول لك إن هؤلاء يأتون إلى هنا وينزلون في فنادق ضخمة ، أسعارها مرتفعة جداً ، ويدفعون مقابل مبيتهم الكثير ولا يسألون ، ولكنهم حين يستقلون سيارة الأجرة يلتفتون أول ما يلتفتون إلى عداد السيارة ، ويفصحون عن رأيهم :
- أنتم سائقو السيارات تستغلون عرب 1948 .
تحتار حقيقة بم تجيب السائق عن سؤاله :
- هل أنت من مواطني 1948 ؟
تقول للسائق :
- أنا من مناطق عام 1948 أصلاً ، ولكني أقمت في الضفة الغربية منذ العام 1948. أنا من نابلس الآن . وكنت ترغب في أن تقول :
- أنا من فلسطين ، وتكتفي بهذا .
قبل فترة كانت إحدى الطالبات ، من منطقة الجليل ، في مكتب رئيس القسم ، ولا تدري الآن ، بالضبط ، ما الحوار الذي جرى بينكم الثلاثة ، ولكنك وأنت تصحح ورقتها ، في الامتحان النهائي ، تقرأ ملاحظة لافتة للنظر :
" سامحك الله يا أستاذ على الرغم من اتهامنا ، نحن عرب 1948 ، بأننا جواسيس لليهود . أرجو أن تقرأ ص84 من كتاب حليم بركات " المجتمع العربي المعاصر " .
لا تدري بالضبط ما الكلام الذي قلته وأنت تتحدث مع الطالبة . هل قلته جاداً أم مازحاً أم بين بين ؟ هل قلت هذا الكلام أصلا ً ؟ هل قلت كلاماً آخر ؟ هل جعلتك ظروف الانتفاضة تميز بين فلسطيني في الضفة وآخر في المناطق المحتلة عام 1948 وثالث في لبنان ورابع في الأردن وخامس في سوريا ؟ هل قلت لها ما كان يعتمل في ذهنك : أين هي وحدة الشعب الفلسطيني ؟ لماذا لا يواصل فلسطينيو المناطق المحتلة عام 1948 تحديهم للإسرائيليين ؟ ولماذا لم يشاركوا في الانتفاضة وينتفضون كما ينتفض سكان الضفة الغربية والقطاع ؟ لماذا أصبحنا ، نحن الفلسطينيون ، أيدي سبأ ولا رابط بينها ؟
هل أنت من مواطني عام 1948؟
سؤال لافت للنظر سمعته مرتين في يومين ، وأحتار في الإجابة عنه . أنا في الأصل من يافا ، وأقيم منذ عام 1948 ، مع أهلي ، في مخيم لاجئين قرب نابلس ، ومنذ عام 1978 ، أقيم في نابلس نفسها . فهل أنا من مواطني مناطق 1948 أم أنا من نابلس ؟
في نصي " خربشات ضمير المخاطب " كتبت :
- طلبنا دولة فأعطونا عشرة ،
وكان ذلك في العام 1997 ، ومنذ 28/9/2000 حصلنا على مائة دولة . كل مدينة غدت دولة ، وكل قرية مستقلة عن بقية المدن والقرى المحيطة ، وأصبح التنقل في الضفة أمراً صعباً ، وأما غزة فيبدو الوصول إليها ، لقسم من أهل فلسطين ، معجزة .
في عام 2000 عقدت الجامعة الإسلامية في غزة مؤتمر اللغة العربية، وقررت أن أشارك فيه ، ولما أردت أن أسافر ذهبت وزملائي للحصول على تصريح . سافر زملائي ولم أسافر ، وبعد أسابيع سافرت إلى الأردن فلم يمنعوني ، وحين سألت :
- لماذا يسمحون لي أن أسافر إلى الأردن ولم يسمحوا لي بالسفر إلى غزة ؟
وكان الجواب :
- لأنك، حين تسافر إلى غزة ، تمر بأرض دولة ( إسرائيل ) (؟).
هل أنت من مواطني 1948 ؟ يسألك السائق وتسأل السؤال نفسه لذاتك :
- هل أنا من يافا ؟
عمان 12/7/2001
عادل الأسطة
تمشي في شوارع نابلس ، تنظر إلى المحلات التجارية ، ولا ترى ، منذ تسعة أشهر ، إلا الهدوء . حركة قليلة وبشر يمكن أن تعدهم إذا رغبت ، وأنت منذ 28/9/2000 لم تغادر المدينة إلا مرة واحدة إلى أريحا فعمان . لم تزر رام الله مرة واحدة ، لا لأنك لا ترغب في زيارتها ، وإنما لأنك تصغي إلى جارك يحدثك عن عذابات الطريق . هو يأتي مضطراً ، وأنت لست مضطراً لأن تسافر . لأنك ، حين كنت تسافر ، كنت تسافر رغبة في تغيير الشوارع التي تذرعها .
تمشي في شوارع نابلس ، وترى الشوارع شبه فارغة ، ولا تبصر البشر أفواجاً إلا حين تكون هناك جنازة شهيد . حين تكون هناك جنازة ترى الشوارع تمشي وتصغي إلى أصوات الرصاص ، وتذهب نصيحة محافظ نابلس ، أبو جهاد العالول ، هباء . لا أحد يوفر الرصاصة لزمن صعب قد يأتي . وتتساءل :
- من أين يحصلون على هذا الرصاص ؟
ويجيبك أحدهم:
- إنهم يدفعون ثمن الرصاصة كذا شيكلاً ، ويبدون في هذا كرماء وكرماء ، جداً . للرصاص ، رصيد ، وإطلاقه بلا حساب ( تتذكر ما بثه التلفاز عن أحداث الخليل ، تتذكر ما قاله رجل خليلي تعرض بيته لاعتداء الإسرائيليين المستوطنين : إنهم يطلقون الرصاص دون أن يصيبوا إسرائيلياً ، ونحن ندفع الثمن ، والله لو قتلوا واحداً أو أصابوا لما حزنا .
وتقول:
- لعله يبالغ ، ولكن قتلانا وجرحانا أكثر ) .
قبل أسبوع من الآن ، 11/7/2001 أو أقل قليلاً كنت تسير في شوارع نابلس ، كنت تسير مع صديق قديم ، وبعد أن زرتما شوارع البلدة القديمة واقتربتما من الدوار ، أصغيتما إلى رجل يهذي ، يشتم ويشتم ويشتم ، وذكرك بمظفر النواب ، وأنت منذ فترة مشغول بإيجاد تفسير لظاهرة الشتم هذه . هل يشتم النواب العرب لأنه يكرههم ؟ لأنه لا يحبهم ؟ أم أنه يشتمهم لأنه يحبهم ؟ ولأنه يحبهم ، دون أن يحققوا له ما يرغب في أن يحققه العرب ، وما يرغب في أن يحققه العرب هو شيء نبيل ، لأنه يحبهم فإنه يشتمهم .
ذلك الرجل من نابلس ، في مدخل سوق البصل ، كان يشتم العرب ويقول :
- لقد سمّن العرب اليهود حتّى يذبحوا أهل فلسطين .
ولو كان العرب انتصروا على اليهود وحرروا أهل فلسطين لما قال الرجل ما قاله . إنه يشتم لأنه رأى واقعاً أليماً عجز هو وأهل فلسطين عن مواجهته ، وعجز العرب أيضاً عن مواجهته .
تقول لصديقك :
- هذه الحالة ليست حالة مرضية ، هذه حالة صحية ، ولعل الأيام القادمة تشهد المزيد من الحالات المشابهة لهذه الحالة . إن ما ألم بنا ليس سهلاً ، إنه يدفع إلى الجنون .
وتمشي في شوارع نابلس ، الشوارع غير مكتظة ، وأهل الريف الذين تعتمد المدينة عليهم ، في البيع والشراء ، لا يأتون إلى المدينة إلا بصعوبة بالغة ، والكل يشكو ، أصحاب السيارات العمومية يشكون ، والتجار يشكون ، وأهل الريف يعانون ، والرجل يشتم ولا بُدَّ من جنون ، لا بُدَّ من جنون حتّى نثبت أننا أصحاء نتأثر بما حولنا ونقنع ذاتنا بأننا لا نذهب إلى المسلخ كالخراف .
عمان 11/7/2001
لماذا .. يا نحنُ ؟
تقرر السفر إلى عمان لكي تشارك في مؤتمر ستعقده الجامعة الأردنية في 16/7/2001. وتتساءل :
- متى أسافر ؟
لقد حجز المشرفون على المؤتمر غرفاً للقادمين ابتداءً من 15/7. ولا تغفل عينيك عما يجري هنا في الأرض المحتلة . ماذا لو أغلق الجسر في قادم الأيام ؟ ماذا لو حدث انفجار ما ؟
وتبكر السفر خمسة أيام لتنفق أكثرها ، هناك ، ضجراً ، لأن كيانك كله ، حين تسافر وتقيم في غير منزلك ، يهتز . أنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، لأنك ستجد نفسك أمام عالم آخر يجبرك على ممارسة طقوس أخرى . وحين تسافر مبكراً تضع يدك على قلبك . تصحو مبكراً ، تصغي إلى نشرة الأخبار ليعلن المذيع أن معابر قطاع غزة قد أغلقت في وجه المسافرين وذلك بسبب انفجار سبب الهلاك للمقدم عليه في عملية انتحارية .
ولم يغلقوا معابر الضفة . في الطريق تصغي إلى السائق يقارن بين اليوم والأمس ، يقول :
- لقد سهلها الله اليوم . أمس سرنا في طرق التفافية . اليوم سنصل إلى أريحا في العاشرة ، أمس وصلنا إليها في الثانية ظهراً .
وتبدأ ، في استراحة أريحا ، المشكلة . ثمة شرطة فلسطينيون يبدون وكأنهم يحافظون على النظام . تجلس ، مثل بقية المواطنين ، على المقاعد المخصصة للمغادرين . تنتظر أن يأتي دورك ، ولكنك تبصر شرطياً يصيح على مواطن كان قام من مقعده ليجلس امرأة ، هكذا روى ، ولكن الشرطي يطلب منه أن يعود إلى الصفوف الخلفية . هذا يعني أن عليه أن يتأخر ساعتين على أقل تقدير . تراقب ما يجري . تلوم الشاب لأنه فعل خيراً وتهمس :
- على المرء، في مثل هذه الظروف ، ألا يفعل خيراً . عليه أن يكون قانونياً .
وتسبح بحمد الشرطي لأنه حافظ على النظام .
ولكنك تفاجأ حين ينادي هذا الشرطي على عشرة مواطنين طالباً منهم أن يذهبوا إلى الباص الجديد . وتسأل هل يسافر الباص بعشرة ركاب فقط ؟
وتنظر حولك لترى أربعين مواطناً يقومون بالسير على طرق التفافية غض الشرطة الفلسطينية النظر عنها ، ولا تحمد الذكاء الفلسطيني هذه المرة ، فالتحايل لا يكون ، هنا ، على الاحتلال . هنا يلتف من لهم واسطة ، وما أكثرهم ! ويتركون من لا واسطة له ينتظر وينتظر .
ولا تحتمل تلك التصرفات التي يقوم بها المواطنون ويغض النظر عنها من يشعرون بأنهم يطبقون النظام . وتسأل نفسك :
- هل ثمة فرق بين سلوك الشرطي الفلسطيني هنا وسلوك جنود الاحتلال الذين كانوا يسهلون أمر السائقين المتعاونين معهم ؟
وتعود بذاكرتك إلى أيام الاحتلال الأولى ، إلى بداية السبعينيات . كان للسائقين المتعاونين ميزة أثروا من ورائها .
وتدفعك حميتك ، وربما ثقافتك ، إلى ألا تكون حماراً . تذهب إلى الشرطي وتخاطبه بأدب جم :
- يا أخي عليك أن تراعي أننا بشر ، وعليك أن تحول دون تسرب هؤلاء .
يعدك الشرطي أنه سينتبه إلى هؤلاء الخارجين عن النظام ، ولكنه لا يفعل ، ولا يختلف الوضع كثيراً ، بل إن الشرطة يساعدون بعض المواطنين على التسرب ، لأنهم – أي الشرطة – ما زالوا يؤمنون بجماعتي وجماعتي وقريتي ومعارفي . وتعود إلى الشرطي من جديد: يا أخي هذا لا يجوز ، نحن أيضاً بشر . يطلب الشرطي منك أن تعود إلى مقعدك ، فهو ، كما قال ، يعرف واجبه .
تذهب إلى المسؤول عن الشرطي ، فلا تختلف إجابته :
- إجلس مكانك.
وتنسحب بهدوء ، لأنك لا تريد أن تعود إلى الضفة ، ويكون سبب عودتك الشرطة الفلسطينية لا سلطات الاحتلال .
تصغي إلى أحاديث النّاس يمايزون ويقارنون ، ويصبح الاحتلال لمن ليس لديهم واسطة ، يصبح ، في تلك اللحظة ، مثالاً وماضياً يترحم البسطاء على أيامه . ويحزنك هذا ، فالاحتلال ما زال يمارس فظائعه ، ولا تنسى كلام السائق عن الطرق الالتفافية . يحزنك أن الذي دفع بعض المواطنين لقول هذا هم بعض الشرطة الفلسطينية . وتسأل نفسك :
" هل أكتب هذا ؟ " .
في فندق ( الميرلاند ) في عمان تجلس على كرسيك وراء طاولتك وتكتب ، وتدفعك قصة " عزيز نيسين " الكاتب التركي، قصته " آه منا نحن الحمير " إلى الكتابة .
كان للحمير لغة مثل لغة البشر ، وانقرضت هذه ، لأن حماراً رأى ذئباً يقترب منه ، وبدلاً من أن يصرخ ويهرب ، أخذ يقنع نفسه بأن ما يراه ليس ذئباً حتّى اقترب هذا منه وأمسك برقبته وكان كلام الحمار الأخير النهيق آ آ آ آ ، ومن يومها ما عادت الحمير تتكلم .
وأنت الآن تكتب هذا ، وتخاطب الشرطي والمسؤول عنه :
- لماذا ... يا نحن ؟ لماذا دفعنا بعض المواطنين إلى الترحم على أيام الاحتلال الذي ما زال يقتلنا ؟!!
25/8/2001
كوشان بيت جدي :
تدخل إلى البقالة لتشتري الخبز . تلقي التحية على صاحبها الذي كنت علمته في المدرسة قبل خمس وعشرين سنة ، فيرد عليك ويتابع مع زبائن آخرين كانوا موجودين في البقالة قبل أن تدلف إليها ، وفجأة يسألك :
– قل لي يا أستاذ ، كيف يمكن أن أخرج شهادة ميلاد لجدي الذي ولد في ترشيحة ؟
وتسأله عن السبب ، بعد أن تخبره أنك لا تعرف ، فيجيب :
- إنهم سيدفعون للاجئين تعويضات ، والتعويضات مغرية وسوف تصل إلى خمسين ألف دولار .
وتتذكر سؤال والدك لك قبل شهرين أو ثلاثة عن بطاقة المؤن الخاصة بك . تسأله عن السبب يقول لك :
- إنهم يدفعون مائة وخمسين شيقلاً لكل لاجئ بسبب الأوضاع السائدة .
تعطيه البطاقة عله يحصل على مائة وخمسين شيكلاً وشوال طحين ، ثم يخبرك أنهم لم يعطوه إياها لأنك لم تسجل اسمك من قبل ، أو لأنك أستاذ جامعي يحصل على راتب جيد .
وتنظر ، وأنت تصغي في بيتك ، في أوراق ملاحظاتك . ثمة ورقة صغيرة كتبت عليها ملاحظة لتكون محور قصة قصيرة . " بيتنا في يافا وكوشان جدي " ولا تكتب القصة على الرغم من مرور عام أو عامين على الملاحظة .
ودائماً تعود بك الذاكرة إلى أيام الشباب والطفولة .
تتذكر بيوت المخيم . تتذكر جدك وجدتك اللذين أقاما في غرفة منفصلة عن غرفة أبيك وعمك الأكبر ، وأقام بالقرب منهما – أي من جدك وجدتك – عمك الصغير . ولا تعرف ، الآن ، السبب الذي جعلاهما يعطيانه كوشان بيتهما في يافا ليحتفظ به . ألأنه كان يقيم بينهما ومعهما قبل أن يتزوج وتصبح له عائلة ؟ ألأنه أوصل لهما الكهرباء من بيته ؟ الأنه في لحظة صفاء استطاع الحصول عليه ؟ أم أنه أخذه خلسة واحتفظ به. وتتذكر أن والدك وعمك الأكثر كانا يطلبان من الكوشان صورة ليحتفظا بها . وكان عمك يرفض ذلك ؛ لأنه يريد البيت كله له .
ذات مرة زرت يافا مع أبيك ، فمر من أمام بيت والده وقال :
- هذا هو بيتنا . وحين قرأت " عائد إلى حيفا " لغسان كنفاني تذكرت تلك الزيارة . لم يفعل أبوك شيئاً ، مثله مثل سعيد . س . ولم يفعل عمك شيئاً أيضاً . ظل الجميع يحتفظ بالكوشان ومفتاح البيت على أمل أن يحرر عبد الناصر فلسطين ، وبعد 1967 على أمل أن يحررها الفدائيون . وهدم البيت . هكذا عرفت من مواطن نابلسي كان يقيم قبل عام 1948 في يافا بالقرب من بيت جدك ، ولا تدري إن ظل عمك يحتفظ بالكوشان ، فلم تعد تسأله ، ولم يعد النّاس يسألون عن الكوشان ، فهناك بطاقة الإعاشة التي تصدرها وكالة الغوث ، وهذه البطاقة قد يكون ثمنها خمسين ألف دولار . هكذا يقولون .
وتقول للبقال النابلسي :
- أما أنا فلا أريد أي مبلغ . سوف أترك الخمسين ألف دولار ولن أسأل عنها .
وها أنت تنفق من عمرك سبعة وأربعين عاماً . عشت في مخيم اللاجئين وتقاتلت مع السكان حول الماء، وانتقلت إلى حي بعيد عن المخيم ، ولكنك تشاهد المخيم صباح مساء : مبان بعضها فوق بعض ، بناء مرصوف يبدو عصبي المزاج قبيح المنظر . والناس في المخيم ما زالوا يحلمون بقطعة أرض وحديقة قد تأتي بها بطاقة الإعاشة ، وأما حلم العودة فشعار على لافتة أو على بطاقة تصدرها مؤسسة تحمل مفردة " سنعود " يقوم عليها بعض من يحلمون بالعودة.
عمان 12/7/2001
هل أنت من مواطني 1948 ؟
تستقل السيارة من العبدلي ، في عمان ، إلى فندق عمرة لتنفق ساعة أو ساعتين في ( فيينا كفى ). تنظر إلى العداد الذي توقف أمام الرقم ( 40 ) فتلفت نظر السائق ، ويسألك هذا :
- هل أنت من عرب 1948 ؟
وقبل أن تبدأ حواراً معه تقول له : - أمس ، وأنا عائد من فندق عمرة ، سألني سائق السيارة أيضاً السؤال ذاته .
وتسأل السائق :
- لماذا هذا السؤال ؟
يتحدث السائق الذي هو من منطقة جنين ، ويقيم في عمان ، عن عرب 1948. يقول لك إن هؤلاء يأتون إلى هنا وينزلون في فنادق ضخمة ، أسعارها مرتفعة جداً ، ويدفعون مقابل مبيتهم الكثير ولا يسألون ، ولكنهم حين يستقلون سيارة الأجرة يلتفتون أول ما يلتفتون إلى عداد السيارة ، ويفصحون عن رأيهم :
- أنتم سائقو السيارات تستغلون عرب 1948 .
تحتار حقيقة بم تجيب السائق عن سؤاله :
- هل أنت من مواطني 1948 ؟
تقول للسائق :
- أنا من مناطق عام 1948 أصلاً ، ولكني أقمت في الضفة الغربية منذ العام 1948. أنا من نابلس الآن . وكنت ترغب في أن تقول :
- أنا من فلسطين ، وتكتفي بهذا .
قبل فترة كانت إحدى الطالبات ، من منطقة الجليل ، في مكتب رئيس القسم ، ولا تدري الآن ، بالضبط ، ما الحوار الذي جرى بينكم الثلاثة ، ولكنك وأنت تصحح ورقتها ، في الامتحان النهائي ، تقرأ ملاحظة لافتة للنظر :
" سامحك الله يا أستاذ على الرغم من اتهامنا ، نحن عرب 1948 ، بأننا جواسيس لليهود . أرجو أن تقرأ ص84 من كتاب حليم بركات " المجتمع العربي المعاصر " .
لا تدري بالضبط ما الكلام الذي قلته وأنت تتحدث مع الطالبة . هل قلته جاداً أم مازحاً أم بين بين ؟ هل قلت هذا الكلام أصلا ً ؟ هل قلت كلاماً آخر ؟ هل جعلتك ظروف الانتفاضة تميز بين فلسطيني في الضفة وآخر في المناطق المحتلة عام 1948 وثالث في لبنان ورابع في الأردن وخامس في سوريا ؟ هل قلت لها ما كان يعتمل في ذهنك : أين هي وحدة الشعب الفلسطيني ؟ لماذا لا يواصل فلسطينيو المناطق المحتلة عام 1948 تحديهم للإسرائيليين ؟ ولماذا لم يشاركوا في الانتفاضة وينتفضون كما ينتفض سكان الضفة الغربية والقطاع ؟ لماذا أصبحنا ، نحن الفلسطينيون ، أيدي سبأ ولا رابط بينها ؟
هل أنت من مواطني عام 1948؟
سؤال لافت للنظر سمعته مرتين في يومين ، وأحتار في الإجابة عنه . أنا في الأصل من يافا ، وأقيم منذ عام 1948 ، مع أهلي ، في مخيم لاجئين قرب نابلس ، ومنذ عام 1978 ، أقيم في نابلس نفسها . فهل أنا من مواطني مناطق 1948 أم أنا من نابلس ؟
في نصي " خربشات ضمير المخاطب " كتبت :
- طلبنا دولة فأعطونا عشرة ،
وكان ذلك في العام 1997 ، ومنذ 28/9/2000 حصلنا على مائة دولة . كل مدينة غدت دولة ، وكل قرية مستقلة عن بقية المدن والقرى المحيطة ، وأصبح التنقل في الضفة أمراً صعباً ، وأما غزة فيبدو الوصول إليها ، لقسم من أهل فلسطين ، معجزة .
في عام 2000 عقدت الجامعة الإسلامية في غزة مؤتمر اللغة العربية، وقررت أن أشارك فيه ، ولما أردت أن أسافر ذهبت وزملائي للحصول على تصريح . سافر زملائي ولم أسافر ، وبعد أسابيع سافرت إلى الأردن فلم يمنعوني ، وحين سألت :
- لماذا يسمحون لي أن أسافر إلى الأردن ولم يسمحوا لي بالسفر إلى غزة ؟
وكان الجواب :
- لأنك، حين تسافر إلى غزة ، تمر بأرض دولة ( إسرائيل ) (؟).
هل أنت من مواطني 1948 ؟ يسألك السائق وتسأل السؤال نفسه لذاتك :
- هل أنا من يافا ؟
عمان 12/7/2001
عادل الأسطة