كان نيتشه كارهاً لسقراط أشدَّ الكراهية. كان كارهاً لكل الفلاسفة ولكن كراهيته لسقراط وصلت حدّ الاحتفاء باعدامه. طبعاً هي بالأصل كراهية للعقلانية الأفلاطونية ومنهج الجدل المنطقي الذي أفضى بأفلاطون إلى اقصاء الشعراء من "الجمهورية" المثالية. ونكاية بأفلاطون شاء نيتشه أن يدخل الجمهورية كشاعرٍ وليس كفيلسوف.
يُلاحظ آلان باديو أن تيار"الفلاسفة المعادين للفلسفة" يكتبون باسلوب الكاتب الحريص على اظهار تمكّنه من اللغة. وهذا تيار يعود إلى هرقليطس، مروراً برسو وباسكال وكيركجارد، وينتهي في الحاضر عند الاميركي ريتشارد رورتي. الأبرز والأخطر بينهم جميعاً هو فرديرك نيتشه.
لم يكن نيتشه حريصاً فقط على كتابة نثر أدبي يجري على تخوم الشعر بل وكان يتباهى بأنه، الى جانب هينريش هاينه، لهو أفضل من كتب باللغة الالمانية.
نيتشه أيضاً- ومن قبله باسكال، ومن بعده فيتغنشتاين- استخدم الشذرة اسلوباً في التعبير. الشذرة، وخلافاً لما يظن خيرة الناس، ليست مجرد اختصار فكرة تامة في فقرة. ولا هي مثلٌ. إنها طريقة في التعبير تكون جميلة أو لعوبة أو استفزازية، وليست دائماً كاملة. طبعاً هناك اختلاف في كيفية استخدام الشذرة عند الفلاسفة المذكورين ولكن المهم في الأمر أن استخدامها يدل على أمرين اثنين، النازع الى الاهتمام بالاسلوب أولاً وتفتيت المعنى ثانياً. ولكن ما علاقة الحرص على الاسلوب الكتابي بالعداء للفلسفة؟
الحرص على الاسلوب يعني منح الاسلوب اهتماماً أكبر من المعنى. وفي الفلسفة المعادية للفلسفة يتمّ أيضاً اختزال أو تقليص المعنى، أو حتى تجريده من حق أن يكون معناً أصلاً، كما فعل فتغنشتاين. ونيتشه بدوره استخدم مناهج مختلفة في التعاطي مع الافكار الفلسفية مرة من خلال استخدام المطرقة الشهيرة ومرة من خلال ردّ الفكرة، المعنى منها طبعاً، الى اصولها غير المُشرّفة إن لم نقل الخبيثة أيضاً.
وعلى ما يرى باديو فهذا نزوع إلى التفلسف من منطلق الوعي بالسيرة الذاتية. أي أن الفكرة الفلسفية لا تعود موضوعيّة الطبيعة مهما كانت موضوعيّة الزعم. الشذرة الفلسفية التي يكتبها فيتغنشتاين- خاصة في كتابه الأول، "رسالة منطقية فلسفية"- تبدو وكأنها تقرر حقيقة موضوعية لا علاقة لذات المؤلف بها. ولكن هناك اشارات عديدة في الكتاب تدل على ان الشذرة المذكورة لهي نتاج تأمل ذاتي لمؤلفها. والأمر عند نيتشه أشدّ وضوحاً.
خلافاً لفلاسفة، مثل هيوم أو كانط أو هيغل، فان نيتشه لم يخجل من الاشارة الى حياته اليومية. بالتأكيد حينما يتحدث عن إحدى أهم أفكاره، واشدّها جدالية، "العود الأبدي"، فانه يحدد لنا بالضبط المكان الذي كان فيه حينما راودته.
اذاً هناك العناية بالاسلوب الأدبي، اختزال الفكرة، أو ردّها الى اصولها، ثم هناك ربط العبارة بحياة كاتبها. ومن هو الذي يفعل ذلك بالضبط؟
الشاعر طبعاً!
الشعر هو التعبير الاقصى للغة. المعنى في الشعر مهم طبعاً ولكن الأولوية للاسلوب، لكيفية صياغة المجاز. ومهما حرص الشاعر على وصول المعنى فان هذا الحرص لا يبلغ حدّ ايصال المعنى مجرداً تماماً من المجاز والا فان المعنى سيظهر عارياً ومباشراً بل وبذيئاً أيضاً.
لا فيلسوف كان أشدّ ميلاً الى استخدام المجاز مثل نيتشه، وهو لم يستخدمه فحسب، وانما تفاخر بذلك أيضاً. هذا الميل بلغ منتهاه مع محاولة الفيلسوف كتابة الشعر. هذه المحاولة بحدّ ذاتها لهي أقرب إلى مجاز شعري غايته التصدي لدعوة أفلاطون بضرورة اقصاء الشعراء عن الجمهورية المثالية.
#دروس_في_نيتشه
.
[الشعراء على باب الجمهورية الموصد في وجوههم]
يُلاحظ آلان باديو أن تيار"الفلاسفة المعادين للفلسفة" يكتبون باسلوب الكاتب الحريص على اظهار تمكّنه من اللغة. وهذا تيار يعود إلى هرقليطس، مروراً برسو وباسكال وكيركجارد، وينتهي في الحاضر عند الاميركي ريتشارد رورتي. الأبرز والأخطر بينهم جميعاً هو فرديرك نيتشه.
لم يكن نيتشه حريصاً فقط على كتابة نثر أدبي يجري على تخوم الشعر بل وكان يتباهى بأنه، الى جانب هينريش هاينه، لهو أفضل من كتب باللغة الالمانية.
نيتشه أيضاً- ومن قبله باسكال، ومن بعده فيتغنشتاين- استخدم الشذرة اسلوباً في التعبير. الشذرة، وخلافاً لما يظن خيرة الناس، ليست مجرد اختصار فكرة تامة في فقرة. ولا هي مثلٌ. إنها طريقة في التعبير تكون جميلة أو لعوبة أو استفزازية، وليست دائماً كاملة. طبعاً هناك اختلاف في كيفية استخدام الشذرة عند الفلاسفة المذكورين ولكن المهم في الأمر أن استخدامها يدل على أمرين اثنين، النازع الى الاهتمام بالاسلوب أولاً وتفتيت المعنى ثانياً. ولكن ما علاقة الحرص على الاسلوب الكتابي بالعداء للفلسفة؟
الحرص على الاسلوب يعني منح الاسلوب اهتماماً أكبر من المعنى. وفي الفلسفة المعادية للفلسفة يتمّ أيضاً اختزال أو تقليص المعنى، أو حتى تجريده من حق أن يكون معناً أصلاً، كما فعل فتغنشتاين. ونيتشه بدوره استخدم مناهج مختلفة في التعاطي مع الافكار الفلسفية مرة من خلال استخدام المطرقة الشهيرة ومرة من خلال ردّ الفكرة، المعنى منها طبعاً، الى اصولها غير المُشرّفة إن لم نقل الخبيثة أيضاً.
وعلى ما يرى باديو فهذا نزوع إلى التفلسف من منطلق الوعي بالسيرة الذاتية. أي أن الفكرة الفلسفية لا تعود موضوعيّة الطبيعة مهما كانت موضوعيّة الزعم. الشذرة الفلسفية التي يكتبها فيتغنشتاين- خاصة في كتابه الأول، "رسالة منطقية فلسفية"- تبدو وكأنها تقرر حقيقة موضوعية لا علاقة لذات المؤلف بها. ولكن هناك اشارات عديدة في الكتاب تدل على ان الشذرة المذكورة لهي نتاج تأمل ذاتي لمؤلفها. والأمر عند نيتشه أشدّ وضوحاً.
خلافاً لفلاسفة، مثل هيوم أو كانط أو هيغل، فان نيتشه لم يخجل من الاشارة الى حياته اليومية. بالتأكيد حينما يتحدث عن إحدى أهم أفكاره، واشدّها جدالية، "العود الأبدي"، فانه يحدد لنا بالضبط المكان الذي كان فيه حينما راودته.
اذاً هناك العناية بالاسلوب الأدبي، اختزال الفكرة، أو ردّها الى اصولها، ثم هناك ربط العبارة بحياة كاتبها. ومن هو الذي يفعل ذلك بالضبط؟
الشاعر طبعاً!
الشعر هو التعبير الاقصى للغة. المعنى في الشعر مهم طبعاً ولكن الأولوية للاسلوب، لكيفية صياغة المجاز. ومهما حرص الشاعر على وصول المعنى فان هذا الحرص لا يبلغ حدّ ايصال المعنى مجرداً تماماً من المجاز والا فان المعنى سيظهر عارياً ومباشراً بل وبذيئاً أيضاً.
لا فيلسوف كان أشدّ ميلاً الى استخدام المجاز مثل نيتشه، وهو لم يستخدمه فحسب، وانما تفاخر بذلك أيضاً. هذا الميل بلغ منتهاه مع محاولة الفيلسوف كتابة الشعر. هذه المحاولة بحدّ ذاتها لهي أقرب إلى مجاز شعري غايته التصدي لدعوة أفلاطون بضرورة اقصاء الشعراء عن الجمهورية المثالية.
#دروس_في_نيتشه
.
[الشعراء على باب الجمهورية الموصد في وجوههم]