البشير عبيد - الفكر والمواطنة: تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقليمية

في عالم عربي وإقليمي يعصف به العنف السياسي، والصراعات الداخلية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تتجلى المواطنة الحقة كعنصر أساسي في بناء الدولة الحديثة. المواطنة ليست مجرد بند دستوري أو ورقة قانونية، بل هي عقد أخلاقي واجتماعي يربط الفرد بالمجتمع والدولة، ويؤسس لعلاقات متبادلة قائمة على الحقوق والواجبات، بعيدًا عن الانقسامات الطائفية والمذهبية التي تقوض أسس الدولة.
إن الدول العربية تواجه اليوم تحديات مركبة ومعقدة، فقد شهدت عقودًا من الصراعات الداخلية، تدخلات خارجية متعددة الأطراف، وأزمات اقتصادية عميقة تزيد من معدلات الفقر والبطالة، وتضعف قدرة المؤسسات على الاستجابة لاحتياجات المواطنين. في هذا السياق، تظهر المواطنة الفاعلة كعنصر حاسم في تحصين الدولة، وتعزيز استقرارها، وبناء مؤسسات قوية قادرة على الصمود أمام الصدمات الداخلية والخارجية.
تعد المواطنة أيضًا أداة ثقافية وفكرية، إذ لا يمكن للدولة أن تفرضها بالقوانين وحدها، فهي تتطلب وعيًا جماعيًا وثقافة مشتركة تعزز الانتماء الوطني والاحترام المتبادل، وتخلق أساسًا للحوار السياسي والاجتماعي البناء.

Messenger_creation_240FF93B-3B52-4BF6-BCD6-E43192F17041.jpeg

المواطنة بين النظرية والتطبيق

المواطنة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي تجربة عملية تتجسد في الالتزام بالقانون، والمشاركة في الحياة العامة، واحترام حقوق الآخرين، والمساهمة في التنمية المستدامة. الدول التي نجحت في ترسيخ هذا المفهوم بنت آليات فعالة للعدالة الاجتماعية، مؤسسات قوية، وسيادة القانون، مما أعطاها القدرة على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية بمرونة وكفاءة.
على سبيل المثال، تجربة بعض المدن العربية التي أسست لجمعيات أهلية محلية تساهم في تنظيم التعليم المجتمعي، وحماية البيئة، ورعاية الفئات الضعيفة، أظهرت أن المواطن الذي يشعر بالانتماء ويُمنح دورًا فاعلًا في المجتمع يصبح شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة وصيانة مؤسساتها.
في المقابل، الدول التي غاب فيها مفهوم المواطنة، أو كانت مظللة بالانقسامات الطائفية والأيدلوجية، سرعان ما وجدت نفسها غارقة في الفوضى والهشاشة، حيث تتفشى مظاهر الفساد، وتضعف العدالة، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ما يجعل الدولة عاجزة عن أداء دورها في حماية المواطنين وتحقيق التنمية المستدامة.

تجارب عربية وإقليمية

لبنان يمثل نموذجًا حيًا لفهم التحديات الواقعية في بناء الدولة والمواطنة. الانقسامات الطائفية والسياسية العميقة تجعل الدولة في حالة هشة، لكن المجتمع المدني والمبادرات الفكرية والسياسية لعبت دورًا جوهريًا في بناء جسر بين الانقسامات وتعزيز العدالة والمواطنة. على سبيل المثال، مؤسسات محلية غير حكومية نجحت في تنظيم برامج تعليمية وتمكين الشباب، ما ساعد في خلق مساحة للتواصل بين الفئات المختلفة وتقوية الروابط الاجتماعية.
تونس بعد الثورة تجربة أخرى ملهمة، حيث أدت المشاركة السياسية الفاعلة في الحياة العامة إلى تعزيز قيم المواطنة، وإيجاد توازن بين الحقوق الفردية والواجبات الوطنية، وهو ما ساهم في الحفاظ على استقرار نسبي خلال مرحلة حرجة من تاريخ الدولة. برامج التنمية المحلية والمبادرات الشبابية لعبت دورًا مركزيًا في تعميق مفهوم الانتماء الوطني والمواطنة العملية.
في المقابل، دول الخليج العربي تقدم نموذجًا مختلفًا، حيث أدى الاستثمار الكبير في التنمية الاقتصادية، التعليم، العدالة الاجتماعية، والبنية التحتية إلى تعزيز الولاء الوطني وتقليل الانقسامات، حتى في بيئات متعددة الجنسيات والثقافات. هذه التجارب توضح أن المواطنة ليست مجرد شعار، بل استراتيجية عملية لبناء الدولة وصيانتها.

المواطنة والتنمية المستدامة

المواطنة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. الدولة التي تضمن حقوق المواطنين الأساسية، مثل الصحة والتعليم والعمل، تعزز الثقة بين الحكومة والشعب، وبالتالي تزيد من الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
على النقيض، غياب العدالة والمساواة يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية، زيادة الاستقطاب، وانتشار الفساد، ما يضع الدولة أمام أزمة وجودية تهدد قدرتها على الصمود.
المواطن الفاعل يصبح شريكًا في التنمية المستدامة، حيث يساهم في:
المشاركة في اتخاذ القرار وصياغة السياسات العامة
دعم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والمبادرات المحلية
حماية الموارد العامة وضمان استدامتها للأجيال القادمة
أمثلة عملية تظهر أن المدن التي قامت ببرامج إشراك المواطنين في التخطيط العمراني والخدمات العامة شهدت تحسّنًا كبيرًا في جودة الحياة، وتقليل النزاعات الاجتماعية، وزيادة التعاون بين المواطنين والدولة.

الدولة والمجتمع المدني

يلعب المجتمع المدني والإعلام الحر والفكر النقدي دورًا جوهريًا في ترسيخ المواطنة، فهو يشكل شبكة دعم للقيم الوطنية، ووسيطًا رقابيًا يكشف التجاوزات ويقوي المؤسسات. في لبنان وفلسطين ومصر، المجتمع المدني يدعم الحقوق والحريات، ويراقب الأداء الحكومي، ويعزز الشفافية والمساءلة، مما يضفي مصداقية على الدولة ويقوي ثقة المواطنين فيها.
عندما يشارك المواطن في المبادرات المجتمعية، والحملات البيئية، وبرامج التعليم والتدريب المهني، فإن الدولة تكسب قاعدة صلبة من الدعم الاجتماعي والولاء الوطني، وهو ما يجعل المؤسسات أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

المواطنة والاستقرار السياسي

الدولة التي تبني مفهوم المواطنة بعمق تمتلك قدرة أكبر على الصمود أمام التدخلات الخارجية، فهي قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، وتحقيق توازن بين مختلف الفئات داخل المجتمع. المواطنة الحقة تفرض على الفرد الالتزام بالقوانين واحترام الآخرين، بينما تمنح الدولة حقوقه الأساسية، الحماية، والمشاركة الفعلية في صنع القرار.
في السياق العربي، نلاحظ أن الدول التي عززت المشاركة المدنية والشفافية، مثل بعض التجارب في المغرب وتونس، استطاعت تخفيف حدة النزاعات، وتحقيق توافق وطني أكبر، وضمان استقرار مؤسسي نسبي، ما يؤكد أن المواطنة الفاعلة ليست خيارًا بل ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة واستقرارها.

استشراف المستقبل

مع التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تصبح المواطنة أداة استراتيجية لبناء دولة قوية ومستقرة. الدول التي تعزز العدالة والمواطنة، وتضمن مشاركة فعالة للمواطنين، تمتلك القدرة على مواجهة الأزمات، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الانتماء الوطني.
التعليم والثقافة وقيم المجتمع المدني تشكل أدوات مهمة لغرس مفهوم المواطنة، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتوطيد روابط الانتماء بين الأفراد والدولة. الدولة الحديثة القائمة على المواطنة الحقة، العدالة، والمؤسسات القوية تتمتع بمصداقية داخليًا وقدرة على حماية مصالحها على الصعيد الخارجي.
بناء الدولة الحديثة في زمن الصراعات الإقليمية يعتمد على عمق المواطنة، متانة المؤسسات، وقوة المجتمع المدني. الدولة التي تنجح في خلق مجتمع من المواطنين الفاعلين والمثقفين والملتزمين ستكون أكثر قدرة على الصمود وتحقيق التنمية والاستقرار، بعيدًا عن الانقسامات، وقادرة على المضي قدمًا نحو سيادة حقيقية واستقلال وطني شامل.
المواطنة ليست مجرد واجب على الفرد، بل مسؤولية متبادلة بين الدولة والمجتمع، حيث تقدم الدولة الحقوق والحماية، بينما يلتزم المواطن بالمشاركة الفاعلة في تعزيز الوطن وحماية مؤسساته. هذا التوازن هو ما يجعل الدولة الحديثة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتحقيق تنمية مستدامة وعدالة اجتماعية حقيقية.

- كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى