د. حسام الدين فياض - كيف يمكن تفسير تآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر؟ (دراسة سوسيولوجية – نقدية)

” حين تتفكك الثقة، تتحول الحكايات اليومية إلى مرايا للريبة، ويصبح اللقاء البشري مقامرة مستمرة “.
” عندما يصبح الحذر سلوكاً عقلانياً، تتحول الذات إلى كيان دفاعي متواصل، يراقب أكثر مما يتواصل “.
” في المجتمعات التي يسيطر فيها عدم اليقين ومنها " المجتمع السوري المعاصر "، تصبح الثقة امتيازاً نادراً لا يمنح إلا بعد اختبار طويل “
(الكاتب).

- الملخص:
يهدف هذا المقال إلى تفسير إشكالية تآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر عبر مقاربة سوسيولوجية نقدية متعددة المستويات، تجمع بين البنائية الوظيفية، والبراغماتية الاجتماعية، ونظرية التبادل الاجتماعي القائم على منطق التكلفة والعائد، مع إدماج تحليلات عقلنة الخوف اجتماعياً. كما ينطلق المقال من قاعدة بأن انعدام الثقة ليس سمة ثقافية أو أخلاقية، بل نتيجة بنيوية لإعادة تنظيم الفعل الاجتماعي تحت شروط مخاطرة مرتفعة، وعنف رمزي، وتطبيع للريبة (كشك اجتماعي) وبالأخص في ظل ممارسات النظام البائد. يعتمد البحث المنهج التحليلي النقدي، ويبرز آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي لانعدام الثقة، وينتهي إلى تصور مشروط للخروج يركز على إعادة هندسة شروط الإمكان الاجتماعي بدل من الوعود الإصلاحية.

- المقدمة:
لا يطرح سؤال ضعف المحبة أو تآكل التضامن داخل المجتمع السوري بوصفه حكماً قيمياً أو توصيفاً أخلاقياً، بل باعتباره إشكالية سوسيولوجية تتطلب تفكيك الشروط البنيوية والتفاعلية التي أعادت تشكيل أنماط العلاقة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر حدة في سياق الأزمة الممتدة خاصةً خلال حقبة حكم النظام السياسي البائد الذي عمل على مبدأ فرّق تَسُدْ. إن تحويل السؤال من " لماذا لا يحب السوريون بعضهم البعض؟ " إلى " كيف أعيد إنتاج ضعف الثقة والتضامن اجتماعياً؟ " يمثل انتقالاً منهجياً من الانطباع إلى التحليل، ومن الأخلاق إلى العلم.

أما عن موقع الإشكالية في علم الاجتماع تعتبر الثقة الاجتماعية أحد المفاهيم المركزية في النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية والمعاصرة، لكونها شرطاً مسبقاً لاستمرار النسق الاجتماعي، واستقرار التفاعل، وإمكان قيام التضامن. وعليه، فإن تآكل الثقة لا يفهم باعتباره خللاً فردياً، بل بوصفه مؤشراً على اختلال أعمق في وظائف البنية الاجتماعية، وفي أنماط الضبط، وفي منطق الفعل الاجتماعي ذاته.

ينطلق هذا المقال من مقاربة نظرية متعددة الأبعاد تجمع ما بين البنائية الوظيفية لفهم اختلال وظائف المؤسسات ودورها في إضعاف التكامل الاجتماعي، والبراغماتية الاجتماعية لتحليل تحول الفعل الاجتماعي إلى فعل نفعي سياقي تحكمه خبرة الخطر وعدم اليقين، بالإضافة إلى نظرية التبادل الاجتماعي القائمة على مبدأي (التكلفة - العائد) لتفسير عقلنة الانسحاب الاجتماعي وارتفاع كلفة الثقة. ولا تستخدم هذه المقاربات استخداماً تلفيقياً سطحياً، بل ضمن قراءة نقدية تبرز حدود كل نظرية في تفسير الحالة السورية، وإمكانات تكاملها التحليلي.

وفيما يتعلق بالمنهجية يعتمد المقال على المنهج التحليلي النقدي القائم على تفكيك البنى لا إدانة الأفراد من خلال تحليل السياق التاريخي والسياسي للفعل الاجتماعي بالإضافة إلى نقد التفسيرات والمقاربات الثقافوية الاختزالية. بناءً على ما سبق يطرح المقال التساؤل الرئيسي التالي: " لماذا تتآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر؟ ". انطلاقاً من هذا الطرح يحاول الباحث الإجابة على هذا التساؤل من خلال مناقشة وتحليل العناصر التالية:

أولاً- تفكك الثقة الاجتماعية كنتاج بنيوي لا كعيب ثقافي:

تعتبر الثقة الاجتماعية، في المنظور السوسيولوجي الكلاسيكي، شرطاً بنيوياً لاستمرار النسق الاجتماعي وإمكان تحقق التضامن من خلال الإجماع القيمي في المجتمع. فقد ربط إميل دوركايم بين درجة التضامن السائد ونمط الروابط الاجتماعية التي تنتجها البنية الاجتماعية، معتبراً أن ضعف الروابط لا يفسر أخلاقياً بل وظيفياً، أي بمدى قدرة المجتمع على تنظيم الأدوار وضبط التوقعات. وفي الاتجاه ذاته، ينظر بارسونز إلى الثقة بوصفها نتاجاً لاستقرار النسق القيمي وقدرته على دمج الأفراد داخل منظومة توقعات معيارية مشتركة.

انطلاقاً من ذلك، فإن تفكك الثقة لا يقرأ بوصفه خللاً في " طبيعة " الأفراد، بل باعتباره مؤشراً على اختلال في وظائف المؤسسات الاجتماعية التي يفترض بها إنتاج التكامل والاندماج.

وفي الحالة السورية، جرى على مدى طويل إضعاف الوظيفة التكاملية للمؤسسات الأساسية (الدولة، المدرسة، المجال العام)، ما أدى إلى تآكل الإطار المعياري المشترك الذي يضبط التفاعل الاجتماعي. ووفقاً للمنظور البنائي الوظيفي، حين تعجز المؤسسات عن أداء وظائفها، يتحول التفاعل من تعاون منظم إلى علاقات متوترة يحكمها الشك والحذر.

غير أن القراءة الثقافوية السائدة غالباً ما تختزل هذا الواقع في تفسيرات من قبيل " السوري لا يثق بالسوري "، وهي مقولات تحمل الفرد مسؤولية ظواهر هي في جوهرها بنيوية. هذا النوع من التفسير يتجاهل ما يسميه دوركايم بحالة " الأنومي "، أي غياب المعايير الجامعة، حيث لا يعرف الأفراد ما الذي ينتظر منهم ولا ما الذي يمكن أن ينتظروه من الآخرين.

من خلال منظور بارسونزي، يمكن القول إن النسق الاجتماعي السوري شهد خللاً في آلية التكامل، إذ لم تعد القيم المشتركة قادرة على تنظيم التوقعات المتبادلة، ما أفضى إلى تحويل الاختلاف الاجتماعي الطبيعي إلى مصدر تهديد بدل كونه عنصر تنوع.

نستنتج مما سبق أن التحليل البنائي الوظيفي يظهر أن ضعف الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري لا يمكن فهمه كعيب ثقافي أو أخلاقي، بل كنتيجة مباشرة لاختلال طويل الأمد في وظائف المؤسسات الضابطة والمدمجة. ومع ذلك، تبقى حدود هذا المنظور قائمة، إذ يفسر تفكك الثقة على مستوى البنية، لكنه يعجز وحده عن تفسير كيفية عقلنة الأفراد لهذا التفكك في ممارساتهم اليومية، وهو ما يستدعي منا الانتقال في العنصر التالي إلى المقاربة البراغماتية الاجتماعية ونظرية التبادل الاجتماعي.

ثانياً- انزياح البراغماتية الاجتماعية نحو عقلنة نفعية للفعل الاجتماعي:
تنطلق البراغماتية الاجتماعية، كما بلورها جون ديوي وطورهاً تفاعلياً جورج هربرت ميد، من فرضية مركزية مفادها أن معنى الفعل الاجتماعي لا يستمد من مبادئ مجردة أو قيم ثابتة، بل من نتائجه العملية داخل سياق الخبرة الحية. فالفعل يفهم في ضوء ما ينتجه من آثار قابلة للاختبار في التجربة الاجتماعية، لا في ضوء ما يفترض معيارياً أنه ينبغي أن يكون عليه أخلاقياً. وفي هذا السياق يؤكد ميد أن الذات لا تتشكل إلا من خلال التفاعل الاجتماعي، وأن المعاني لا تعطى سلفاً، بل تبنى تدريجياً عبر الخبرة المشتركة والعمليات التفاعلية الرمزية. بذلك، لا تفهم البراغماتية الاجتماعية بوصفها نزعة نفعية سطحية، بل كمنهج لفهم كيفية تكيف الفاعلين الاجتماعيين مع أوضاع عدم اليقين، حين تصبح الخبرة اليومية مصدراً لإعادة تعريف القيم والمعايير.

في الواقع السوري، أدت الخبرة الممتدة للخطر وعدم الاستقرار إلى ما يمكن تسميته " براغماتية قسرية "، حيث لم يعد الفعل الاجتماعي موجهاً بقيم تضامنية مستقرة، بل بحسابات آنية تتعلق بالنجاة وتقليل الخسارة. ووفقاً للمنظور البراغماتي، فإن هذا التحول لا يفسر بانهيار أخلاقي، بل بإعادة تنظيم المعنى في ظل واقع يفتقر إلى الضمانات.

تظهر هذه البراغماتية القسرية نفسها في أنماط التفاعل اليومي الحذر المفرط، تضييق دوائر الثقة، وتحويل العلاقات الاجتماعية إلى موارد محتملة للخطر بدل كونها فضاءات للأمان. وهنا يتجلى ما يشير إليه ديوي من أن القيم، حين تفقد فعاليتها العملية، تعاد صياغتها أو تعلق مؤقتاً.

غير أن القراءة غير النقدية للبراغماتية التربوية الاجتماعية قد تنزلق إلى تبرير النفعية الفردانية. لذا يقتضي التحليل السوسيولوجي التمييز بين البراغماتية بوصفها توصيفاً للفعل في سياق مأزوم، وبين تحويلها إلى مبدأ معياري. فالفاعل السوري لا " يختار " دائماً النفعية، بل يدفع إليها بفعل انكماش المجال العام وتآكل الثقة المؤسسية.

خلاصة القول، تسهم البراغماتية الاجتماعية في تفسير كيف أعادت الخبرة اليومية للأزمة السورية تعريف معنى الثقة والتعاون، وتظهر أن ضعف التضامن ليس نتيجة غياب القيم بقدر ما هو نتيجة فقدان شروط تفعيلها. غير أن هذا المنظور، رغم قوته التفسيرية، يظل قاصراً عن تحليل البعد الحسابي الصريح للعلاقات الاجتماعية، أي كيفية وزن الأفراد للتكلفة والعائد في تفاعلاتهم، وهو ما يستدعي الانتقال إلى نظرية التبادل الاجتماعي في المحور التالي.

ثالثاً- منطق التبادل الاجتماعي وارتفاع كلفة الثقة (التكلفة - العائد):

تنطلق نظرية التبادل الاجتماعي من افتراض أساسي مفاده أن العلاقات الاجتماعية لا تقوم على العواطف أو القيم المجردة وحدها، بل على عمليات عقلنة مستمرة يوازن فيها الأفراد بين ما يدفعونه من كلفة وما يتوقعونه من عائد. وقد صاغ جورج هومانز هذا المنظور في إطار سلوكي عقلاني، معتبراً أن استمرار التفاعل مشروط بإحساس الفاعل بأن العائد يفوق أو يعادل الكلفة. ووسع بيتر بلاو هذا التصور بإدخاله البعد البنيوي، حيث لا تتحدد خيارات الأفراد بحرية كاملة، بل ضمن قيود القوة، وعدم التكافؤ، وتفاوت الموار.

وفي هذا السياق، تفهم الثقة الاجتماعية بوصفها مخاطرة محسوبة، وليست قيمة أخلاقية قائمة بذاتها، إذ يفترض منح الثقة توقعاً معقولاً بعدم الاستغلال وبإمكانية المعاملة بالمثل.

ونعتقد أن هذا الأمر ينطبق على المجتمع السوري، حيث أدى تكرار خبرات الخذلان، والعنف، وعدم قابلية التنبؤ بالسلوك الاجتماعي، إلى رفع كلفة الثقة إلى مستوى غير عقلاني من منظور التبادل الاجتماعي. فحين تصبح احتمالات الخسارة مرتفعة، والعائد غير مضمون، يتحول الانسحاب من العلاقات إلى خيار عقلاني، لا إلى تعبير عن أنانية أو عداء اجتماعي.

ويمكن قراءة تضييق دوائر العلاقات، والاقتصار على الروابط القرابية أو النفعية القصيرة الأمد، بوصفه استجابة منطقية لما يسميه بلاو اختلال التبادل، حيث يغيب التوازن بين الأخذ والعطاء، وتنهار آليات المعاملة بالمثل. وفي هذا الإطار، لا تعود الثقة مورداً مشتركاً، بل عبئاً محتملاً، تعاد حساباته في كل تفاعل.

غير أن الاقتصار على هذا المنظور قد يقود إلى اختزال العلاقات الاجتماعية في بعدها الحسابي الصرف. لذا يتعين توظيف نظرية التبادل الاجتماعي نقدياً، بوصفها أداة تفسير لعقلنة الفعل في سياق مأزوم، لا بوصفها نظرية شاملة تفسر كل أشكال السلوك الاجتماعي.

وفي النهاية، يظهر منطق التبادل الاجتماعي أن ضعف الثقة بين السوريين لا يعكس غياب الرغبة في التضامن، بل ارتفاع كلفته في سياق اجتماعي غير آمن. ومع ذلك، فإن هذا المنظور، رغم دقته في تفسير السلوك الفردي، يظل عاجزاً عن تفسير الجذور البنيوية التي أنتجت هذا السياق عالي المخاطر، ما يستدعي في الخاتمة التركيب بين المستويات البنيوية، والتفاعلية، والحسابية للفعل الاجتماعي.

رابعاً- إمكانات تجاوز أزمة الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر:
يبين لنا هذا المقال، عبر توظيف متكامل للبنائية الوظيفية، والبراغماتية الاجتماعية، ونظرية التبادل الاجتماعي، أن أزمة الثقة والتضامن داخل المجتمع السوري المعاصر ليست ظاهرة عرضية ولا سمة ثقافية ثابتة، بل نتاج تاريخي- بنيوي لتراكم اختلالات عميقة في بنية النسق الاجتماعي. لقد أدى تآكل الوظيفة التكاملية للمؤسسات إلى تفريغ القيم من مضمونها العملي، فيما أسهمت الخبرة اليومية الطويلة للخطر وعدم اليقين في إعادة تشكيل الفعل الاجتماعي بوصفه فعلاً دفاعياً عقلانياً، تحكمه حسابات النجاة وتقليل الخسارة أكثر مما تحكمه معايير التعاون والتكافل.

ومن هذا المنظور، فإن ضعف الثقة لا يفهم بوصفه غياباً للرغبة في التضامن، بل بوصفه نتيجة منطقية لبيئة اجتماعية لم تعد تكافئ الفعل التعاوني ولا تحمي نتائجه. فحين تفقد القيم شروط تفعيلها البنيوية، تتحول من موارد اندماج إلى شعارات أخلاقية مجردة، وهو ما حذر منه دوركايم عند حديثه عن الانفصال بين الضمير الجمعي والبنية الاجتماعية المنظمة.

كما يسمح لنا هذا التحليل بإعادة تعريف أزمة الثقة في المجتمع السوري بوصفها أزمة شروط اجتماعية، لا أزمة أخلاق أو نوايا فردية. فالخطابات التي ترجع التفكك الاجتماعي إلى " أنانية الناس " أو " انعدام المحبة " تسهم، من حيث لا تدري، في إعادة إنتاج الأزمة ذاتها، لأنها تحجب الأسباب البنيوية وتحمل الأفراد مسؤولية ما لا يملكون التحكم فيه.

إن هذا التحول في زاوية النظر يعد مكسباً معرفياً بحد ذاته، لأنه ينقل النقاش من مستوى الإدانة إلى مستوى الفهم، ومن مستوى التعميم الثقافوي إلى مستوى التحليل السوسيولوجي القابل للاختبار والنقاش العلمي.

أما فيما يتعلق في سبل الخروج من هذه الأزمة سوسيولوجياً. في واقع الأمر، لا يمكننا الحديث عن سبل الخروج من أزمة الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري إلا بعد تفكيك الآليات التي تعيد إنتاج هذه الأزمة بصورة مستمرة. فالسوسيولوجيا النقدية لا تنطلق من سؤال " كيف نصلح؟ " مباشرة، بل من سؤال أعمق وهو كيف تستمر الأزمة؟ ولماذا يصبح استمرارها عقلانياً ومقبولاً اجتماعياً؟ للإجابة على هذا التساؤل يجب علينا القيام الخطوات الإجراءات التالية:

1- تفكيك آليات إعادة إنتاج انعدام الثقة: تعاد إنتاج أزمة الثقة عبر ما يمكن تسميته " إعادة إنتاج الريبة داخل البنية الاجتماعية "، حيث تتحول خبرات الخطر السابقة إلى استعدادات ذهنية مستقرة " هابيتوس " توجه الفعل الاجتماعي مسبقاً. ووفقاً لبورديو، فإن الهابيتوس لا يعبر عن وعي أخلاقي، بل عن تاريخ اجتماعي متجسد في الممارسة. وهكذا، يصبح الشك قاعدة للفعل، لا استثناء ظرفياً. بالمقابل كما تسهم الخطابات السائدة، والمؤسسات المنهكة، وأنماط التنشئة القائمة على الخوف، في تثبيت هذا الهابيتوس، بما يجعل انعدام الثقة يعاد إنتاجه حتى في غياب الصدمات المباشرة.

2- نقد محدودية الحلول الإصلاحية الشائعة:
تظهر لنا الخبرة المقارنة أن معظم محاولات " إصلاح الثقة " تفشل لأنها تعالج النتائج لا الأسباب البنيوية. فالدعوات الأخلاقية، والمبادرات الرمزية، والخطابات التصالحية، لا تغير منطق الفعل ما لم تتغير بنية المخاطرة الاجتماعية. ومن منظور نقدي، فإن هذه المقاربات قد تسهم على نحو مفارق في إعادة إنتاج الأزمة عبر تحميل الأفراد عبء التغيير بدل تفكيك البنى المنتِجة لها.

3- شروط الإمكان الواقعية للخروج من الأزمة: لا يمكن تصور الخروج من الأزمة الاجتماعية بوصفه لحظة قرار أو انعطافاً أخلاقياً مفاجئاً، بل باعتباره مساراً مشروطاً بتوافر بنية اجتماعية تسمح أصلاً بإمكان الفعل التعاوني دون كلفة مفرطة. فالثقة لا تستدعى إرادياً، ولا تنتج بالخطاب، وإنما تنشأ حين تتغير الشروط التي تجعل الفعل الاجتماعي أقل مخاطرة وأكثر قابلية للتكرار. ومن هذا المنطلق، لا يصبح تجاوز الأزمة ممكناً إلا عندما تدخل العلاقات الاجتماعية طوراً جديداً من الاستقرار النسبي، تضبط فيه القواعد الناظمة للتفاعل بحيث تكون قابلة للتوقع والاستمرار، بما يخفف من منطق الحذر الدائم ويكسر نزعة الانسحاب الدفاعي.
وفي السياق ذاته، يرتبط إمكان إعادة بناء الثقة بوجود حد أدنى من العدالة في توزيع المخاطر الاجتماعية. فحين يتحمل بعض الفاعلين وحدهم كلفة التعاون، بينما يعفى آخرون من تبعاته، يتحول الفعل التعاوني إلى مغامرة غير متكافئة، ويفقد معناه بوصفه ممارسة مشتركة. إن اختلال توزيع المخاطر لا يقوض الثقة فحسب، بل يعيد إنتاج الريبة باعتبارها استجابة عقلانية لسياق غير عادل، حيث يصبح الانكفاء خياراً أقل كلفة من الانخراط.
كما أن الخروج من الأزمة يفترض فصلاً واضحاً بين منطق التعاون ومنطق التضحية الفردية المطلقة. فالتعاون الاجتماعي، في صورته السليمة، لا يقوم على مطالبة الأفراد بتعليق مصالحهم أو تعريض ذواتهم لخسائر مفتوحة باسم الصالح العام، بل على بناء ترتيبات تسمح بتحقيق المنافع المشتركة دون استنزاف أحادي. وعندما يختزل التعاون في خطاب التضحية الدائمة، فإنه يفقد طابعه التفاعلي ويتحول إلى عبء أخلاقي يولد النفور بدل الالتزام.
وبهذا المعنى، لا تؤدي هذه الشروط إلى إنتاج الثقة بصورة فورية أو كاملة، لكنها تخرجها من موقع الاستحالة السوسيولوجية، وتعيد إدراجها ضمن أفق الإمكان الواقعي. فالثقة، في نهاية المطاف، ليست حالة وجدانية طارئة، بل نتيجة لتغيّر ملموس في شروط الفعل والتفاعل داخل البنية الاجتماعية.

4- سؤال الكلفة (من يتحمل ثمن إعادة بناء الثقة؟):
تهمل معظم الأدبيات الإصلاحية سؤال الكلفة، رغم مركزيته. فمن منظور التبادل الاجتماعي، لا يمكن أن يطلب من الفاعلين الاجتماعيين الاستثمار في الثقة إذا كانت كلفتها فردية وعائدها جماعياً غامضاً. وعليه، فإن إعادة بناء الثقة تفترض نقل جزء من الكلفة من الأفراد إلى البنى والمؤسسات، بحيث لا يبقى الفعل التعاوني مغامرة خاسرة.

5- متى يصبح عدم الخروج هو الخيار العقلاني؟ يصبح عدم الخروج من الأزمة خياراً عقلانياً حين تغيب الشروط الاجتماعية التي تجعل الفعل التعاوني ممكناً بأقل قدر من المخاطرة. ففي سياقات تتسم بتقلب القواعد، واختلال توزيع المخاطر، وتضخم كلفة الثقة، لا يعود الانسحاب الاجتماعي تعبيراً عن عجز أخلاقي أو قصور قيمي، بل استجابة محسوبة لمنطق واقعي يفرض نفسه على الفاعلين. إن الإحجام عن الانخراط، في هذه الحالات، لا يعكس ضعفاً في الاستعداد للتعاون، بقدر ما يعكس إدراكاً واعياً لاختلال شروطه.
ومن هذا المنظور، لا يمكن تحميل الأفراد مسؤولية فشل الخروج، ما دامت البنية الاجتماعية ذاتها تكافئ الحذر وتعاقب المبادرة. فعندما يصبح الفعل التعاوني مقامرة غير متكافئة، ويختزل الالتزام في مطالب تضحية أحادية، يتحول الانسحاب إلى آلية دفاع عقلانية تهدف إلى تقليص الخسائر المحتملة، لا إلى تقويض الروابط الاجتماعية عمداً.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية نقدية خاصة، لأنها تكشف عمق الأزمة بدل أن تخفيه. فحين يصبح عدم الخروج هو الخيار الأكثر اتساقاً مع منطق العقلانية الاجتماعية، فإن ذلك يشير إلى انسداد أفق الفعل الجماعي، لا إلى تراجع أخلاقي فردي. وهنا تحديداً يبرز دور السوسيولوجيا النقدية، التي لا تقدم وعوداً بالخلاص للخروج في كل الأحوال، بل تعمل على تفكيك الشروط التي تجعل الخروج ممكناً أو مستحيلاً، كاشفة متى ولماذا يغلق أفقه داخل بنية اجتماعية معينة.

6-
نحو تصور واقعي للخروج من الأزمة الحالية: لا يقصد بالخروج من الأزمة الاجتماعية قطيعة جذرية مع الواقع القائم أو انقلاباً شاملاً على أنماط العيش والتفاعل السائدة، إذ إن مثل هذا التصور يفترض قدرة غير واقعية على إعادة تأسيس المجتمع من نقطة الصفر. بل يفهم الخروج، في إطار التحليل السوسيولوجي الواقعي، بوصفه مساراً تدريجياً يعيد تشكيل بنية المخاطرة الاجتماعية التي تحكم أفعال الأفراد وخياراتهم اليومية. فالمسألة لا تتعلق بإلغاء أسباب الريبة (الشك) دفعة واحدة، وإنما بتعديل الشروط التي تجعل الحذر والانكفاء الاستجابتين الأكثر عقلانية في السياق القائم.
ضمن هذا المنظور، يصبح الرهان الأساسي هو الانتقال بالثقة من وضعها الراهن بوصفها استثناء فردياً محفوفاً بالمخاطر، إلى كونها إمكانية اجتماعية محدودة ولكن قابلة للاختبار والتكرار. فالثقة لا تفترض بوصفها قاعدة عامة، ولا تفرض كقيمة معيارية، بل تبنى تدريجياً حين تتاح للأفراد فرص فعل يكون فيها التعاون أقل كلفة، وتكون نتائجه قابلة للتوقع، حتى وإن بقيت هذه الفرص جزئية ومحصورة في نطاقات ضيقة.
ويظل توسع هذه الإمكانية مشروطاً بتغير شروط إنتاج الثقة ذاتها، أي بتراجع عدم اليقين البنيوي، وضبط القواعد الناظمة للتفاعل، وإعادة توزيع المخاطر على نحو يقلل من الطابع المقامر للفعل الاجتماعي. وعندما تبدأ هذه التحولات بالترسخ، ولو ببطء، تتحول الثقة من خيار فردي هش إلى مورد اجتماعي محدود لكنه واقعي، يمكن البناء عليه تدريجياً دون الوقوع في أوهام القطيعة أو الوعود المعيارية المجردة. بهذا المعنى، لا يعد الخروج لحظة خلاص، بل عملية تراكمية هادئة، تقاس بقدرتها على نقل الفعل الاجتماعي من منطق الدفاع إلى أفق إمكانات جديدة، أكثر استقراراً وأقل ارتهاناً للخوف والريبة.

وفي النهاية تبين لنا مقاربة ميشيل فوكو من خلال نقد عقلنة الخوف اجتماعياً وأنماط إدارة السلوك في ظل تآكل السلطة المباشرة، أن السلطة الحديثة لا تعمل حصرياً عبر القمع الظاهر، بل عبر تنظيم الأفعال اليومية، وتطبيع أنماط التفاعل، وإنتاج ذوات اجتماعية متكيفة مع مناخ دائم من الخوف وعدم اليقين. وبهذا المعنى، يمكن فهم انعدام الثقة الاجتماعية لا بوصفه خللاً أخلاقياً أو ثقافياً، بل كأثر جانبي لنمط من إدارة الخوف يعيد تنظيم المجال الاجتماعي عبر إضعاف الروابط الأفقية، ودفع الأفراد إلى مراقبة بعضهم بعضاً بدل بناء أشكال تضامن مستقرة.
إن عقلنة الخوف اجتماعياً لا تؤدي إلى إنتاج الطاعة فحسب، بل تسهم في تشكيل فاعلين اجتماعيين يتصرفون وفق منطق دفاعي عقلاني، يرون في الانسحاب، والحذر، وتضييق دوائر الثقة استجابات طبيعية ومبررة لسياق غير قابل للتنبؤ. ومن ثم، فإن تجاوز أزمة الثقة لا يقتصر على إعادة بناء القيم أو الدعوة إلى التضامن، بل يقتضي تفكيك هذا النمط من إدارة الخوف الذي يجعل الشك مورداً تنظيمياً، وأداة غير مباشرة لضبط السلوك الاجتماعي.

- الخاتمة:
يخلص هذا المقال إلى أن السؤال عن " ضعف المحبة " أو " غياب التضامن " في المجتمع السوري سؤال مضلل منهجياً، لأنه يخفي تحت لغته الأخلاقية شبكة معقدة من الشروط البنيوية، والتفاعلية، والرمزية، التي أعادت تشكيل الفعل الاجتماعي خلال العقود الأخيرة. وقد بين لنا التحليل السابق أن أزمة الثقة هي نتاج اختلال الوظيفة التكاملية للمؤسسات، وتطبيع البراغماتية القسرية في الخبرة اليومية، وارتفاع كلفة الثقة ضمن منطق التبادل الاجتماعي بالإضافة إلى ترسيخ هابيتوس الشك والعقلنة الدفاعية، وإدارة الخوف كآلية تنظيمية تعيد توجيه السلوك دون لجوء إلى القسر المباشر.

وبناءً عليه، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يكون مشروعاً أخلاقياً أو خطابياً، بل مساراً اجتماعياً طويل الأمد، يعيد هندسة شروط الفعل الاجتماعي، ويحول الثقة من مخاطرة فردية إلى إمكانية اجتماعية مشروطة. ولا يعد هذا المسار حتمياً ولا مضموناً، لكنه يظل مشروطاً بقدرة المجتمع على كسر آليات إعادة إنتاج الخوف والريبة، وإعادة فتح أفق الفعل الجماعي بوصفه فعلاً عقلانياً ممكناً.

بالمقابل يفتح هذا المقال المجال أمام دراسات ميدانية ونظرية مستقبلية، يمكن أن تتناول قياس مستويات الثقة الاجتماعية وأنماطها في السياق السوري، وتحليل خطاب الخوف والريبة في الإعلام والتنشئة، ومقارنة الحالة السورية - التي تعتبر نتاجاً مباشراً لممارسات النظام البائد - بسياقات مجتمعية مأزومة أخرى، وأخيراً تطوير نظرية سوسيولوجية عربية نقدية تنبع من خصائص ومتغيرات ومشاكل المجتمعات العربية المعاصرة.
---------------------------------------------------------
- المراجع المعتمدة:
  • بورديو، بيير. (2007). الرمز والسلطة. ط3. (ترجمة، عبد السلام بنعبد العالي). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.​
  • بورديو، بيير. (2022). اللغة والسلطة الرمزية. ط1. (ترجمة، وتعليق علاء عبد الرزاق). دمشق: تموز للطباعة والنشر والتوزيع.​
  • تيرنر. جوناثان ه. (2019). علم الاجتماع النظري – مقدمة موجزة لاثنتي عشرة نظرية اجتماعية. ط1. (ترجمة، موضي مطني الشمري). الرياض: دار جامعة الملك سعود.​
  • تيماشيف، نيقولا. (1978). نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها. ط5. الكتاب: الثاني. (ترجمة، محمود عودة وآخرون). (مراجعة، محمد عاطف غيث). سلسلة علم الاجتماع المعاصر. القاهرة: دار المعارف.​
  • جونز، فيليب. (2010). النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية. ط1. (ترجمة، محمد ياسر الخواجة). القاهرة: مصر العربية للنشر والتوزيع.​
  • جيدنز، أنتوني. (2000). قواعد جديدة للمنهج في علم الاجتماع - نقد إيجابي للاتجاهات التفسيرية في علم الاجتماع. العدد: 214. (ترجمة، محمد محيى الدين). (مراجعة وتقديم، محمد الجوهري). القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة (المشروع القومي للترجمة).​
  • جيدنز، أنتوني. (2005). علم الاجتماع (مع مدخلات عربية). ط1. (ترجمة وتقديم، فايز الصياغ). بيروت: المنظمة العربية للترجمة. توزيع مركز دراسات الوحدة العربية.​
  • جيدنز، أنتوني. (2006). مقدمة نقدية في علم الاجتماع. ط2. ( ترجمة، أحمد زايد وآخرون). القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعية.​
  • جيدنز، أنتوني. (ب.ت). الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة (تحليل كتابات ماركس ودوركهايم وماكس ڨيبر). ب.ط. (ترجمة، أديب يوسف شيش). دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب.​
  • الحوراني، محمد عبد الكريم. (2008). النظرية المعاصرة في علم الاجتماع – التوازن التفاضلي صيغة توليفية بين الوظيفية والصراع. ط1. عمان: دار مجدلاوي.​
  • دوركايم، إميل. (2011). الانتحار. ط1. (ترجمة، حسن عودة). سلسلة دراسات اجتماعية (4). دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب. وزارة الثقافة.​
  • ريتزر، جورج، وستيپنسكي، جيفري. (2021). النظريات الحديثة في علم الاجتماع. ط1. (مراجعة علمية، ذيب محمد الدوسري وآخرون). الرياض: مكتبة جرير. والجمعية السعودية للدراسات الاجتماعية.​
  • السوتاري، برتي. (2015). النظرية الاجتماعية والواقع الإنساني. ط1. العدد: 2060. (ترجمة، علي فرغلي). القاهرة: المركز القومي للترجمة.​
  • عبد الجواد، مصطفى خلف (2011). قراءات معاصرة في نظرية علم الاجتماع. ط2. عمان: دار المسيرة.​
  • الغريب، عبد العزيز. (2012). نظريات علم الاجتماع: تصنيفاتها، اتجاهاتها، وبعض نماذجها التطبيقية من النظرية الوضعية إلى ما بعد الحداثة. ط1. الرياض: دار الزهراء.​
  • غنيم وآخرون، رشاد. (2008). النظرية المعاصرة في علم الاجتماع. ط1. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.​
  • غوفمان، إرفنغ. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. ط1. الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.​
  • فوكو، ميشيل. (1990). المراقبة والمعاقبة – ولادة السجن. ط1. بيروت: مركز الانماء القومي.​
  • فوكو، ميشيل. (1994). المعرفة والسلطة. ط1. (ترجمة، عبد العزيز العيادي). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.​
  • فوكو، ميشيل. (2008). جينالوجيا المعرفة. ط2. (ترجمة، أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.​
  • كابان، فيليب. دوريته، جان فرانسوا. (2010). علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية أعلام وتواريخ وتيارات. ط1. (ترجمة، إياس حسن). دمشق: دار الفرقد.​
  • كريب، إيان. (1999). النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. سلسلة عالم المعرفة (العدد 244). أبريل (نيسان). (ترجمة، محمد حسين غلوم. مراجعة، محمد عصفور). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.​
  • Bourdieu, P. (1990). The logic of practice. (R. Nice, Trans.). Stanford University Press.​
  • Blau, P. M. (1964). Exchange and power in social life. John Wiley & Sons.​
  • Dewey, J. (1988). The quest for certainty. Gifford Lectures.​
  • Durkheim, E. (2005). Suicide: A study in sociology. (J. A. Spaulding & G. Simpson, Trans.). Routledge.​
  • Durkheim, E. (2014). The division of labor in society. (W. D. Halls, Trans.). Free Press.​
  • Foucault, M. (2004). Security, territory, population: Lectures at the Collège de France 1977–1978. (M. Senellart, Ed.). Palgrave Macmillan.​
  • Mead, G. H. (2015). Mind, self, and society. University of Chicago Press.​
  • Parsons, T. (1951). The social system. Free Press.​

باحث وأكاديمي من سوريا
د. حسام الدين فياض أستاذ النظرية الاجتماعية المعاصرة جامعة ماردين - تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى