سؤال الكتابة - حول سؤال لمن نكتب؟

طرح كاتبُ ياسين إشكاليّةَ الكتابة بلغةٍ أجنبيّة لا يستطيع قراءتها أبناءُ البلد، بعد نجاح رواية «نجمة» لدى النخبة الأدبيّة الفرنسيّة، لكنّه برّر ذلك بقولته الشهيرة: «أكتب بالفرنسيّة لأقول للفرنسيّين إنني لستُ فرنسيًّا»، وأيضًا لأنّه كان بحاجة إلى التعبير عن مجتمعه الذي لم يكن الفرنسيّون يكتبون عنه في الوقت نفسه، أو بالأحرى لم يكونوا يكتبون عن الجزائر التي يعرفها هو، بل عن الجزائر التي يعيشون فيها هم فقط.
غير أنّ سؤال القراءة طُرح لاحقًا، بعد استقلال الجزائر: هل يستمرّ الكاتب في الكتابة بالفرنسيّة للفرنسيّين ولنخبة جزائريّة قليلة العدد، في حين لا يستطيع الشعب الجزائري قراءته، ما دامت الكتابة موجّهة إليه بالدرجة الأولى؟ اختار كاتب ياسين حينها الانتقال إلى الكتابة المسرحيّة بالعاميّة الجزائريّة، على عكس مالك حدّاد الذي اتّخذ موقفًا أكثر حسمًا: لن أستمرّ في الكتابة بالفرنسيّة. ومثلما كان لمولود معمري موقفٌ مماثل، إذ توقّف هو الآخر عن الكتابة، وقرّر التفرّغ للبحث في الأنثروبولوجيا الثقافيّة واللغة الأمازيغيّة.
هنا نشعر أنّ الكتابة كانت لها آنذاك مواقفُ منحازة للشعب، وللواقع، وللوطن وهمومه وتطلّعاته، ولم تكن منفصلة عنه؛ أي إنّ الكتابة كانت مطروحة في سياق وعيٍ ثقافيّ لدى الكاتب الجزائري بمجتمعه. غير أنّ هذه النظرة تغيّرت مع الوقت، وصارت الكتابة شبه منفصلة؛ فإذا قرأني الفرنسيّون فهذا أفضل لي، ويجلب لي منفعةً أكبر من أهل بلدي، وهو ما صرّح به كمال داود، حين قال إنّ الفرنسيّة تستطيع أن تمنحه الشهرة، على عكس العربيّة.
أي إنّ الكاتب انتقل من التفكير في مجتمعه إلى التفكير في مصلحته. وهذا الطريق يعني، ببساطة، طرح السؤال التالي: ما الذي يرضي الفرنسيّين حتّى أكتب عنه؟ هل يرضيهم لو كتبتُ عن جرائمهم الاستعماريّة؟ طبعًا لا، فهذا سيغلق أبواب الشهرة والنجوميّة من البداية. لذلك كان الحلّ الأسهل هو عكس ما كتبت عنه الأجيال الأولى من الكتّاب الجزائريّين: القطيعة مع الوطنيّة، والإعلاء من شأن المستعمِر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى