العقيد بن دحو - المفاتبح الفكرية للولوج للثقافة الإفريقية

لا يمكن بأي حال من الأحوال أيجاد مدخل حضاري للثقافة الإفريقية ، لاسيما الشرقية منها و الغربية إلا من خلال الثراث الإنساني المسترك و الأدب المقارن و النقد الثقافي و نقد النقد و الحوار الحضاري ز المثاقفة.
غير ذاك الثراث الذي جعل منه المستعمر الأوروبي أو كما سماه المستشرق الفرنسي روجي غارودي أو / (رجاء غارودي) " بالشر الأبيض" ، أي من خلال نسب كل شيء جميل أنساني افريقي الى (الفلكلور) Folklorisme !
أو كما أراده المستعمر الغربي أن يحول قارة بأكملها الى أن توفر الرفاه و التسلية و اللهو و المجون و أشياء أخرى....!
لا يمكن الولوج الى الثقافة الإفريقية من خلال القوافل التجارية او من خلال الرحالة العرب من بدو و حضر.
و انما من خلال فكرتين أساسيتين :
- الفكرة الأولى /
"كلما توفي عجوز افريقي تحترق وراءه مكتبة".
في اشارة الى المتوارث عليه أبا عن جد . إشارة الى التلقين و الحفظ غيبا فالحصارة قامت على ترويض و مراس كل ما كانت تلتفطه الأسماع كابرا عن كابر...
وهكذا....حتى اذا اذا ما تعلق الشعب بشيء صار قانونا . أين نلمس ذاك الإرث الإنساني المشترك على مستوى المخيال الجمعي المؤسس في اللاوعي ، بين الحضارتين الإغريقية و الإفريقية ، لاسيما عندما انتصر الإله الأعظم سيد النظام (زيوس) بن الزمن كرونوس ، على آلهة (الشر) التيتانوس. فأراد بدوره أن يتودد للبشر فأقترب منهم ، و شاركهم حُكم الأرض كما ورد في أسطورة "أنساب الآلهة" (الثيوغونيا ) Theogonie سواء عند الشاعر الملحمي هوميروس الأوروستقراطي أو عند الشاعر الملحمي الديمقراطي هزيود.
لهذا سوف ترى مكانة شيخ القبيلة بارزة بمهابة و توظيد أواصر النسيج الإجتماعي الإغريقي ، أمتاز هذا الشيخ بما امتاز به الإله.
لهذا الذهنية الإغريقية قدسّت و عظّمت و جلّت الإنسان و أعتبرته محور مركز ثقل الكون ، كما جاءنا ووصلتنا الأداب و الفنون و الافكار الإغريقية بهذه الروعة و الجمال ، حتى اذا ما تعلق الشعب بشيء صار قانونا.
و لأن لم تعد ثمة معجزة اغريقية ، لم تعد ثمة معجزة افريقية.
اذ التقليدين الإفريقي و الإغريقي ظلا حبيسين الأدمغة.
ظلت النظرية سائدة حتى أواخر القرن الثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر ، حتى أصبح يذكرنا (مالرو) بالحفظ غيبا ليس حلا ،
Mèmoriser n'est pas la solution انما جاء بنظرية : " رأس كامل الإمتلاء في رأس كامل الإعداد" !
Tête bien faite , tête bien pleine
ادحضت و أبطلت التقليدين معا ، التقليد الإغريقي و التقليد الأفريقي التي كانت تعتمد غلى العجائيية و الفانتازية اكثر منها واقعية ، من يوم ان كاتت الذاكرة البشرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالذاكرة الحيوانية. فإذا أنتصر الحيوان صار هو الإله و اذا أنتصر صار هو الإله ، لهذا جاءت صورة السفانكس أو المونيتور أو أبا الهول لاهو بالحيوان المطلق و لا الإنسان المطلق ؛ انما في صورة جسد حيوان يعلوه رأس أنسان ، أي خرافة أو أسطورة ، نفس جماعية ، حتى اذا ما تحدثت ، تتحدث بألف صوت ، لغة تتغذى على المجاز أو الإستعارة بما يغني اللغة الشعرية.
اذن عندما يخبرنا الحكيم الإفريقي المالي (هامباته أمبا) Amadou Hampâte Bâ
خلال مداخلة له في هيئة اليونسكو المنظمة العالمية للثقافة و العلوم UNESCO بباريس فرنسا سنة 1960 بنص العبارة أعلاه الناطقة بالفرنسية:
"En Afrique , quand un vrilliard meurt , cest une bibliothèque qui brule "
بمعنى اذا ما توفي عجوز افريقي فإنه لا يموت بيولوجيا فحسب ، و انما يجر وراءه الى العالم الآخر عدة قيّم أخرى جميلة : تجارب انسانية خلاقة ...عادات و تقاليد...اهازيج شعبية...و عدة مهارات اخرى مادية و اللامادية لا تقدر بثمن.
لهذه الأسباب الضائعة جاءت فكرة أخرى تقول : " مُت و أنت فارغا" !
Mourez vide / Die Empty تعود الى الكاتب المغكر الامريكي (تود هنري) Tood Henry هي دعوة ليترك الإنسان أثرا يخلد ذكره بعد أن يرحل الى عالم لا يؤوب منه مسافر ، أين يترك شيئا للإنسانية يكمل مسيرته الحياتية بعدها ، لفظا أو لحظا أو اشارة ، تلك التي كان قد سبق و ألتقطها في مجرى الزمن - نفي اللحظة - فيخطها على الورق كتابة أو وفق رؤية الألوان اوحة زبتية تسر الناظرين و تسحر الألباب و القلوب ، أو وفق رؤى الحجوم نقشا أو نحثا يهز و يدهش الخلق من ديباجة الرتابة الستاتيكية ، أو وفق الإنطباعات المعاشة رواية تحمل مجتمعا بأكمله بين دفتي كتاب ، يراجعونها الناس فيما يتعلق بحياتهم اليومية تفكيرا و تغييرا...
- الفكرة الثانية /
"انه يمسك بالحياة و يعيد توزيعها حسب قاعدة الغناء و عدالة الرقص".
"Il saisit la vie et la redistribue
Selon la règle de l'effort et la justice de la danse " تعود هذه الحكمة الى الحكيم الإفريقي (إميه سيزاري) Aimè Cesaire الشاعر الحكيم الإفريقي ذو الأصول المارتينيكية ، مؤسس حركة (الزنوج) Nègritude من ثلاثينيات القرن الماضي 1939 مع شلة من زملائه و جيله الثوري السياسي الأدبي الفني مثل الشاعر الرئيس السينغالي سيدار سنغور و ليون و غيرهم.....
كل ما في الامر عندما يرقص الإفريقي أو يغني أو يرسم أو يكتب الزنجي يكون ( الجد) أو (الأب) هو من يرقص ، من يغني ، من يرسم ، من ينحث ، من يكتب.
هو نفسه شيخ القبيلة عند الإغريق هو من يفعل كل ذلك ، و يقوم بجميع هذه الرؤى الخلاقة ، بل هو المجتمع و من حيث اللغة الفنية هي الأسلوب و الأسلوب هو الرجل كما يقول (BUFfon).
امتاز كما هو عند الاغارقة شيخ القبيلة و بما امتاز به الإله : " صوت الشعب من صوت الإله"/(يانك) Veix populei ex veix dei.
La voie du peuple est la voie de dieu
غير أن رقص و اهازيج و ترانيم و ترديدات الافارقة يشبه التعازيم ، و الطقوس الدينية التي اؤجى بالمعابد و الاعياد الدينية ، تؤديها جماعة الراقصين ، يشبهون (الجوقة) أو (الكورس) بالتراديديات الدرامااية و الملاحم الكبرى الكلاسيكية الهوميرية الصوفوكلية. يتبعون رئيس الكورس في حركاته في اناشيده ، أنهم يمسكون بالحياة ، و يدورون في حلقات جماعية ، يمسكون بالحياة ، حرية و مساواة ، و عدالة و خبزا ، غير أنانيين ، و لا حسدة مردة ، يوزعونها على الناس أجمعين فقراء و اغنياء ، سفلية و علية:
حسب ماذا يتم التوزيع !؟
حسب :
الجواب :
1- حسب قاعدة الغناء أي قانون الغناء. عندما يصير الغناء تشريعا من لا شربعة له.
2- حسب عدالة الرقص أي محكمة الرقص سلطة قضائية من فقد العدل في البشر على طاولات المحاكم و بكل ما يميزها من آليات و ميكانيزمات بشرية مالية مادية.
ومن هنا يعود الى اهم سؤال يطرحه الأثر الكلاسيكي الإغريقي في تساؤلين :
1- هل الجريمة تفيد !؟
2- لا ينبغي أن يكون (القانون) مناهضا (للعدالة) !
معنى الفن و الجمال عند الافارقة كما هو عند الأغارقة لا يقوم على قوى الإبداع الصرف ، انما يقوم على اهم ركائز الحضارة الديمقراطية ايضا حرية و مساواة و عدالة. حرية عندما تكون
علاقة الفرد في المجوعة هي في أساسها حريته ، أما علاقته مع الأفراد الآخرين فهي أساسها مساواة. و لو ان هذين الفكرتان سياسيتان تتأثران بعنل و طبيعة الحكومة إلا أنهما فكرتان ثقافيتان فنيتان أيضا.
هذه المحكمة / أو العدالة و القوانين ، مهمة جدا في بناء ما يسمى " العدالة الشعرية" JUStice poètiqUE و هي فكرة تعود الى الناقد الإنجليزي (توماس رايمر) Tomas Rimer سنة 1678.
وهي ضرورة أن يمتاز للأدب و الفن و الفكر بما تمتاز به مُثُل و نُبل العدالة الإنسانية ، ضد قوى الظلم و الطغيان و الإستبداد و الهيمنة ، و الإستعباد البشري.
تماما ما طبقته معظم الحركات التحررية الإفريقية ، لا سيما ضد التمييز العنصري (الأبارتيد) بجنوب افريقيا ، حين قاوم السود السكان الأصليين البيض المستعمر المستعبد ، بالرقص و الغناء (القاعدة و الغناء).
أين نجد أهم هذين المبدأين في أشعار سيدار سانغور ، و في خطابات (لوثر كينغ) و في خطابات (مانديلا)....
حتى ذهب احد النقاد الى أن عندما يعجب قارئا بكتاب و يقرأه (نون) / من المرات ؛ ليس لأن الكاتب جيد ، و انما يعود الى عدالة النص و قوة قوانين الكلمات التي حققت العدالة الشعرية و اجابت بالنهاية عن السؤال التقليدي : هل الجريمة تفيد!؟
هي ما نلمسها عندما اندحر التمييز العنصري و انطفأت جذوة (الشر الأبيض) كما قال المفكر المستشرق الفرنسي (روجي غارودي) أو كما صار يسمى (رجاء غارودي) بعد اشهار اسلامه.
عموما الفنون و الأداب و الأفكار تقوم "النسبة و التناسب" كما يقول (ستانسلافسكي).
و على قضاة الروح كما قال (اسطالين).
3- القناع /
القناع Le masque / Prospon عمد الإغريق . إلا عند الأفارقة ثري جدا و خصب يختلف عنه القناع الأغريقي.
القناع الأفريقي يحتوي طاقة تكثيف ، فدرة أشعاعية ، يمثل اسقاط أللامرئي على المرئي ، قوة لستحضار الجد الغائب عن الحفيد الحاضر ، صورة الاجداد و الأباء على الأحفاد.
و كما كانت الإغريق في حاجة الى الأساطير ، الإله النصف الإله و البطل ، كانت الافارقة في حاجة الى هذا الإستحضار عن طريق لعبة القناع ، من حيث الخرافة ميراث الفنون كما يقول (نيكولاس فريده).
بينما كان القناع الأغريقي يؤدي وظيفة ميكانيكية ، عمل الميكروفون حاليا ، من اجل تكبير و رفع صوت الممثلين.
القناع عند الأفارقة يؤدي دورا حيويا ، دينيا أكثر منه دنيوية.
القناع واسطة بين الحياة و الآخرة. كفيل أن يعيد الفقيد الى مسرح الحياة. ليست كما هي في دور أشباح وليام تشكسبير من أجل الكشف عن الحقيقة المتوارية ؛ بل لأن القناع ذاته الحقيقة ، و ظيفة استرجاعية من خلاله يتم مراجعة و أسقاط أيصا Projection.
اذن الولوج الى الثقافة الإفريقية الحديثة لم يعد بتلك المقايضة التجارية الإقتصادية التقليدية بين دول افربقية الساحل و الصحراء ، أين يذوب الإستغلال التجاري الإقتصادي في الإستغلال الفني التقني الأدبي ، و أين تؤثر الجغرافيا في السياسة و الثقافة ، انما صارت المفاتيح مفاتيح افكار بالمقام الأول..افريقيا تغيرت كثيرا ثقافيا صار فيها الشاعر رئيس دولة مع سيزار سانغور الرئيس السينغالي ، و افريقيا صار فيها الكاتب الاديب وزيرا و برلمانيا و دبلوماسيا و المفكر رجل دولة.
صحوة مرتدة للدول الصحراء و الساحل املتها املاءات التكتلات العالمية و العولمة و الإستفادة من ثورة المعلومات و الإستغلال العقلاني للثروات التحتية و الفوقية و الاهتمام بالإنسان أولا. انعكس جليا على مختلف القيم ، و رغم بعض التوترات و الهزات السياسية التي تشهدها من حين الى آخر بعض البلدان الإفربقية ، إلا أنها عرفت أخيرا كيف تعود للمحلية لتنطلق صوب العالمية في زمن العولمة.
المشكلة ليست افريقيا ، انما الإشكال ان منا لا ندرك بعد أن العملاق المارد الإفريقي قام من قمقمه مجددا عبر أرث أجداده ، يعيد من جديد تشكل و بناء الإنسان و بيئته و الحيوان وقوقعته ، و التقدم و اجهزته ، و الذكاء الإصطناعي مكملا لا ملغيا للذكاء البشري. تماما كضرورة الشبيه للتاريخ بالنسبة للتاريخ لبناء حضارة كما يقول (مالرو).
أو العمل على (مؤارخة) الأسطورة و احالة الأسطورة الى تاريخ كما يقول (سبينسر)..و ما أشدها عجائبية افريقية عندما تعيد مجددا تستنطق الطبيعة البحر ، الجبل ، الغابة ، السماء ، الأرض ؟ الإنسان ، الخيوان قوى غيبية ، من ثمة تعيد وجهة نظر المفكرين في الحضارة الأفريقية ، ليست تلك وجهة النظر التي أراد تن يصدرها المستعمر القديم لأجيال العصر ااذي لا يزال يرى في افريقيا حقه التاريخي و مجاله الحيوي و أن الزنوج اهل طرب و حماقة !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى