د. حسين عبد البصير - كليوباترات العرش… بين البراءة والإدانة

عبر صفحات التاريخ المصري القديم، تبرز المرأة الملكية كقوة حقيقية، ليس فقط شريكًا رمزيًا للملك، بل كعنصر مؤثر في السياسة، والديانة، والمجتمع. كتاب "كليوباترات العرش – البراءة والإدانة" من تأليف الدكتور جلال رفاعي والصادر عن دار المعارف العريقة بالقاهرة، يقدم لنا دراسة معمقة لهذه القوة النسائية خلال الأسرة البطلمية، من كليوباترا الأولى عام 192 قبل الميلاد وحتى كليوباترا السابعة عام 30 قبل الميلاد.

يتميز هذا العمل بدقة المصادر والتحليل التاريخي، حيث يجمع المؤلف بين ما رواه المؤرخون من أحداث وما تكشفه النقوش والبرديات والأوستراكا والمسكوكات، مع ربط كل ذلك بالواقع السياسي والاجتماعي والديني لتلك الحقبة. بهذا المنهج، يتحول التاريخ من مجرد تواريخ وأسماء إلى سرد حي لمصائر الملكات البطلميات، اللواتي لعبن أدوارًا سياسية محورية، أحيانًا بصفتهن وصيات، وأحيانًا كشريكات في الحكم، وأحيانًا كحاكمات مطلقات.

إن ما يجعل عصر الكليوباترات استثنائيًا هو التمكين النسائي غير المسبوق في أعلى هرم السلطة، ففي هذا العصر، استطاعت الملكات إصدار العملات، وتوجيه السياسة الداخلية والخارجية، والتأثير في تحالفات الإمبراطوريات الكبرى، لا سيما روما، التي كانت تراقب مصر عن كثب، لتستعد للهيمنة على العرش البطلمي.

IMG-20260202-WA0000.jpg

يقسم الكتاب إلى خمسة فصول متدرجة:

الفصل الأول: مدخل تاريخي يتناول أهمية مصر وأسباب التناحر عليها، وبدايات الوجود اليوناني، وصولًا إلى الأسرة البطلمية.

الفصل الثاني: يركز على كليوباترا الأولى وسيرتها الشخصية والسياسية.

الفصل الثالث: يضم كليوباترا الثانية والثيا والثالثة والرابعة وتريفانا وسيليني، ويبرز تشابك الأحداث بينهن وتأثيرهن على السياسة المصرية والسلوقية في سوريا.

الفصل الرابع: يتناول كليوباترا الخامسة برنيكي الثالثة، ويبرز دورها السياسي في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية.

الفصل الخامس: يسلط الضوء على كليوباترا السابعة، المرأة التي جمعت بين القوة والدهاء والجمال، وأدارت صراعات داخلية وخارجية معقدة، حتى انتهى بها المطاف في مواجهة التاريخ نفسه.

يبرز الكتاب أن عصر الكليوباترات، رغم كونه عصر تراجع سياسي نسبي مقارنة بعصور سابقة، يعد أفضل مثال على تفوق النساء في السلطة، إذ تمكنّ من التحكم في الشؤون السياسية والاقتصادية، وصدرن العملات النقدية، وهو ما كان يُعتبر حقًا إلهيًا حصريًا للملوك فقط في العصور السابقة.

كما يوضح الدكتور رفاعي أن الملكات البطلميات لم يكن صمودهن مجرد حظ أو قوة شخصية، بل مهارة سياسية استثنائية، حيث كنّ يمتلكن القدرة على مراجعة السياسات وتصحيح المسارات قبل فوات الأوان، والتكيف مع الضغوط الخارجية من روما، والاضطرابات الداخلية في الإسكندرية، وحتى تدخلات البطانات الفاسدة داخل القصر. هذه الكفاءات جعلت الملكات قادرات على الصمود لفترات طويلة، محافظة على مكانتهن في قلب السلطة، أحيانًا متجاوزات الملوك أنفسهم.

الكتاب يطرح رؤية متوازنة بين البراءة والإدانة: التاريخ لا يكتب فقط بما نجحت فيه الملكات، بل بما عجزن عن تحقيقه، أو ما سجله المؤرخون عن سياسياتهن المثيرة للجدل. بعضهن خلد التاريخ كبطلات، وبعضهن كملعونات، لكن جميعهن شكّلن مثالًا فريدًا على القوة النسائية في مصر القديمة.

هذا العمل لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يعيدنا إلى روح عصر الكليوباترات، حيث كانت المرأة حاكمة، وقائدة، ووسيطًا بين البشر والآلهة، ومثلت عنصراً فعالاً في السياسة والدين والفن. إنه إضافة قيمة للمكتبة العربية، ومصدر مهم لفهم مصر البطلمية من منظور نسائي استثنائي، يفتح آفاقًا لفهم العلاقة بين السلطة، السياسة، والدين في التاريخ المصري القديم.

في النهاية، يتركنا الكتاب مع سؤال جوهري: هل نحكم على الملكات من منظور ما حققنه بالفعل، أم من منظور ما سجله التاريخ؟ ربما يكمن الجواب بين البراءة والإدانة، بين صفحات هذا الكتاب التي تضيء على عرش مصر وعلى النساء اللواتي كن البطلات الحقيفيات له.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى