وقف الحرب على غزة ورفض التهجير… موقف عربي في لحظة مفصلية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد غير مسبوق في الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، جاء التأكيد المشترك للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني على ضرورة الوقف الكامل للحرب والرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين، ليحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، ويعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر المرحلة على القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي برمته.
أولاً: دلالة التوقيت… حين يصبح الصمت تواطؤاً
لا يمكن قراءة هذا الموقف بمعزل عن المشهد العام للحرب على غزة، حيث بات واضحاً أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطاً بأهداف أمنية معلنة، بقدر ما أصبح أداة لإعادة هندسة الواقع السياسي والديموغرافي الفلسطيني. فحجم الدمار، واتساع رقعة الاستهداف، والانهيار شبه الكامل للمنظومة الإنسانية، كلها مؤشرات على أن الحرب تجاوزت حدود “الردع” إلى سياسة كسر إرادة جماعية.
من هنا، فإن تأكيد القاهرة وعمّان على الوقف الكامل للحرب يمثل رسالة سياسية مباشرة بأن استمرار النزاع لم يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، وللنظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثانياً: رفض التهجير… خط أحمر قانوني وسياسي
يشكل الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين جوهر هذا الموقف المشترك، ليس فقط من زاوية التضامن السياسي، بل من منظور قانوني صارم. فالتهجير القسري، سواء من قطاع غزة أو من الضفة الغربية، يُعد جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف الرابعة، وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
والأخطر من ذلك، أن التهجير لا يُقوّض فقط الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين، بل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ذاتها، عبر فرض وقائع ديموغرافية جديدة تمهّد لإغلاق ملف حق العودة، وتقويض أي إمكانية حقيقية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
إن موقف مصر والأردن في هذا السياق يعكس وعياً بأن القبول الضمني أو الصمت إزاء مشاريع التهجير يعني نقل الأزمة من غزة إلى الإقليم، وتحويلها إلى صراع مفتوح مع تداعيات أمنية وسياسية لا يمكن احتواؤها.
ثالثاً: ما بين الأمن القومي وحماية القضية الفلسطينية
لا ينفصل الموقف المصري الأردني عن اعتبارات الأمن القومي لكلا البلدين. فمصر، التي تتحمل عبئاً إنسانياً وسياسياً على حدودها مع قطاع غزة، تدرك أن أي سيناريو للتهجير يمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي ولدورها الإقليمي. والأردن، الذي يستضيف ملايين اللاجئين الفلسطينيين، يرى في مشاريع التهجير محاولة لإعادة إنتاج “الوطن البديل” بصيغة جديدة.
لكن الأهم، أن هذا الموقف يضع القضية الفلسطينية في قلب معادلة الأمن الإقليمي، ويؤكد أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر القوة العسكرية أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال معالجة جذر الصراع: الاحتلال وغياب العدالة.
رابعاً: مسؤولية المجتمع الدولي… اختبار المصداقية
في ظل هذا المشهد، تبدو مسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن والقوى الكبرى، مسؤولية أخلاقية وقانونية قبل أن تكون سياسية. فالاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلها، والتعامل مع الحرب كحدث عابر، يضرب مصداقية النظام الدولي، ويعزز منطق الإفلات من العقاب.
إن الدعوة إلى وقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ليست مطالب إنسانية فحسب، بل التزامات قانونية نصت عليها قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، والتي لا يجوز إخضاعها لموازين القوة أو الحسابات السياسية الضيقة.
خامساً: رسالة إلى المستقبل
يحمل الموقف المشترك للرئيس السيسي والملك عبد الله الثاني رسالة واضحة:
لا سلام بلا وقف للحرب، ولا استقرار مع التهجير، ولا مستقبل للمنطقة دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يقوم على إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
في لحظة يتراجع فيها صوت العدالة، ويعلو فيها منطق القوة، يعيد هذا الموقف التذكير بأن الشرعية الدولية ليست خياراً انتقائياً، وأن القضية الفلسطينية ستبقى معياراً أخلاقياً وسياسياً لاختبار صدقية العالم في الدفاع عن القانون والإنسان.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد غير مسبوق في الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، جاء التأكيد المشترك للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني على ضرورة الوقف الكامل للحرب والرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين، ليحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، ويعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر المرحلة على القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي برمته.
أولاً: دلالة التوقيت… حين يصبح الصمت تواطؤاً
لا يمكن قراءة هذا الموقف بمعزل عن المشهد العام للحرب على غزة، حيث بات واضحاً أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطاً بأهداف أمنية معلنة، بقدر ما أصبح أداة لإعادة هندسة الواقع السياسي والديموغرافي الفلسطيني. فحجم الدمار، واتساع رقعة الاستهداف، والانهيار شبه الكامل للمنظومة الإنسانية، كلها مؤشرات على أن الحرب تجاوزت حدود “الردع” إلى سياسة كسر إرادة جماعية.
من هنا، فإن تأكيد القاهرة وعمّان على الوقف الكامل للحرب يمثل رسالة سياسية مباشرة بأن استمرار النزاع لم يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، وللنظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثانياً: رفض التهجير… خط أحمر قانوني وسياسي
يشكل الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين جوهر هذا الموقف المشترك، ليس فقط من زاوية التضامن السياسي، بل من منظور قانوني صارم. فالتهجير القسري، سواء من قطاع غزة أو من الضفة الغربية، يُعد جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف الرابعة، وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
والأخطر من ذلك، أن التهجير لا يُقوّض فقط الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين، بل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ذاتها، عبر فرض وقائع ديموغرافية جديدة تمهّد لإغلاق ملف حق العودة، وتقويض أي إمكانية حقيقية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
إن موقف مصر والأردن في هذا السياق يعكس وعياً بأن القبول الضمني أو الصمت إزاء مشاريع التهجير يعني نقل الأزمة من غزة إلى الإقليم، وتحويلها إلى صراع مفتوح مع تداعيات أمنية وسياسية لا يمكن احتواؤها.
ثالثاً: ما بين الأمن القومي وحماية القضية الفلسطينية
لا ينفصل الموقف المصري الأردني عن اعتبارات الأمن القومي لكلا البلدين. فمصر، التي تتحمل عبئاً إنسانياً وسياسياً على حدودها مع قطاع غزة، تدرك أن أي سيناريو للتهجير يمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي ولدورها الإقليمي. والأردن، الذي يستضيف ملايين اللاجئين الفلسطينيين، يرى في مشاريع التهجير محاولة لإعادة إنتاج “الوطن البديل” بصيغة جديدة.
لكن الأهم، أن هذا الموقف يضع القضية الفلسطينية في قلب معادلة الأمن الإقليمي، ويؤكد أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر القوة العسكرية أو فرض الأمر الواقع، بل من خلال معالجة جذر الصراع: الاحتلال وغياب العدالة.
رابعاً: مسؤولية المجتمع الدولي… اختبار المصداقية
في ظل هذا المشهد، تبدو مسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن والقوى الكبرى، مسؤولية أخلاقية وقانونية قبل أن تكون سياسية. فالاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلها، والتعامل مع الحرب كحدث عابر، يضرب مصداقية النظام الدولي، ويعزز منطق الإفلات من العقاب.
إن الدعوة إلى وقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ليست مطالب إنسانية فحسب، بل التزامات قانونية نصت عليها قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، والتي لا يجوز إخضاعها لموازين القوة أو الحسابات السياسية الضيقة.
خامساً: رسالة إلى المستقبل
يحمل الموقف المشترك للرئيس السيسي والملك عبد الله الثاني رسالة واضحة:
لا سلام بلا وقف للحرب، ولا استقرار مع التهجير، ولا مستقبل للمنطقة دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يقوم على إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
في لحظة يتراجع فيها صوت العدالة، ويعلو فيها منطق القوة، يعيد هذا الموقف التذكير بأن الشرعية الدولية ليست خياراً انتقائياً، وأن القضية الفلسطينية ستبقى معياراً أخلاقياً وسياسياً لاختبار صدقية العالم في الدفاع عن القانون والإنسان.