جلستُ في مطعمٍ مكتظّ بالموظّفين الفرنسيّين، في قلب باريس، غير بعيد عن جسر سان ميشال وكنيسة سيّدة باريس. كان ذلك وقت الغداء، بعد أن أنهيتُ عملًا تقنيًا أدّيته لفائدة إحدى الدوائر القانونية الفرنسية.
جلستُ أراقب المكان، وأصغي.
كان حديث الجالسين من حولي ممتعًا؛ لغةٌ رصينة، صقلتها المطالعة، وهذّبتها العادة، وروّضتها التجربة، وقوّمتها القوانين. بدا لي كلامهم كأنّه نصوص تُتلى، أو مقاطع من كتب مفتوحة تُقرأ على عجل: حديث عن العمل، وعن أفكار وآراء، وانتقاد للأوضاع والصعوبات، بلا صخب ولا فوضى.
ولم يكن في المطعم من تُعلن ملامحه انتماءً ثقافيًا آخر غيري.
طلبتُ طبقًا اسمه في القائمة: سلطة عملاقة. جاء كما وُصف: خليط من الخسّ والجرجير والجُمّار والفجل والكرنب والسلمون المدخّن، مسقًى بمزيج الخلّ والكرّاث وماء الليمون وزيت الزيتون. وضعتُ الشوكة في الطبق، وواصلتُ الإصغاء.
لم تمضِ دقائق حتى اخترق المكان لغطٌ عربيّ عند المدخل. التفتُّ، فإذا بسيّدة ومرافقٍ لها يتحدّثان بالعربية، ينتظران النادل. شعرتُ بشيءٍ من الارتياح، وقلتُ في نفسي: الآن لن أكون وحدي في هذا المكان.
اقترب النادل، دلّهما على منضدة قريبة منّي، سلّمهما القائمة، ثم انصرف.
سرعان ما تبيّن لي، من الوهلة الأولى، أنّهما من السيّاح العرب، زائرين عابرين لباريس. كان ذلك واضحًا من نبرة الحديث ومن موضوعه. عاد النادل فأخذ الطلبيّة، وبقيت الكلمات تتدفّق بينهما، كلماتٌ لم تنتظر الطعام لتبدأ.
– هي: أنا de toute façon عندي أكثر من solution. إمّا je vends الدار القديمة en l’état، وإمّا نشوف شكون يعمل لي travaux ونخلّيها réserve… الله أعلم بالدنيا، tout est possible…
– هو: يا نسرين، je suis pas contre، قلت لك من العام الفايت vas-y. المشكلة الوحيدة هي le coût. تصوّري نخلّصوا les travaux، وبعد يطلعولنا بطلعة يقولوا on partage توا! كيفاش نسترجعوا nos frais؟ هاتي on partage اليوم وchacun وربّي يعينه!
– هي: يا راجل ne crains rien… ربّي يحلّها. بعدين moi ما عندي مشكلة، les enfants مازالوا صغار، وpapa وعدني يعاونّي. الدار قريبة للبحر، tu verras، مع les travaux تولّي شبّابة!
وأنت علاش خايف من تلك القردة؟ ولا tu crains أولاد عمومتك؟ وين ton problème؟
قبل أن يأتي ردّه، تسلّل إليّ شعور غريب، شعور بعشق الغربة حدّ الثمالة. أحسستُ أنّني أختنق لا من اللغة الأجنبية، بل من هذا الخليط المتكسّر، لغةٌ لا تنتمي إلى نفسها، ولا تستقرّ في غيرها.
أكملتُ طبقي على عجل، التهمتُ السلطة العملاقة دفعة واحدة، بلا مضغ، كمن يريد أن يختصر اللحظة. نهضتُ، دفعتُ الحساب، ولم ألتفت.
قرّرتُ أن أغادر فورًا هذا “الأنس” العابر، الذي لم يكن سوى بؤسٍ متنكر.
خرجتُ إلى شوارع باريس، أفرّ بلساني العربي فرارًا، حتى لا أسمع صدى هذا التشرّد اللغوي أكثر ممّا سمعت.
فما أجمل أن تكون غريبًا باختيارك، وأن تبقى غريبًا باختيارك… إلى النهاية.
وأنساني شيطان الغضب أن أذكر شيئا مهمّا: لقد كانت السلطة التي أكلتها في عجالة لذيذة… حتى من دون مضغ.
بشير العبيدي
– باريس، شعبان 1447
كلمةٌ تدفع ألمًا، وكلمةٌ تصنع أملًا
جلستُ أراقب المكان، وأصغي.
كان حديث الجالسين من حولي ممتعًا؛ لغةٌ رصينة، صقلتها المطالعة، وهذّبتها العادة، وروّضتها التجربة، وقوّمتها القوانين. بدا لي كلامهم كأنّه نصوص تُتلى، أو مقاطع من كتب مفتوحة تُقرأ على عجل: حديث عن العمل، وعن أفكار وآراء، وانتقاد للأوضاع والصعوبات، بلا صخب ولا فوضى.
ولم يكن في المطعم من تُعلن ملامحه انتماءً ثقافيًا آخر غيري.
طلبتُ طبقًا اسمه في القائمة: سلطة عملاقة. جاء كما وُصف: خليط من الخسّ والجرجير والجُمّار والفجل والكرنب والسلمون المدخّن، مسقًى بمزيج الخلّ والكرّاث وماء الليمون وزيت الزيتون. وضعتُ الشوكة في الطبق، وواصلتُ الإصغاء.
لم تمضِ دقائق حتى اخترق المكان لغطٌ عربيّ عند المدخل. التفتُّ، فإذا بسيّدة ومرافقٍ لها يتحدّثان بالعربية، ينتظران النادل. شعرتُ بشيءٍ من الارتياح، وقلتُ في نفسي: الآن لن أكون وحدي في هذا المكان.
اقترب النادل، دلّهما على منضدة قريبة منّي، سلّمهما القائمة، ثم انصرف.
سرعان ما تبيّن لي، من الوهلة الأولى، أنّهما من السيّاح العرب، زائرين عابرين لباريس. كان ذلك واضحًا من نبرة الحديث ومن موضوعه. عاد النادل فأخذ الطلبيّة، وبقيت الكلمات تتدفّق بينهما، كلماتٌ لم تنتظر الطعام لتبدأ.
– هي: أنا de toute façon عندي أكثر من solution. إمّا je vends الدار القديمة en l’état، وإمّا نشوف شكون يعمل لي travaux ونخلّيها réserve… الله أعلم بالدنيا، tout est possible…
– هو: يا نسرين، je suis pas contre، قلت لك من العام الفايت vas-y. المشكلة الوحيدة هي le coût. تصوّري نخلّصوا les travaux، وبعد يطلعولنا بطلعة يقولوا on partage توا! كيفاش نسترجعوا nos frais؟ هاتي on partage اليوم وchacun وربّي يعينه!
– هي: يا راجل ne crains rien… ربّي يحلّها. بعدين moi ما عندي مشكلة، les enfants مازالوا صغار، وpapa وعدني يعاونّي. الدار قريبة للبحر، tu verras، مع les travaux تولّي شبّابة!
وأنت علاش خايف من تلك القردة؟ ولا tu crains أولاد عمومتك؟ وين ton problème؟
قبل أن يأتي ردّه، تسلّل إليّ شعور غريب، شعور بعشق الغربة حدّ الثمالة. أحسستُ أنّني أختنق لا من اللغة الأجنبية، بل من هذا الخليط المتكسّر، لغةٌ لا تنتمي إلى نفسها، ولا تستقرّ في غيرها.
أكملتُ طبقي على عجل، التهمتُ السلطة العملاقة دفعة واحدة، بلا مضغ، كمن يريد أن يختصر اللحظة. نهضتُ، دفعتُ الحساب، ولم ألتفت.
قرّرتُ أن أغادر فورًا هذا “الأنس” العابر، الذي لم يكن سوى بؤسٍ متنكر.
خرجتُ إلى شوارع باريس، أفرّ بلساني العربي فرارًا، حتى لا أسمع صدى هذا التشرّد اللغوي أكثر ممّا سمعت.
فما أجمل أن تكون غريبًا باختيارك، وأن تبقى غريبًا باختيارك… إلى النهاية.
وأنساني شيطان الغضب أن أذكر شيئا مهمّا: لقد كانت السلطة التي أكلتها في عجالة لذيذة… حتى من دون مضغ.
بشير العبيدي
– باريس، شعبان 1447
كلمةٌ تدفع ألمًا، وكلمةٌ تصنع أملًا