يحيى بركات - وهم المرحلية: حين يُدار الزمن بدل أن يُستعاد القرار

لم تأتِ فكرة “المرحلة” فجأة.
لم تُطرح كقفزة في المجهول،
ولا كحلّ استثنائي لظرف استثنائي.
جاءت بهدوء…
كجملة عابرة في حديث مطوّل،
كتاريخٍ مُقترح بلا مرجع،
كسقفٍ زمنيٍّ لا يعرف أحد من وضعه،
لكن الجميع طُلب منهم أن يتعاملوا معه كحقيقة.
عامان.
هكذا قيل.
عامان، بوصفهما موعدًا لعودة حكم قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية،
وكأن الزمن وحدة إدارية،
وكأن الكارثة تُقاس بالتقويم،
وكأن الاحتلال يعرف معنى المواعيد.
السؤال لا يُطرح بصوتٍ عالٍ، لكنه حاضر في الخلفية:
من قال عامين؟
وعلى أي أساس؟
وهل هذا التاريخ التزام سياسي مُلزِم،
أم تقدير إداري يُقال حين يغيب القرار؟
ليست المشكلة في الأمل.
المشكلة في الأمل حين يُستعمل بديلاً عن السياسة.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود،
وُقّعت اتفاقات مكتوبة،
ممهورة بتواقيع دولية،
ومؤطّرة بخرائط وجداول زمنية واضحة،
ولم تُنفَّذ.
لم تفشل لأنها غامضة،
بل لأنها افتقرت إلى حامل سياسي قادر على فرضها.
فكيف لتاريخٍ غير معلوم المصدر،
غير مرتبط باتفاق مُلزِم،
غير محمي بإرادة وطنية جامعة،
أن يصبح أساسًا لرؤية يُطلب من الناس أن يراهنوا عليها؟
هنا لا يعود السؤال: هل النية صادقة؟
بل: هل الرؤية مسؤولة؟
في قلب هذا الخطاب،
يتكرر مفهوم واحد بإصرار: الأمن.
تحسين الأمن.
بناء مؤسسة أمنية.
تعزيز الشرطة.
قوة دولية داعمة.
استتباب الأمن شرط الإعمار.
لغة تبدو، للوهلة الأولى، عقلانية.
لكنها تحمل سؤالًا مؤجلًا لا يُقال:
أمن مَن؟
أمن الناس؟
أم أمن الإدارة؟
أم أمن الترتيبات التي يُراد لها أن تستقر فوق الركام؟
حين تتحوّل غزة إلى “ملف أمني”،
ويُعاد تعريف الحياة اليومية بوصفها مسألة ضبط،
يتراجع السؤال السياسي خطوة إلى الخلف،
وتتقدّم الإدارة إلى الواجهة.
التجربة ليست بعيدة ولا غامضة.
في كل مرة قُدّم فيها “الأمن” شرطًا مسبقًا،
لم يكن الهدف حماية الناس،
بل جعل الواقع قابلًا للإدارة،
قابلًا للضبط،
قابلًا للتطويع.
الأمن، حين يُفصل عن التمثيل،
لا يصبح حماية،
بل أداة ترتيب.
والترتيب، في غياب القرار الوطني،
لا يحمي الأرض،
ولا يمنع التهجير،
ولا يوقف الاستيطان،
بل يجعل كل ذلك “منظمًا”.
ثم يأتي الحديث عن الإعمار.
بساطته مؤثرة:
سكن مؤقت.
غرفة بكرامة.
إغاثة.
تعافٍ اقتصادي.
كلمات إنسانية.
ضرورية.
ولا خلاف عليها.
لكن السؤال الصامت يعود من جديد:
إعمار تحت أي سقف؟
وبأي قرار؟
ومن يضمن أن الإعمار لا يتحوّل إلى بديل عن الحق؟
التجربة تقول إن الإعمار،
حين لا يمرّ عبر تمثيل سياسي شرعي،
يتحوّل من فعل إنقاذ
إلى أداة إعادة تشكيل.
لا يُنقذ المكان،
بل يُعاد تعريفه.
ولا يُثبّت الناس،
بل يُشجَّع “الانتقال المؤقت”
الذي لا ينتهي.
وحين يُربط الإعمار بالأمن،
ويُربط الأمن بلجان،
وتُدار اللجان خارج المرجعية الوطنية،
يصبح السؤال أكثر حدّة:
هل نحن أمام مشروع حياة؟
أم أمام إدارة ناجحة لكارثة مستمرة؟
في هذا المشهد كله،
لا تغيب السلطة.
قد تبقى.
قد تُفعَّل.
قد تُدار بكفاءة أعلى.
لكن السؤال الأخطر ليس عن بقاء السلطة،
بل عن السقف الذي تعمل تحته.
من يضع حدودها؟
من يحدّد وظيفتها؟
ومن يمنع تحوّلها إلى جهاز إدارة
في غياب حامل سياسي جامع؟
حين لا تكون هناك مرجعية منتخبة تمثل الشعب كله،
في الداخل والشتات،
لا تعود السلطة محكومة بإرادة وطنية،
بل بالفراغ الذي يُحيط بها.
والفراغ
هو البيئة المثالية لكل “مرحلية”،
ولكل “عامين”،
ولكل خطة تُبنى على حسن النوايا
لا على ميزان القوة.
وهنا بالضبط،
يتقاطع وعي الناس،
رغم اختلاف لغتهم ومواقعهم.
في الشارع،
في النخب،
في كوادر التنظيمات،
وفي البيوت التي لم تعد تنتظر خطابًا مطمئنًا،
يتردد السؤال نفسه:
من يملك القرار؟
ليس سؤالًا تنظيميًا،
ولا فصائليًا،
ولا أيديولوجيًا.
هو سؤال وجود.
لأن الإمارة
لا تصبح وطنًا
إن أدارها هذا الفصيل أو ذاك.
واللجنة
لا تكتسب شرعية
لأن أسماء أعضائها فلسطينية.
والأمن
لا يحمي الناس
إن لم يكن خاضعًا لإرادتهم.
حين يُباع الوطن ويُشترى،
وحين يُطرح التهجير بوصفه “مخرجًا إنسانيًا”،
وحين يُختزل الشعب إلى سكان بحاجة إلى إدارة،
تسقط كل الادعاءات الصغيرة.
ويبقى سؤال واحد فقط،
ثقيل،
ولا يقبل المراوغة:
هل نحن شعب يُمثَّل؟
أم ملف يُدار؟
انتهى زمن النبوءات.
وانتهى انتظار العلامات.
التاريخ،
وتجارب الشعوب،
وتجربة هذا الشعب بالذات،
لا تحتاج تفسيرًا إضافيًا.
كل مشروع
لا يستند إلى حامل سياسي منتخب،
جامع،
تحرري،
ديمقراطي،
يمثل الداخل والشتات،
هو مشروع قابل لأن يتحوّل
إلى إدارة بلا قضية.
وكل “مرحلة”
لا يحميها هذا الحامل،
ستطول…
إلى أن تصبح وضعًا دائمًا.
لهذا،
لم يعد الحامل السياسي خيارًا،
ولا بندًا مؤجلًا،
ولا تفصيلًا يمكن تجاوزه.
صار شرط البقاء.
ليس لأن الخطر كبير،
بل لأن الفراغ أكبر.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24 كانون الثاني / يناير 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى