ليس من قبيل المصادفة أن يبدأ الأستاذ مصطفى عبد الله كتابه "متون مضيئة في حضرة الكتب" بتعريف نفسه بوصفه "خادمًا للكتب". فهذه العبارة الافتتاحية، على بساطتها، تأتي كمفتاح تأويلي يضيء الكتاب كله. فاختيار لفظ "الخادم" ينطوي على موقف معرفي واضح، يتمثل في الانحياز للكتاب بوصفه قيمة تتقدّم على الأنا، وعلى سلطة الاسم. وفي زمن صار فيه المثقف مطالبًا بأن يكون حاضرًا في كل مشهد، ومعلّقًا على كل حدث، يأتي هذا التعريف الذاتي ليقلب المعادلة، لا يهيمن على النص، ولا يدّعي امتلاك المعنى، بل يقدّم شروط الوصول إليه.
ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن سيرة صاحبه، فهو كاتب مارس الصحافة الثقافية بوصفها رسالة تنويرية، قضى نصف قرن تقريبًا من العمل في الصحافة الأدبية، من «آخر ساعة» إلى «الأخبار» إلى «أخبار الأدب»، ومن الاحتكاك اليومي بدور النشر، والمطابع، والكتاب، والمحررين، مما جعل منه شاهدًا على تحولات عميقة في صناعة النشر، وفي علاقة الكاتب بالناشر، وفي موقع الكتاب داخل المجتمع، وفي ذائقة القارئ العربي نفسه. لذلك فإن كل عرض كتاب، يعبر عن وعي متراكم، وعلى إحساس بالمسؤولية تجاه القارئ.
المتن في مواجهة زمن الهوامش
يحمل عنوان الكتاب «متون مضيئة في حضرة الكتب» كثافة دلالية لافتة، فالمتن، هو النص الأصل، جسد المعرفة، في مقابل الشرح والحاشية والهامش. واختيار هذا اللفظ تحديدًا هو إعلان انحياز واضح إلى جوهر الكتاب، أما «الإضاءة»، فتأتي باعتبارها كشفًا جزئيًا، ولمسة دالّة، ونافذة تُفتح على النص. هكذا، لا يقدّم الكتاب نفسه بديلًا عن القراءة، بل عتبة لها؛ وهنا تكمن قوة العنوان، حيث لا يكتفي بوصف المحتوى، ولكن يعلن منذ البداية انحياز الكتاب إلى القراءة العميقة.
وليس من السهل تصنيف هذا الكتاب، هل هو كتاب عروض كتب؟ أم سيرة قراءة؟ أم شهادة صحفي ثقافي مارس المهنة لمدة نصف قرن؟ والحقيقة أنه يجمع كل ذلك دون افتعال، فلا يكتفي بتقديم كتب يراها جديرة بالقراءة، بل يناقش – ضمنيًا – تحولات علاقتنا بالكتاب، وبالقراءة، وبالمعرفة ذاتها.
بنية فسيفسائية
ينطلق الكتاب من تشخيص جريء خلاصته أننا في مواجهة جيل لم يهجر القراءة لأنه لم يُخاطَب بالطريقة الصحيحة، فالخطاب الثقافي السائد – كما يراه المؤلف – إما متعالٍ، أو أكاديمي جاف، أو دعوي مباشر، وكلها خطابات فشلت في منافسة العالم الرقمي لأنها لم تطور أدواتها.
ويبني المؤلف كتابه على منطق الفسيفساء، سير ذاتية، اعترافات، نقد أدبي، دراسات لغوية، رحلات، حوارات، وأعمال إبداعية، وكل هذا التنوع يجمع بينه زاوية الرؤية، أو وجهة النظر إلى هذه الكتب، و كيف كتب مؤلفوها أنفسهم وعوالمهم من خلالها؟ وكيف يمكن لقراءتها اليوم أن تعيد ترتيب وعينا؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف كتبًا تركت أثرًا، والتي ما تزال قادرة على مساءلة القارئ، وعلى إضاءة لحظته الراهنة.
شجاعة البوح
من أبرز أقسام الكتاب ذلك المتعلق بالسير الذاتية والاعترافات، حيث يتوقف المؤلف مطولًا أمام نماذج مثل لوتس عبد الكريم، وجلال أمين، وغيرهما، وهو يقرأ هذه السير بوصفها نصوصًا معرفية، تكشف بنية المجتمع، والعلاقات الأسرية، وصورة السلطة الأبوية، وتحولات الوعي الطبقي، وعلاقة المثقف بذاته، فمثلا في قراءته لسيرة لوتس عبد الكريم، يتوقف عند المفارقة المؤلمة، كيف يمكن لبيئة ثقافية راقية أن تنتج قسوة أبوية مدمرة؟ وكيف يتحول الصمت الاجتماعي إلى شريك في العنف؟ وكيف يصبح البوح – بعد سنوات – فعل مقاومة متأخر لكنه ضروري؟
أما عند جلال أمين، فتتحول السيرة إلى سؤال أخلاقي ما حدود ما يجوز كشفه؟ هل يملك الابن حق نشر مذكرات الأب؟ أين تقف الحقيقة؟ وأين تبدأ الخيانة؟ ومن هنا تأتي حساسية الكاتب في التعامل مع هذا النوع من الكتب، حيث يوازن بين حق المعرفة وحرمة الحياة الخاصة، مع الحرص الشديد على تجنب إطلاق أحكام نهائية.
وفي تناوله لكتب النقد والدراسات الأدبية، فهو يكتب عن النقد بوصفه فعل قراءة ثانية، ويعلن انحيازه الواضح إلى النقد الذي يضيء النص، ويفتح أفق القراءة، ويعلن احترامه العميق للكتاب بوصفه نتاج جهد إنساني. مما يؤكد تعريف الكاتب لنفسه بوصفه «خادمًا للكتب»، وليس قاضيًا يحكم عليها.
الكتب سير ذاتية مقنّعة
يكتشف القارئ أن هذا الكتاب، بمثابة سيرة ذاتية غير مباشرة، سيرة قارئ، وصحفي ثقافي عاش بين المطابع والناشرين، وآمن بأن الكتاب ليس سلعة، ورفض – في ممارسته المهنية – أن يُعامل كذلك، إنه كتاب عن علاقة طويلة بالقراءة، وعن وفاء للكتاب في زمن تغيّرت فيه القيم، وتبدّلت فيه أولويات النشر، وتراجعت فيه الوساطة الثقافية الحقيقية. من هنا تأتي نبرة الحنين إلى زمن كان فيه الكتاب حدثًا، بينما صار الآن مجرد "بوست".
وأخيرا فإن «متون مضيئة في حضرة الكتب» ينجح في تذكير القارئ بأن القراءة ما تزال ممكنة، وأن الكتاب ما يزال قادرًا على أن يكون حدثًا، إذا وجد من يخدمه بإخلاص، ويدرك تماما قيمة أن نكون قرّاء في زمن متعجّل.
ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن سيرة صاحبه، فهو كاتب مارس الصحافة الثقافية بوصفها رسالة تنويرية، قضى نصف قرن تقريبًا من العمل في الصحافة الأدبية، من «آخر ساعة» إلى «الأخبار» إلى «أخبار الأدب»، ومن الاحتكاك اليومي بدور النشر، والمطابع، والكتاب، والمحررين، مما جعل منه شاهدًا على تحولات عميقة في صناعة النشر، وفي علاقة الكاتب بالناشر، وفي موقع الكتاب داخل المجتمع، وفي ذائقة القارئ العربي نفسه. لذلك فإن كل عرض كتاب، يعبر عن وعي متراكم، وعلى إحساس بالمسؤولية تجاه القارئ.
المتن في مواجهة زمن الهوامش
يحمل عنوان الكتاب «متون مضيئة في حضرة الكتب» كثافة دلالية لافتة، فالمتن، هو النص الأصل، جسد المعرفة، في مقابل الشرح والحاشية والهامش. واختيار هذا اللفظ تحديدًا هو إعلان انحياز واضح إلى جوهر الكتاب، أما «الإضاءة»، فتأتي باعتبارها كشفًا جزئيًا، ولمسة دالّة، ونافذة تُفتح على النص. هكذا، لا يقدّم الكتاب نفسه بديلًا عن القراءة، بل عتبة لها؛ وهنا تكمن قوة العنوان، حيث لا يكتفي بوصف المحتوى، ولكن يعلن منذ البداية انحياز الكتاب إلى القراءة العميقة.
وليس من السهل تصنيف هذا الكتاب، هل هو كتاب عروض كتب؟ أم سيرة قراءة؟ أم شهادة صحفي ثقافي مارس المهنة لمدة نصف قرن؟ والحقيقة أنه يجمع كل ذلك دون افتعال، فلا يكتفي بتقديم كتب يراها جديرة بالقراءة، بل يناقش – ضمنيًا – تحولات علاقتنا بالكتاب، وبالقراءة، وبالمعرفة ذاتها.
بنية فسيفسائية
ينطلق الكتاب من تشخيص جريء خلاصته أننا في مواجهة جيل لم يهجر القراءة لأنه لم يُخاطَب بالطريقة الصحيحة، فالخطاب الثقافي السائد – كما يراه المؤلف – إما متعالٍ، أو أكاديمي جاف، أو دعوي مباشر، وكلها خطابات فشلت في منافسة العالم الرقمي لأنها لم تطور أدواتها.
ويبني المؤلف كتابه على منطق الفسيفساء، سير ذاتية، اعترافات، نقد أدبي، دراسات لغوية، رحلات، حوارات، وأعمال إبداعية، وكل هذا التنوع يجمع بينه زاوية الرؤية، أو وجهة النظر إلى هذه الكتب، و كيف كتب مؤلفوها أنفسهم وعوالمهم من خلالها؟ وكيف يمكن لقراءتها اليوم أن تعيد ترتيب وعينا؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف كتبًا تركت أثرًا، والتي ما تزال قادرة على مساءلة القارئ، وعلى إضاءة لحظته الراهنة.
شجاعة البوح
من أبرز أقسام الكتاب ذلك المتعلق بالسير الذاتية والاعترافات، حيث يتوقف المؤلف مطولًا أمام نماذج مثل لوتس عبد الكريم، وجلال أمين، وغيرهما، وهو يقرأ هذه السير بوصفها نصوصًا معرفية، تكشف بنية المجتمع، والعلاقات الأسرية، وصورة السلطة الأبوية، وتحولات الوعي الطبقي، وعلاقة المثقف بذاته، فمثلا في قراءته لسيرة لوتس عبد الكريم، يتوقف عند المفارقة المؤلمة، كيف يمكن لبيئة ثقافية راقية أن تنتج قسوة أبوية مدمرة؟ وكيف يتحول الصمت الاجتماعي إلى شريك في العنف؟ وكيف يصبح البوح – بعد سنوات – فعل مقاومة متأخر لكنه ضروري؟
أما عند جلال أمين، فتتحول السيرة إلى سؤال أخلاقي ما حدود ما يجوز كشفه؟ هل يملك الابن حق نشر مذكرات الأب؟ أين تقف الحقيقة؟ وأين تبدأ الخيانة؟ ومن هنا تأتي حساسية الكاتب في التعامل مع هذا النوع من الكتب، حيث يوازن بين حق المعرفة وحرمة الحياة الخاصة، مع الحرص الشديد على تجنب إطلاق أحكام نهائية.
وفي تناوله لكتب النقد والدراسات الأدبية، فهو يكتب عن النقد بوصفه فعل قراءة ثانية، ويعلن انحيازه الواضح إلى النقد الذي يضيء النص، ويفتح أفق القراءة، ويعلن احترامه العميق للكتاب بوصفه نتاج جهد إنساني. مما يؤكد تعريف الكاتب لنفسه بوصفه «خادمًا للكتب»، وليس قاضيًا يحكم عليها.
الكتب سير ذاتية مقنّعة
يكتشف القارئ أن هذا الكتاب، بمثابة سيرة ذاتية غير مباشرة، سيرة قارئ، وصحفي ثقافي عاش بين المطابع والناشرين، وآمن بأن الكتاب ليس سلعة، ورفض – في ممارسته المهنية – أن يُعامل كذلك، إنه كتاب عن علاقة طويلة بالقراءة، وعن وفاء للكتاب في زمن تغيّرت فيه القيم، وتبدّلت فيه أولويات النشر، وتراجعت فيه الوساطة الثقافية الحقيقية. من هنا تأتي نبرة الحنين إلى زمن كان فيه الكتاب حدثًا، بينما صار الآن مجرد "بوست".
وأخيرا فإن «متون مضيئة في حضرة الكتب» ينجح في تذكير القارئ بأن القراءة ما تزال ممكنة، وأن الكتاب ما يزال قادرًا على أن يكون حدثًا، إذا وجد من يخدمه بإخلاص، ويدرك تماما قيمة أن نكون قرّاء في زمن متعجّل.