يحيى بركات - نزعُ السياسة من الخارج… واستبطانُها في الداخل كيف تُدار الإبادة بعد أن تغيّر اسمها؟ والحاملُ السياسي الفلسطيني كنقطةٍ عمياء

لا تبدأ الإبادة حين تسقط القنبلة الأولى.
تبدأ حين يصبح سقوطها ممكنًا… من دون أن يرتجف النظام.
حين لا يُسأل العالم: كيف يحدث هذا؟
بل يكتفي بأن يسأل: كيف نُديره؟
في غزة، لم يعد القتل “انفجارًا”. صار “إيقاعًا”.
طائراتٌ بلا طيار تمرّ كأنها تفتّش عن عادة، لا عن هدف.
قصفٌ يأتي كأنه تذكير دوري بأن السماء ليست مكانًا محايدًا.
ومع كل يومٍ جديد، تتبدّل الكلمات قبل أن تتبدّل الوقائع:
لا يُقال “إبادة”، يُقال “تصعيد”.
لا يُقال “حصار”، يُقال “قيود”.
لا يُقال “قتل مدنيين”، يُقال “أضرار جانبية”.
وهنا بالضبط يُفتح بابٌ خطير: اللغة.
اللغة ليست وصفًا بريئًا… اللغة هي الأداة الأولى.
حين تُلطَّف الجريمة بالكلمات، تصبح قابلة للتحمّل.
وحين تصبح قابلة للتحمّل، تصبح قابلة للاستمرار.
يُقال إن المعابر فُتحت.
لكن “الفتح” الذي لا يغيّر حياة الناس ليس فتحًا، بل مشهدًا.
حين يخرج عدد محدود من المرضى، ثم تعود الكتلة البشرية كلها إلى الانتظار البارد،
وحين تدخل مساعداتٌ قليلة لا تكفي إلا لتأكيد العجز،
وحين تبقى الخيام ممنوعة أو محاصرة بالتصاريح،
وحين يبقى الغذاء والدواء في منطقة “يُسمح” و“لا يُسمح”،
فهذا ليس تنفيذًا لاتفاق… هذا هو تأويل الاتفاق على طريقة القوة.
المشهد في غزة لا يحتاج إلى إعلان حرب كي يستمر.
يكفي أن تستمر “الاستثناءات”:
استثناءٌ على إدخال الوقود.
استثناءٌ على دخول الأدوية.
استثناءٌ على إعادة الإعمار.
استثناءٌ على حرية الحركة.
استثناءٌ على حماية المدنيين.
وبالاستثناءات المتراكمة تُبنى قاعدة جديدة:
الموت ممكن… والحياة تُدار بالقطّارة.
ثم تأتي الذريعة السريعة: “إصابة ضابط”… “حادث أمني”… “خطر محتمل”.
في لحظة واحدة تُفتح السماء كما لو أن السماء زرّ.
ومن يستطيع أن يؤكد أو ينفي؟
ومن يملك الكاميرا التي ترى كل شيء في لحظة القصف،
ثم تختفي حين نحتاج دليلًا؟
هذا الغموض جزء من الآلة:
حين لا تُرى الحقيقة كاملة، يصبح القانون نصف حاضر،
ويصبح الشكُّ بديلاً عن الإدانة،
وتتحول الإبادة إلى “نزاع روايات”.
وفي الضفة، لا يُقال إن الحرب انتقلت… بل يقال إن “الأمن يتطلب”.
اقتحاماتٌ يومية، مدنٌ تُغلق، مخيماتٌ تُحاصر،
شبابٌ يُقتلون أو يُعتقلون كأنهم “مواد مشتبه بها”،
ومستوطنون يحرقون محاصيل وسيارات وبيوتًا تحت حماية البنادق الرسمية.
القتل هنا يصير مثل شرب الماء… لأن الماء نفسه صار محاصَرًا.
الخط الأحمر في كل هذا ليس عدد الغارات، ولا عدد الضحايا فقط.
الخط الأحمر هو أن كل هذا يحدث بعد قرارات دولية،
وبعد “خطة” هنا و“مبادرة” هناك،
وبعد “وقف إطلاق نار” يُكتب على الورق… ثم يُفسَّر على الأرض كما تشاء القوة.
هنا يصبح السؤال الحقيقي:
ليس لماذا يُقتل الفلسطيني؟
بل: كيف أصبح قتله ممكنًا دون أن يختلّ النظام؟
ما الذي يعنيه “نزع السياسة” في الحياة الواقعية؟
يعني أن فلسطين تُسحب من معنى التحرر، وتُعاد إلى معنى الإدارة.
أن تتحول من قضية تقرير مصير إلى ملف إنساني.
ومن استعمار إحلالي إلى نزاع.
ومن شعب يطالب بحقه إلى كتلة سكانية تحتاج إدارة.
حين تُنزع السياسة، لا يعود الفلسطيني فاعلًا سياسيًا كاملًا،
بل “حالة” تُقاس احتياجاتها: ماء، طعام، بطانيات، خيام…
لا حقّ، لا مساءلة، لا مسؤولية على الجاني،
بل “إغاثة” و“ممرات” و“تخفيف معاناة”.
بهذا المعنى، الإبادة الحديثة لا تحتاج إلى خطاب كراهية صريح كي تُستكمل.
يكفيها خطاب إنساني بلا سياسة.
تعاطف بلا مساءلة.
شجب بلا إجراء.
قانون دولي بلا قوة إلزام.
هذا ليس عجزًا فقط… هذا هو النظام وهو يعمل بكفاءة.
لكن المقال لا يقف عند الخارج، لأن الخارج وحده لا يكفي لتفسير الاستمرارية.
الإبادة، كي تعمل بهذا النفس الطويل، تحتاج أيضًا إلى شرطٍ داخلي:
فراغ سياسي محلي… أو حامل سياسي مُفرَّغ من وظيفته.
وهنا تأتي النقطة العمياء التي لا يراها كثيرون، أو لا يريدون رؤيتها:
المشكلة ليست أن الفلسطينيين بلا تمثيل “بالاسم”.
المشكلة أن التمثيل القائم في كثير من لحظاته تحوّل من:
أداة صراع وتحرر
إلى:
أداة إدارة يومية تحت سقف النظام نفسه.
حين تصبح السياسة إدارة، يحدث الآتي:
القتل يقع… ثم يُحتوى.
الحصار يستمر… ثم يُتكيَّف معه.
الاستثناء يطول… ثم يُعوَّم كقدر.
الناس تبحث عن النجاة الفردية… بدل أن ترى المعنى الجمعي للصراع.
وهكذا يتشكل استبطان نزع السياسة:
إذا كان الخارج ينزع السياسة باسم الاستقرار،
فالداخل يبرّر العيش داخل هذا النزع باسم الواقعية،
وباسم “تفادي الأسوأ”، وباسم “ما هو ممكن”.
هذا ليس خطاب تخوين، ولا جلد ذات.
هذا تشريح لبنية عجز:
كيف يتحول الحامل السياسي من منتِج للصراع إلى مُخفِّف لصوته.
كيف تصبح “التهدئة” قيمة أعلى من العدالة.
كيف يصبح “تسيير اليومي” بديلًا عن مشروع التحرر.
كيف تتراجع مفردات الحق والمساءلة، لتحل مكانها مفردات الإجراء والتنسيق والميزانيات والتمويل.
وهنا تظهر صورة “تقسيم المقسّم” بوصفها شرطًا بنيويًا لا مجرد تفصيل جغرافي:
غزة تُدار بمعجم إنساني/إغاثي/أمني.
الضفة تُدار بمعجم أمني/تنسيقي/استيطاني.
القدس تُدار بمعجم قانوني/بلدي/ديني.
اللاجئون يُدارون بمعجم تمويلي/خدماتي/ذاكرة.
وما دام هذا كله موزعًا في جزر،
فالإبادة لا تواجه جبهة سياسية واحدة… بل تواجه “ملفات”.
والملفات لا تُحرّر شعوبًا.
الملفات تُغلق أو تُرحّل أو تُدار إلى ما لا نهاية.
ومع ذلك، ليس المشهد الداخلي صمتًا كاملًا.
هناك حراك بدأ يطفو:
داخل فتح مع التحضير للمؤتمر، وفي بقية التنظيمات، وفي النقاشات العامة،
وفي الخارج الفلسطيني حيث تتشكل طبقات من مفكرين وفنانين وصحفيين وكتاب ونشطاء،
لا يعيشون على وظيفة النظام ولا على امتيازاته.
هؤلاء قد لا يملكون سلطة مباشرة، لكنهم يملكون شيئًا شديد الخطورة على أي منظومة إدارة:
المعنى.
حين يتغير ميزان المعنى، تفقد الإدارة جزءًا من سحرها.
وتفقد “الواقعية الموظّفة” قدرتها على ضبط الناس.
ومن هنا تأتي الانتخابات المعلن عنها للمجلس الوطني في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعد نحو تسعة أشهر.
هذا التاريخ ليس رقمًا على ورق. إنه زمن سياسي معلّق.
يمكن أن يكون زمن تبريد وتفريغ،
ويمكن أن يتحول—إن اشتعلت الأسئلة وتراكمت الجرأة—إلى مخاض.
الانتخابات ليست خلاصًا تلقائيًا.
لكنها اختبار:
هل تُستعاد السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا؟
أم تُدار العملية لتعيد إنتاج البنية نفسها بواجهة “قانونية” أكثر أناقة؟
الخلاصة التي لا مفر منها:
الإبادة مستمرة لأن نزع السياسة يعمل بجهتين في آنٍ واحد:
خارجٌ ينزع السياسة كي يُدير الموت،
وداخلٌ يعتاد العيش داخل هذا النزع حتى يصبح طبيعيًا.
الخطر ليس فقط أن العالم يتفرج،
بل أن الفلسطيني يُعاد تعريفه—حتى في بعض خطابه عن نفسه—كضحية بلا سياسة.
وهنا يكتمل القفص:
إنسانية بلا تحرير،
إغاثة بلا عدالة،
وقانون بلا مساءلة.
نحن لسنا أمام فراغ فقط.
نحن أمام تفتّت يُهدد بأن يتحول إلى نظام دائم:
تقسيم المقسّم بدل توحيد الصف.
ولذلك، لا يكفي أن نقول إن النظام الدولي منحاز.
هذا صحيح… لكنه لا يشرح كل شيء.
الشرح الكامل يبدأ حين نسأل السؤال الأصعب:
كيف نعيد السياسة إلى الفلسطيني قبل أن تُعاد كتابة الإبادة باسمٍ آخر؟
استعادة السياسة لا تعني شعارات.
ولا تعني خطابة.
ولا تعني “وصفة” جاهزة.
تعني شيئًا واحدًا واضحًا:
أن يعود الفلسطيني فاعلًا سياسيًا لا “حالة” تُدار.
أن يعود الحق إلى لغته الأصلية:
الحرية، العدالة، تقرير المصير، والمساءلة.
حين تعود السياسة، تتعرّى الإبادة وتفقد قدرتها على الاستمرار الهادئ.
وحين لا تعود، يستمر القتل…
لكن بأسماء أنعم، ولغة أرقّ، وعالمٍ أكثر طمأنينة على نفسه.
وهذا، ربما، أقسى أشكال الهزيمة…
وأخطر ما فيها أنها تُدار… لا تُعلن.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5 / 2 / 2026


1770286353883.png 1770286407251.png 1770286444394.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى