الطب والأطباء في الرواية والأدب... إعداد وتقديم: سعيد الباز

لم يعد عمق العلاقة والارتباط الوثيق بين الطب والأدب، فقط، ظاهرة شائعة ومتعارفا عليها، بل أصبحت مقولة: «الطب زوجتي الشرعية والأدب عشيقتي» لرائد القصة الحديثة، الروسي أنطون تشيخوف، عنوانا بارزا لهذه الظاهرة الممتدة في تاريخ الأدب العالمي من خلال نماذج كثيرة. إنّ الرابط بينهما يجد أساسه باقترانهما بالألم الإنساني والكشف عن أغواره العميقة.


علاء الأسواني.. عيادتي نافذة على المجتمع

أتى الروائي المصري علاء الأسواني من مجال الطبّ، وتحديدا طبّ الأسنان، إلى الرواية، خصوصا والإبداع الأدبي عموما. استطاع أن يوازن بينهما ويعتبرهما مترابطين، فهما، بحسب قوله، متكاملان: «لو أمعنا النظر لوجدنا أن مهنة الطب، مقارنة بالمهن الأخرى، هي التي أعطت أكبر عدد من الروائيين. وتفسير ذلك سهل، لأن الطب والأدب يشتركان في نفس الموضوع، ألا وهو الإنسان. أعتقد أن المهنتين تجمعهما علاقة وثيقة.

إنني، في كلتا الحالتين، أخدم الإنسانية: عندما أعالج مريضا منها وعندما أكتب عنه. مهنة طب الأسنان هي، بالنسبة إليّ، نافعة للغاية، لأنّها تسمح لي بكسب قوت حياتي وتمكنني من أن أكون كاتبا مستقلا بمنأى عن الضغوط الممارسة من طرف السلطات الرسمية». وفي الفصل بينهما يضيف الأسواني: «ألتقي كل يوم أناسا مختلفين، ومن أوساط وثقافات شتى وهو ما يعتبر مهما بالنسبة إلي كروائي. إنني أحرص دائما في عيادتي على الفصل بين الطبيب والروائي. بطبيعة الحال، إن المريض الذي يأتي إلى عيادتي إنما يبحث عن طبيب أسنان لا كاتب روايات.

أنظم ملتقى أسبوعيا في الأدب وأمنح الوقت لكل من أراد أن يحاورني في ما يخصّ نشاطي كروائي، إلا أن ذلك يتم خارج أوقات النشاط الطبي. لكن بعد ذلك النجاح الذي عرفته روايتي (عمارة يعقوبيان) والفيلم الذي حولت إليه، حضر إليّ مرضى جاؤوا للمعالجة لكن أيضا ليقترحوا عليّ، في الواقع، خدماتهم في مجال السينما.. لذلك أحاول الفصل بين المهنتين. عندما أكون في عيادتي، فأنا مجرد طبيب أسنان».

يمكن أن نجد لهذا الجمع بين الطب والكتابة الروائية لدى علاء الأسواني تأثيراته الواضحة في فترة دراسته كما أوضحه في حواراته: «في أواخر السبعينيات كنتُ طالبا في القصر العيني الذي يضمّ كلية الطب وكلية طب الأسنان، حيث كنتُ أدرس. وكان النشاط الأدبي والفني بين طلبة القصر العيني كبيرا ورائعا، وأذكر أننا كنّا كلنا نحصل دائما على المراكز الأولى في المسابقات الفنية… بل إنّ معظم أساتذتنا كانوا على دراية كبيرة بالفن والأدب، فكان عميد طب الأسنان، الدكتور محمد داود التنير، خبيرا حقيقيا بالأدب الروسي وكنتُ أستمع إليه بانبهار وهو يشرح لنا حياة الكاتب العملاق فيودور ديتوفسكي وأعماله.

وكان الدكتور حيدر غالب، أستاذ علم الأدوية، يبدأ محاضراته دائما بإذاعة قطعة من الموسيقى الكلاسيكية في المدرّج، ويعطينا نبذة عن مؤلفها وسماتها الفنية ثم ينتقل بعد ذلك إلى علم الأدوية. ثم تخرجتُ وبدأت رحلة الكتابة واكتشفتُ أنّ العلاقة بين الطب والأدب وثيقة وقديمة. والطب أكثر مهنة أنجبت أدباء: أنطون تشيكوف وإميل زولا وجورج دوهاميل وسومرست موم وغيرهم في الأدب العالمي وفي الأدب العربي إبراهيم ناجي ويوسف إدريس… وغيرهم كثيرون… يمكنني أن أترك طب الأسنان إذا أردتُ، لكن لن أفعل لأنّ عيادتي هي النافذة التي أتتبع من خلالها المجتمع المصري».

ملامح مهنة الطب في الأعمال الروائية لدى علاء الأسواني يمكن أن نجدها بارزة في روايته (شيكاغو): «جامعة إلينوى من أكبر الجامعات في الولايات المتحدة، وتنقسم إلى قسمين: المركز الطبي في غرب شيكاغو الذي يضمّ الكليات الطبية، أمّا الكليات غير الطبية فتقع في وسط المدينة. بدأ المركز الطبي في عام 1890 بإمكانات ضئيلة، ثم تطوّر واتّسع بسرعة فائقة ككل شيء في شيكاغو، حتّى أصبح مدينة شاسعة مستقلة… وتشغل أكثر من مائة مبنى: تضم كليات الطب والصيدلة والأسنان والتمريض وفروع المكتبة والإدارة، بالإضافة إلى دور سينما ومسارح ونواد رياضية. كلية طب إلينوى هي الكبرى في العالم، وتضم واحدا من أعرق أقسام الهيستولوجي… مشيّدا من خمسة طوابق على الطراز الحديث، تحوطه حديقة واسعة يتوسطها تمثال نصفي من البرونز لرجل خمسيني يبدو محدقا في الفضاء وعلى قاعدة التمثال نُقشت العبارة التالية بحروف كبيرة: (العالم الإيطالي العظيم مارشيللو مالبيجي (1628-(1694 مؤسس علم الهيستولوجي… هو الذي بدأ… ونحن هنا لنتم العمل)… فما إن تجتاز البوابة الزجاجية حتى تشعر بأنّك تركت الدنيا بمشاغلها وضوضائها وصرت في محراب العلم: المكان غارق في الهدوء، وثمة موسيقى خافتة خفيفة تنبعث من الإذاعة الداخلية. الإضاءة واحدة محسوبة بحيث تريح النظر ولا تشتت الانتباه ولا تنم عن الزمن في الخارج، عشرات الباحثين والطلاب لا يكفون عن الحركة والعمل».


يوسف إدريس.. تلميذ طبّ

… كنت من الطلبة الذين أتاح لهم الحظ الالتحاق بكلية الطب… لقد تخيلت عندما ارتديت المعطف الأبيض وأمسكت بمبضع التشريح الخاص بالضفادع والحشرات في السنة الإعدادية أنني أعبث بمبضعي في جثث الآدميين وأنّ مهارتي في عملية بطن الضفدعة بالمقص لا تقل عن مهارة الدكتور «نجيب مقار» في استئصال كلية أحد الآدميين، وكنت أزهو بلقب دكتور الذي يخلعه علي الناس مجاملة ابتداء من بواب العمارة إلى بنت الجيران التي كنت أختال أمامها بالبالطو الناصع البياض والحقيبة الجلدية الأنيقة… تشبها بكبار الأطباء والسيجارة مثبتة في ركن من فمي لكي تكتمل كلّ معالم «الدكترة»… فكانت النتيجة أن تعلمت التدخين وما زلت أدخن بإدمان وإن كنت أنصح الناس بالإقلاع عن هذه العادة الضارة!

وبعد انتهاء السنة الإعدادية بدأنا الدراسة الطبية الحقيقية… فكنّا نشرح جثث الموتى المحفوظة في الفورمالين، وكنت أتوهم أنني سأقوم باكتشافات هامة في علم التشريح… فكلما شرحت جثة توقعت أنني سأجد شيئا جديدا لم يعرفه الأوائل، كأن أكتشف أنّ للإنسان قلبين لا قلبا واحدا كما هو مبيّن في الكتب!

أمّا الفرحة الكبرى ففي السنة الثالثة… عندما اشتريت سمّاعة حرصت على أن أضعها في الجيب الداخلي للجاكتة بطريقة خاصة تظهر منها جزءا، فيعرف من لا يعرف أنني طالب في الطب!

… وعند ركوبنا في الترام كنّا نتباهى بالحديث عن المرضى الذين فحصناهم هذا اليوم ونكثر متعمدين من استعمال الألفاظ اللاتينية الخاصة بأسماء الأمراض وخاصة إذا كان من بين ركاب الترام حسناء لم تلاحظ السماعات في جيوبنا فنجذب انتباهها بهذا الحديث، لعل وعسى!

وفي السنة الرابعة هبط زهونا وغرورنا عندما وجدنا زملاءنا في المدرسة الثانوية ممن التحقوا بكليات الحقوق أو الآداب أو غيرها تخرجوا وأصبحوا محامين ومدرسين ومآمير ضرائب ومدرسين وصحفيين… ونحن ما زلنا في مرحلة الدراسة نأخذ مصروفا من أهلنا!

… واقترب ميعاد الامتحان النهائي، وظفر السعداء منّا بالنجاح… وفجأة تحطمت الآمال الكبار التي كانت تراودنا عند بدء التحاقنا بالكلية… فقد كنّا نحلم بأن يفتح كل منّا عيادة خاصة تدرّ عليه الذهب… وفي ظرف سنة لابدّ أن يكون صاحب عزبة وعربة كاديلاك على الأقل! ولكن ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه وانحصرت الآمال الآن بعد التخرج في العمل كأطباء امتياز في مستشفى قصر العيني بمرتب لا يتجاوز عشرة جنيهات… مع العمل ليل نهار، ولكنها فرصة العمر للتمرين في هذا المستشفى الكبير تحت إشراف الأساتذة الكبار.


ميخائيل بولغاكوف.. مذكرات طبيب شاب

كان الروائي والمسرحي الروسي ميخائيل بولغاكوف بدأ حياته طبيبا في الأرياف الروسية النائية، واستمدّ منها تجربة إنسانية كبيرة انطبعت جلّها في أعماله الروائية والمسرحية والقصصية سجّلها في كتابه الذائع الصيت (مذكرات طبيب شاب):

«… أصبح يأتيني إلى العيادة عبر الطريق الممهدة لعربات التزلج على الثلج نحو مئة مريض من الفلاحين يوميا، حتّى لم يعد يتبقى لي وقت لتناول الغداء. إنّ علم الحساب علم صارم جدا، فلنفترض أنّني أقضي مع كلّ مريض من زبائني خمس دقائق فقط… خمسا! فإنّ كلّ خمسمائة دقيقة تساوي ثماني ساعات وعشرين دقيقة. على نحو متواصل انتبهوا! وفضلا على ذلك عندي قسم للمرضى المقيمين في المستشفى يتّسع لثلاثين شخصا، إضافة إلى أنني أجري العمليات الجراحية. كنتُ، باختصار أعود من المستشفى في التاسعة ليلا، فاقدا الرغبة في الأكل أو الشراب أو النوم، فاقدا الرغبة في كلّ شيء، سوى رغبة واحدة هي ألّا يأتي أحدهم ليدعوني إلى عملية توليد، فقد أخذوني في الأسبوع الأخير خمس مرات في الليل عبر طرق التزلج الثلجية.

كنتُ أمشي في الجولة التفقدية مشية مندفعة، ويجرّ مساعدي ومساعدتي وممرضتان أرجلهم ورائي. وتوقفتُ فجأة عند سرير تمدد فوقه مريض ذاب في حرارته، وتنفّس تنفسا شاكيا، فعصرتُ من ذهني كلّ شيء فيه، وتلمستُ بأصابعي جلده الجاف، ونظرتُ في حدقته ثم ربت على أضلاعه، وسمعتُ كيف كان قلبه ينبض خفية. وفكّرتُ في شيء واحد فقط، كيف يمكن إنقاذه؟ وكيف يمكنني إنقاذ هذا وذاك والجميع.

كانت المعركة تبدأ كلّ صباح على ضوء الثلج الباهت، ولا تنتهي إلّا بتلألؤ ضوء المصباح الأصفر الساطع. قلتُ في نفسي بعد أن رجعتُ إلى غرفتي ليلا: كيف ينتهي هذا كله؟ أتمنى أن أعرف. فالمراجعون سيأتون عبر طرق التزلج الثلجية… كتبتُ إلى المركز في (غراتشيفكو)، وذكرتُ بأدب جم أنّ منطقة (نيكولسك) تحتاج إلى طبيب ثان. وسافرت الرسالة، على طريق مرصوص عبر محيط من الثلج، مسافة أربعين فرسخا.

وجاء الجواب بعد ثلاثة أيام، كتبوا: إنّه… بالطبع، حتما… بالطبع لكن ليس الآن، إذ لا يلتحق أيّ طبيب الآن. ثم ختموا الرسالة ببعض التقريظ الطيّب لعملي مع التمنيات بالنجاح المستمر. أحيا تشجيعهم آمالي، فتابعتُ وضع الضمادات القطنية، وحقن المصول ضد الخانوق، وإجراء عمليات الدمامل الكبيرة وتجبير الكسور بالربطات الجبسية. يوم الثلاثاء لم يأتني مئة مراجع فحسب، بل وصل العدد إلى مئة وخمسة عشر، وأنهيت المعاينات في الساعة التاسعة مساء، وغفوت وأنا أحاول أن أخمن كم سيكون عدد المراجعين غدا، ثم حلمت أنّ عددهم قد بلغ تسعمائة مراجع.

… أخذت أمشي وأطوف في مسكني الفاخر طوال النهار (كان بيت الطبيب مؤلفا من ست غرف، ولسبب ما من طابقين، ثلاث غرف في الأعلى وثلاث أخرى في الأسفل مع المطبخ)، ورحت أصفر موسيقى أوبرالية، وأدخن، وأنقر على شباك النافذة… وخلف الشبابيك حدث شيء لم أر مثله في حياتي كلّها: لم يكن ثمة سماء ولا أرض أيضا، كان البياض يدور ويلتف متعرجا متمايلا طولا وعرضا، وكأنّ الشيطان يلهو بمسحوق الأسنان الأبيض. وفي نهاية النهار أصدرتُ أمري لـ(أكسينيا) التي تقوم بمهام الطبخ والتنظيف في شقة الطبيب، كي تملأ ثلاثة دلاء ماء، وكي تغلي الماء في المرجل، إذ إنني لم أستحم منذ شهر».


هيفاء بيطار.. أمارسُ الطب بعين كاتبة

هيفاء بيطار قاصة وروائية سورية وطبيبة اختصاصية في أمراض العيون وجراحتها. تميّز إنتاجها القصصي والروائي بالغزارة وبالانتشار الواسع. زاوجت هيفاء بيطار بين عملها في المجال الطبي وممارسة الكتابة الأدبية بشكل مكثف ومتناغم.

تقول عن علاقة الأدب والطبّ: «لقد لعب «الطب» دوراً، أراه رائعاً، في صقل موهبتي ككاتبة، وقلت مراراً أن أنجح زواج هو زواج الطب والكتابة، فالطب والكتابة يهتمان بالإنسان، وأعترف أنني كنت أمارس الطب بعين كاتبة وأمارس الكتابة بموضوعية طبيب، كتبت عشرات القصص القصيرة من وحي عملي كطبيبة (خاصة أنني كنت أعمل في المشفى الوطني في اللاذقية) وقبلها بثلاث سنوات ونصف في مشفى المواساة في دمشق أثناء اختصاصي في طب العيون، معظم هؤلاء المرضى دخلوا إلى معملي الداخلي وتحولوا قصصاً…

أمارس الطب بعين إنسانية أي بعين كاتبة، ويمكنني التحدث عن أكثر من مئة قصة قصيرة كتبتها من وحي عملي كطبيبة. وأحب أن أجمعها في كتاب، كما كتبت روايتين من وحي عملي كطبيبة هما: نسر بجناح وحيد (أحكي فيها عن معاناة الأطباء الذين لا يجدون عملاً براتب محترم حال تخرجهم) ورواية (هوى) التي أحكي فيها عن الفساد الطبي وفساد القضاء وهي رواية واقعية تماماً».

تستوحي هيفاء بيطار في أعمالها القصصية والروائية عالمها الخاص في مجالها الطبي كما الشأن في هذا النصّ من كتابها «وجوه من سوريا»: «علب الدواء مكدسة في درجه، يمازحها ويخاطبها كصديق فاتحا قلبه ليبوح بمكنوناته ويؤكّد للحبوب الصغيرة أنّها أكثر رحمة من كلّ البشر حوله، حتّى من الأقرباء والأصدقاء والأولاد والأحفاد… ليس في حياته من أوليات أكثر أهمية من أن يخزّن قدر استطاعته دواء «اللكزوتان» الذي سمّاه دواء الرحمة الذي لولاه لانهار وربّما انتحر، دواء الرحمة والحنان الذي لم يخذله أبدا أبدا، بينما خذله البشر: حبّة صغيرة لونها أبيض تهبه ذراتها وتلاحق منابع القهر والألم في روحه وتقضي عليها، حبّة صغيرة تخزن حُبا هائلا في قلبها. أجل، إنّه يحسّ أنّ لحبّة الدواء قلب، وليس عبثا أن يكون اشتقاق كلمة حَبّة من الحبّ، لعلّ الكثيرين قبله فكّروا أنّ كلمة حَبّة مشتقة من حُبّ.

محرّد حَبّة دواء صغيرة ترمّم روحه الممزقة من الألم، تعفيه أن يشحذ الحنان والحبّ من بشر تصحّرت مشاعرهم وجفّت… كان يعيش مُروعا بصمت من أنانية المحيطين به، وفقدان إحساسهم بما يكابد، فيقضي ساعات مثارا ومنهمكا ليعرف ما سبب تصلّب العلاقات بين الناس، وكيف صارت عيونهم زجاجية لا تعكس أيّ تعاطف!

كم من المرّات انتابه الشكّ في أنّ هاتفه معطّل: كيف تمرّ أيام ولا يصله رنين الشوق؟ أين غاب الأحبّة والأصدقاء؟ لقد أحبّهم بصدق وكان كريما بعواطفه وماله معهم، فلماذا انسحبوا من حياته؟ ولماذا، حين يهزمه الحنين وتنهش روحه الوحدة ويتصل بهم، يتنصلون منه بأعذار لا تقنعه؟

هل تتصحر النفس البشرية كما تتصحر الطبيعة؟

… لولا حبّة الرحمة، لولا اللكزوتان، لربما انتحر من هول الوحدة، لكن دواء الرحمة كان ينتشله من ألم روحه الحارق ويحوّل الألم إلى إحساس لطيف أشبه بنسمة. لم يقدم له دواء الرحمة السعادة، لكنّه كان يخدّر آلامه، يحوّل حزنه الصلب الكثيف إلى مادة هشّة، إلى وشاح شفاف…


فاتحة مرشيد.. الطب يكسّر الأوهام والإبداع يرممها

فاتحة مرشيد شاعرة وروائية مغربية وطبيبة أطفال، من إصداراتها الشعرية: «سواد تخفي يا قوس قزح»، «آخر الطريق أوّله»، «ما لم يُقل بيننا»، «انزع عني الخطى»، والروائية: «لحظات لا غير»، «مخالب المتعة»، «الملهمات»، «الحق في الرحيل»، «التوأم». وفي القصة: «لأن الحب لا يكفي».

عن العلاقة بين الكتابة الأدبية والمجال الطبي تقول: «أنا إنسان تمتهن الطب وتستبدل – من حين لآخر- سماعتها بالقلم لتشخيص علل المجتمع، إيمانا منها بقدرة الكلمة على ترميم شروخ أرواحنا وعلى أن الإبداع إكسير الحياة. هل عملي بالطب أثر فيّ أدبيا؟ كل ما نفعله وكل ما نقدم عليه يؤثر فينا بصفتنا مبدعين ويترك بصماته على إبداعاتنا. ممارسة الطب بالنسبة لي أكثر من مجرد مهنة إنها تجربة حياة غنية جعلتني أقترب أكثر من جوهر الكائن من معاناته وهشاشته ومواجهته الحتمية للموت.

الطب يكسر الأوهام، والإبداع يرممها وأنا أحتاج إلى أوهامي كي أتحمل الحياة. يتهيأ لي أنني أفهم الأشياء أكثر حين أكتبها… والطبيبة تُسهم في مد الكاتبة بمواضيع وشخوص إلى حدّ كبير، لأنهما ذات واحدة وأنا لا أفرق بينهما. من أجواء روايتها (الملهمات): (لا أعلم إن كنت تسمعني أم لا…

على وجهكَ سكينة من تعدّى مرحلة القلق، واستسلم لقدره… مخلّفا ترف القلق لي.

لا يعلم الأطباء، ولا الشيطان نفسه يعلم، إن كنتَ ستستفيق يوما من غيبوبتك لتستأنف حياة تشبثت بها بكلّ كيانك.

حياة، لفرط ولعك بها لم تقبل أن يشاركك أحد فيها… حتّى ولو كان شريك حياتك.

كثيرا ما تمنيت أن تسمعني، أن أتكلم، أن أفرغ ذاتي، لكنّك تحبّ الأبواب المغلقة بإحكام، تخلق وراءها حياة لا تزعج حياتك، وتستقر في الغموض.

آه ! كم يستهويك الغموض… وكم يقهرني. كم وددت أن أكون شفافة أمامك… عارية الروح… وكان العري أشدّ ما تخشاه. أمضينا ثلاثين عاما بثيابنا، بأقنعتنا، واحد جنب الآخر. زوجين مثاليين، لا جدال ولا مشاجرة… تمثالين نزيّن بهما وكرنا ونحرس السلالة.

من حسن حظنا، أو من سوئه، لم تكن لدينا مشاكل مادية تعيد العلاقات إلى أبجديتها وتجعل من الكفاح في سبيل لقمة العيش تواطؤا.

تمنيت لو يصهرنا الجوع أو العوز، لو تحتاجني فأظهر شهامتي وارتباطي. تمنيت لو تدخل عليّ ككادح عرقه يفسح له الطريق، لو أحكي لك عن مشاجرتي مع الجارات حول تنظيف السلم، عن أولادنا وتفوقهم في الدراسة، عن ثمن الطماطم الذي تضاعف رغم شتاء وافر المطر… لكن، بيننا خدم وحرس وسائق وطبّاخ ومربيات للأطفال. بيننا سيارات عددها أكثر من عدد أفراد الأسرة. بيننا مسافات أوسع من قصرنا، وسكرتيرات خاضعات لنظام التجديد، بيننا أصدقاء بل معارف وسهرات وهدايا.

بيننا مسافات أبعد من رحلاتك. وصمت… صمت… صمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى