لم تكن كامي ديفيس تبحث عن الحقيقة.
كانت تعيش داخلها كما تُعاش الأشياء الموروثة:
من دون اختبار،
ومن دون شكّ،
ومن دون حاجة إلى السؤال.
وهذا هو الفارق الجوهري الذي يُغفل غالبًا:
أن يعيش الإنسان داخل قناعة لا لأنه وصل إليها،
بل لأنه وُلد في جملتها الأولى،
وتربّى في لغتها،
وتعلّم أن يعتبرها نهاية التفكير لا بدايته.
نشأت كامي داخل تيار ديني–سياسي في الولايات المتحدة لا يكتفي بتأييد “إسرائيل”،
بل يرفعها إلى مرتبة المعنى الأعلى:
الوعد، الخلاص، النجاة، والنبوءة التي يُفترض أن تكتمل مهما كان الثمن.
هناك، لا تُقدَّم الصهيونية كخيار سياسي،
بل كإطار كوني،
كجزء من نظام أخلاقي مغلق،
يضع الخير والشر في مواقع ثابتة لا يجوز إعادة ترتيبها.
في هذا السياق، يصبح السؤال خطرًا،
ويغدو العقل أداة تبرير لا أداة فحص.
موظفًا داخل منظومة،
لا حارسًا للضمير.
ولهذا، لا يمكن فهم تحوّل كامي بوصفه انتقالًا من موقف إلى موقف،
بل بوصفه انتقالًا أكثر جذرية:
من العيش داخل القناعة،
إلى الوقوف أمامها،
والنظر إليها كما يُنظر إلى بناءٍ طالما سكنه الإنسان، ثم اكتشف فجأة أنه لم يسأله يومًا:
هل هذا البيت يشبهني حقًا؟
ما بعد 7 أكتوبر لم يكن لحظة صدمة عاطفية،
بل لحظة انكشاف بنيوي.
ليس لأن العالم تغيّر فجأة،
بل لأن التناقض بلغ درجة لم تعد تسمح بالتغطية اللغوية.
اللغة التي كانت تُخدّر،
فقدت قدرتها على التسكين.
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي دائمًا:
لا عند الصورة القاسية الأولى،
بل عند السؤال الهادئ الذي لا يطلب إجابة سريعة،
بل يفتح شرخًا في البناء كله:
كيف يمكن لمنظومة تُقدَّم بوصفها أخلاقية أن تُنتج هذا المقدار من العنف؟
كيف يمكن للسماء أن تُستدعى بلا تردّد، بينما تضيق الأرض بهذا الإنسان؟
هذا السؤال لا يُقال علنًا.
لا يُرفع شعارًا.
يُقال في الداخل،
في تلك المسافة الدقيقة بين الإنسان ونفسه،
حين يكتشف أنه لا يحتاج خصمًا خارجيًا كي يهتز،
بل يكفي أن يلتقي بذاته بلا حراسة،
بلا جمهور،
وبلا لغة جاهزة تحميه من الشك.
ما فعلته كامي بعد ذلك لم يكن تعاطفًا،
ولا انفعالًا عابرًا،
ولا رغبة في الانحياز إلى معسكر جديد.
فعلت ما يندر أن يفعله الإنسان لأن كلفته وجودية:
فتحت ملفًا كانت حياتها كلها مبنية على إبقائه مغلقًا.
بدأت القراءة.
لا قراءة الأحداث، بل قراءة الجذور.
قرأت تاريخ الصهيونية خارج النسخة المُقدَّسة التي تُدرَّس في الكنائس والخطاب السياسي،
وقرأت النكبة لا كواقعة منتهية،
بل كبنية تأسيسية مستمرة،
واقتربت من الشهادة الفلسطينية لا بوصفها “رواية أخرى”،
بل بوصفها مركزًا أخلاقيًا جرى إقصاؤه طويلًا.
في هذه اللحظة يتبدّى معنى العقل كما يجب أن يُفهم:
العقل ليس تراكُم معلومات،
ولا مهارة جدل،
ولا قدرة على الدفاع عن موقف.
العقل هو الجرأة على نطق جملة واحدة حين تصبح ضرورية:
ربما كنتُ مخطئة.
وهذه الجملة ليست سهلة.
لأن الخطأ هنا لا يخص فكرة معزولة،
بل يخص بيتًا كاملًا:
البيت الروحي،
الجماعة،
اللغة،
القصص التي بُني عليها الإحساس بالخير،
والطمأنينة التي كان يُطلق عليها اسم “إيمان”.
لهذا، التحوّل ليس حدثًا،
بل مسار مؤلم يشبه الاستيقاظ في منتصف الطريق،
والاكتشاف أن الاتجاه الذي بدا واضحًا لسنوات،
كان يقود بعيدًا عن الإنسان،
لا نحوه.
ومع القراءة، تغيّرت رؤية غزة.
لم تعد خبرًا،
ولا صراعًا متوازنًا،
ولا مساحة رمادية تسمح بتوزيع اللوم.
أصبحت واقعًا متصلًا لا يمكن تجزئته لغويًا،
ولا تخفيف ثقله بالمصطلحات.
هناك شيء يحدث في الوعي عندما تتكرر الكارثة بلا انقطاع:
إما أن يتحول الإنسان إلى معتادٍ بارد،
أو أن يتحول إلى قارئ جديد للعالم.
وكامي، في لحظة حاسمة، اختارت ألا تعتاد.
اختارت أن تتوقف.
والتوقف هنا ليس ضعفًا،
بل أعلى درجات الشجاعة.
لأن التوقف لا يعني مواجهة خصم،
بل مواجهة التاريخ الشخصي للقناعات،
والاعتراف بأن الاستمرار قد يكون خيانة أعمق من الانسحاب.
مع التوقف تبدأ عملية الفرز البطيئة:
التمييز بين الدين بوصفه بحثًا عن معنى،
والدين حين يتحول إلى تصريح ولاء.
بين الإيمان كمساءلة،
والإيمان كأداة طاعة.
ويظهر الفرق الجوهري بين اليهودية والصهيونية،
وبين نقد مشروع سياسي،
ومعاداة هوية دينية.
وهنا تتكشف لحظة التحوّل الكبرى:
حين تعجز الجملة عن أن تجمع بين القداسة والقتل،
بين الخلاص والإبادة،
بين الحق ومحو البشر.
وحين تفشل الجملة في حمل هذا التناقض،
لا تُعدَّل…
بل تسقط.
ومع سقوطها، تسقط السردية التي بُنيت عليها.
في هذا السياق، لا تبدو التحوّلات التي تلت غزة معزولة أو مفاجئة:
يهود يرفضون أن تُرتكب جريمة باسمهم،
مسيحيون يعيدون طرح سؤالهم الأول عن معنى الإيمان،
أكاديميون يكتشفون أن “الحياد” كان اسمًا آخر للخوف،
فنانون يغادرون منطقة الرماد بعدما صار الرماد نفسه موقفًا.
لكن ما يجمع هذه التحولات ليس تبدّل الموضة،
ولا ضغط الرأي العام،
بل قرار داخلي واحد:
إعادة العقل إلى موقعه الطبيعي،
فوق السردية، لا تحتها.
لهذا، يصبح تحوّل كامي نموذجًا يُحتذى به لا لأنه صحيح سياسيًا،
بل لأنه صادق إنسانيًا.
نموذج الإنسان القادر على التوقف قبل أن يتحول الخطأ إلى قدر،
وعلى مراجعة نفسه قبل أن يصبح الصمت جزءًا من آلة.
وحين تقول كامي:
«بحثي في تاريخ الصهيونية، ومشاهد غزة، أنهيا قناعاتي»
فهي لا تعلن تبدّل رأي،
بل تعلن استعادة ذات.
استعادة القدرة على أن تقول:
هذا الطريق لا يشبهني،
وهذا الإيمان لا يقود إلى الإنسان.
وهنا فقط يصبح الكلام ذا معنى:
أن يكتشف الإنسان خطأه
لا لكي يُدان،
بل لكي لا يُكمل مسارًا لم يعد قادرًا على الدفاع عنه أخلاقيًا.
شكرًا للعقل…
لأنه، حين تنهار الشعارات كلها،
يبقى آخر ما يمكن الاتكاء عليه.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24 كانون الثاني / يناير 2026
كانت تعيش داخلها كما تُعاش الأشياء الموروثة:
من دون اختبار،
ومن دون شكّ،
ومن دون حاجة إلى السؤال.
وهذا هو الفارق الجوهري الذي يُغفل غالبًا:
أن يعيش الإنسان داخل قناعة لا لأنه وصل إليها،
بل لأنه وُلد في جملتها الأولى،
وتربّى في لغتها،
وتعلّم أن يعتبرها نهاية التفكير لا بدايته.
نشأت كامي داخل تيار ديني–سياسي في الولايات المتحدة لا يكتفي بتأييد “إسرائيل”،
بل يرفعها إلى مرتبة المعنى الأعلى:
الوعد، الخلاص، النجاة، والنبوءة التي يُفترض أن تكتمل مهما كان الثمن.
هناك، لا تُقدَّم الصهيونية كخيار سياسي،
بل كإطار كوني،
كجزء من نظام أخلاقي مغلق،
يضع الخير والشر في مواقع ثابتة لا يجوز إعادة ترتيبها.
في هذا السياق، يصبح السؤال خطرًا،
ويغدو العقل أداة تبرير لا أداة فحص.
موظفًا داخل منظومة،
لا حارسًا للضمير.
ولهذا، لا يمكن فهم تحوّل كامي بوصفه انتقالًا من موقف إلى موقف،
بل بوصفه انتقالًا أكثر جذرية:
من العيش داخل القناعة،
إلى الوقوف أمامها،
والنظر إليها كما يُنظر إلى بناءٍ طالما سكنه الإنسان، ثم اكتشف فجأة أنه لم يسأله يومًا:
هل هذا البيت يشبهني حقًا؟
ما بعد 7 أكتوبر لم يكن لحظة صدمة عاطفية،
بل لحظة انكشاف بنيوي.
ليس لأن العالم تغيّر فجأة،
بل لأن التناقض بلغ درجة لم تعد تسمح بالتغطية اللغوية.
اللغة التي كانت تُخدّر،
فقدت قدرتها على التسكين.
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي دائمًا:
لا عند الصورة القاسية الأولى،
بل عند السؤال الهادئ الذي لا يطلب إجابة سريعة،
بل يفتح شرخًا في البناء كله:
كيف يمكن لمنظومة تُقدَّم بوصفها أخلاقية أن تُنتج هذا المقدار من العنف؟
كيف يمكن للسماء أن تُستدعى بلا تردّد، بينما تضيق الأرض بهذا الإنسان؟
هذا السؤال لا يُقال علنًا.
لا يُرفع شعارًا.
يُقال في الداخل،
في تلك المسافة الدقيقة بين الإنسان ونفسه،
حين يكتشف أنه لا يحتاج خصمًا خارجيًا كي يهتز،
بل يكفي أن يلتقي بذاته بلا حراسة،
بلا جمهور،
وبلا لغة جاهزة تحميه من الشك.
ما فعلته كامي بعد ذلك لم يكن تعاطفًا،
ولا انفعالًا عابرًا،
ولا رغبة في الانحياز إلى معسكر جديد.
فعلت ما يندر أن يفعله الإنسان لأن كلفته وجودية:
فتحت ملفًا كانت حياتها كلها مبنية على إبقائه مغلقًا.
بدأت القراءة.
لا قراءة الأحداث، بل قراءة الجذور.
قرأت تاريخ الصهيونية خارج النسخة المُقدَّسة التي تُدرَّس في الكنائس والخطاب السياسي،
وقرأت النكبة لا كواقعة منتهية،
بل كبنية تأسيسية مستمرة،
واقتربت من الشهادة الفلسطينية لا بوصفها “رواية أخرى”،
بل بوصفها مركزًا أخلاقيًا جرى إقصاؤه طويلًا.
في هذه اللحظة يتبدّى معنى العقل كما يجب أن يُفهم:
العقل ليس تراكُم معلومات،
ولا مهارة جدل،
ولا قدرة على الدفاع عن موقف.
العقل هو الجرأة على نطق جملة واحدة حين تصبح ضرورية:
ربما كنتُ مخطئة.
وهذه الجملة ليست سهلة.
لأن الخطأ هنا لا يخص فكرة معزولة،
بل يخص بيتًا كاملًا:
البيت الروحي،
الجماعة،
اللغة،
القصص التي بُني عليها الإحساس بالخير،
والطمأنينة التي كان يُطلق عليها اسم “إيمان”.
لهذا، التحوّل ليس حدثًا،
بل مسار مؤلم يشبه الاستيقاظ في منتصف الطريق،
والاكتشاف أن الاتجاه الذي بدا واضحًا لسنوات،
كان يقود بعيدًا عن الإنسان،
لا نحوه.
ومع القراءة، تغيّرت رؤية غزة.
لم تعد خبرًا،
ولا صراعًا متوازنًا،
ولا مساحة رمادية تسمح بتوزيع اللوم.
أصبحت واقعًا متصلًا لا يمكن تجزئته لغويًا،
ولا تخفيف ثقله بالمصطلحات.
هناك شيء يحدث في الوعي عندما تتكرر الكارثة بلا انقطاع:
إما أن يتحول الإنسان إلى معتادٍ بارد،
أو أن يتحول إلى قارئ جديد للعالم.
وكامي، في لحظة حاسمة، اختارت ألا تعتاد.
اختارت أن تتوقف.
والتوقف هنا ليس ضعفًا،
بل أعلى درجات الشجاعة.
لأن التوقف لا يعني مواجهة خصم،
بل مواجهة التاريخ الشخصي للقناعات،
والاعتراف بأن الاستمرار قد يكون خيانة أعمق من الانسحاب.
مع التوقف تبدأ عملية الفرز البطيئة:
التمييز بين الدين بوصفه بحثًا عن معنى،
والدين حين يتحول إلى تصريح ولاء.
بين الإيمان كمساءلة،
والإيمان كأداة طاعة.
ويظهر الفرق الجوهري بين اليهودية والصهيونية،
وبين نقد مشروع سياسي،
ومعاداة هوية دينية.
وهنا تتكشف لحظة التحوّل الكبرى:
حين تعجز الجملة عن أن تجمع بين القداسة والقتل،
بين الخلاص والإبادة،
بين الحق ومحو البشر.
وحين تفشل الجملة في حمل هذا التناقض،
لا تُعدَّل…
بل تسقط.
ومع سقوطها، تسقط السردية التي بُنيت عليها.
في هذا السياق، لا تبدو التحوّلات التي تلت غزة معزولة أو مفاجئة:
يهود يرفضون أن تُرتكب جريمة باسمهم،
مسيحيون يعيدون طرح سؤالهم الأول عن معنى الإيمان،
أكاديميون يكتشفون أن “الحياد” كان اسمًا آخر للخوف،
فنانون يغادرون منطقة الرماد بعدما صار الرماد نفسه موقفًا.
لكن ما يجمع هذه التحولات ليس تبدّل الموضة،
ولا ضغط الرأي العام،
بل قرار داخلي واحد:
إعادة العقل إلى موقعه الطبيعي،
فوق السردية، لا تحتها.
لهذا، يصبح تحوّل كامي نموذجًا يُحتذى به لا لأنه صحيح سياسيًا،
بل لأنه صادق إنسانيًا.
نموذج الإنسان القادر على التوقف قبل أن يتحول الخطأ إلى قدر،
وعلى مراجعة نفسه قبل أن يصبح الصمت جزءًا من آلة.
وحين تقول كامي:
«بحثي في تاريخ الصهيونية، ومشاهد غزة، أنهيا قناعاتي»
فهي لا تعلن تبدّل رأي،
بل تعلن استعادة ذات.
استعادة القدرة على أن تقول:
هذا الطريق لا يشبهني،
وهذا الإيمان لا يقود إلى الإنسان.
وهنا فقط يصبح الكلام ذا معنى:
أن يكتشف الإنسان خطأه
لا لكي يُدان،
بل لكي لا يُكمل مسارًا لم يعد قادرًا على الدفاع عنه أخلاقيًا.
شكرًا للعقل…
لأنه، حين تنهار الشعارات كلها،
يبقى آخر ما يمكن الاتكاء عليه.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24 كانون الثاني / يناير 2026