هل من انفِراجٍ فيما ستُسفِر عنه الانتخابات التشريعية المُقبِلة من برلمانٍ وحكومةٍ؟

عندما أقول "من برلمان وحكومة"، فالأمر يتعلَّق بجهازين دستوريين اختارهما الشعبُ المغربي، من خلال الانتخابات، لينوبا عنه في تدبير الشأن العام، وليكون هذا التَّدبيرُ في خدمة مصالحِه ومصالح الوطن. وحتى يتحقَّقَ هذا الهدفٌ، يتحتَّمُ، على هذين الجهازين، أن تتوفًَرَ لديهما الإرادة السياسية القوية لبلوغ ما ينتظرُه منهما الشعب المغربي والوطن.

لكن ما لم يكن في الحسبان، هو أن هناك تفاوتاً un décalage بين ما يطمح له الشعب المغربي، من كرامة عيشٍ، وبين ما حقَّقته وتُحقِّقه، فعلاً، الحكومة على أرض الواقع. وبعبارة أخرى، الأداء الحكومي كانت فيه جُرعة عالِية من اللامبالاة، أو لنقول كان سبباً في عناءٍ تحمَّله، بمَرارةٍ، الشعبُ المغربي.

بعد هذا العناء الذي تحمَّله الشعب المغربي من جراء ما صدر عن الحكومة التي ترأسها ويترأسها عزيز أخنوش، من أداءٍ سيءٍ ولامُبالاة، كل أفراد هذا الشعب المغربي يتطلَّعون إلى انفِراجٍ قد تُسفِر عنه الانتخابات التَّشريعة المٌقبِلة. فما هي طبيعة هذا الانفِراج، وكيف يمكِن تحقيقُه؟

جواباً على هذا السؤال، أوضٍّح وأقول : أي حزبٍ سياسي أو تآلُف أحزاب سياسية أُسنِدت لهما مهمة تدبير الشأن العام، لا يمكِن لهما، على الإطلاق، أن يحقِّقَا هذا الانفِراج، ولو بالتَّدريج، والمشهد السياسي غارِق في الفساد، بجميع أنواعِه. علما أن هذا الفساد يزداد قوةً وانتشاراً، من ولايةٍ تشريعية إلى أخرى. وذلك، حسب التقارير السنوية الصادِرة عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربتِه. فما هو المقصود ب"الانفِراج"؟

الانفراج هو أن تكونَ السياسات العمومية التي ستُسطِّرها الحكومة المُقبلة التي ستُباشِر تدبيرَ الشأن العام، في خدمةِ مصالح الوطن والمواطنين. والانفِراجُ سيكون حقيقةً ملموسة، إذا تمكَّنت الحكومة المُقبلة من ضمان كرامة العيش للمُواطنين (ذكوراً وإناثاً). وكرامة العيش لا يمكن، إطلاقاً، تحقيقُها، دون ضمانِ توزيعٍ عادل ومُنصِف لِما تُنتِجه البلاد من ثروةٍ. والتوزيع العادِل والمُنصِف للثروة، ليس هو المساواة. بل إنه ضمانٌ لكل ذي حقٍّ الحقَّ الذي يستحِقُّه.

ولهذا، إذا توفَّرت لدى الحكومة المُقبلة الإرادة السياسية الازِمة ليكونَ الانفراج واحدا من إنجازاتِها، أمامَها تحدِّي كبير، عليها أن تتجاوزَه بجُرأةٍ وصرامةٍ كبيرتين. فما هو هذا التَّحدِّي وكيف يمكن تجاوُزُه؟

التحدي هو، أولاً وقبل كلِّ شيءٍ، أن تضعَ الحكومة المُقبِلة استراتيجيةً، واضِحة المعالم وقابلة للتنفيذ، لمحاربة الفساد وأن تتمكَّنَ من تنزيلِها على أرض الواقع بدون عناءٍ. لماذا؟

لأنه من الصَّعب التَّصدِّي للفساد إذا أصبح ثقافةً سياسية واجتماعية. سياسية لما يتسرَّب هذا الفسادُ لدواليب المؤسسات والأجهِزة العمومية. بمعنى أن السياسةَ ألمُتَّبعة لتدبيرِ الشأن العام، هي نفسُها مصدرٌ للفساد. اجتماعية لما تُطبِّع شريحةٌ عريضةٌٌ من المواطنين مع الفساد وتعتبِره وسيلةً لقضاء ما تستحقُّه من حقوقٍ.

أما تنزيل الاستراتيجية على أرض الواقع بدون عناءٍ، فإنه يتطلَّب، كما سبق الذكر، تحلِّي الحكومة المُقبِلة بجُرعة عالية من الشجاعة والجُرأة والصرامة. فما معنى أن تتحلَّى الحكومة المُقبِلة بجُرعة عالية من الشجاعة والجُرأة والصرامة؟

الشجاعة والجرأة لأن مَن يصدر عنهم الفسادُ هم،غالِباً، من رجال الأعمال ومن الأعيان والأغنياء الذين يُمارِسون الفساد، من خلال، مثلاً، التَّهرُّب من الضرائب ومُمارَسة الزبونية والمحسوبِية والغش والكذب والنفاق… الصرامة تعني تطبيقَ القانون بدون هوادة، أي بغضِّ النظر عن الاعتبارات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، أي بغض النظر عن كون الفاسدين من الأعيان أو الأغنياء أو القادة السياسيين أو رجال ونساء الأعمال… على أن تكونَ الصرامة في تطبيق القانون مُدعَّمة بأحكام les jugements قضائية قاسيةً لتكونَ عبرةً للآخرين.

وعلى أن تكونَ استراتيجية محاربة الفساد مُدعَّمة بحملاتٍ إعلامية وتربوية موجهة لعموم الناس ولرجال ونساء الأعمال وللقادة السياسيين. علماً أن هذه الحملات يجب أن يكونَ من بين أهدافِها تعزيز الشفافية la transparence في السياسات العمومية وفي كل ما له علاقة بتدبير الشأن العام. كما يجب أن تُعزِّزَ، كذلك، روح المسئولية عند المًشرفين على تدبير الشأن العام وعند رجال ونساء الأعمال. وأن يكونوا على بينةٍ بأن المسئولية تتبعُها المحاسبة التي هي مبدأ من مبادئ الديمقراطية.

الأنفِراج لا تُمطِره السماء. إنه يُبنى بالأفكار والسياسات العمومية الهادِفة إلى تمتِيع المواطنين بكرامة العيش. وكرامة العيش يلزمها لتتحقَّقَ، توزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد بعدلٍ وإنصافٍ. وتوزيعُ الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدل وإنصافٍ يستوجب محاربة الفساد. ومحاربةُ الفساد يلزمُه إرادة سياسية قوية. فهل تتوفَّر هذه الإرادة السياسية غند الحكومة المُقبِلة؟ سنرى ما تٌخبِّئه لنا الانتخابات التشريعية القادمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى