يحيى بركات - حين يبقى الفن نظيفًا… ويضجّ الهامش ما تعرّضت له هند صبري

لم يخرج من رحم الوسط الفني المصري،
وهذه ليست تفصيلة عابرة…
بل جوهر الحكاية.
عرفتُ هند صبري في زمنٍ لم تكن فيه بعدُ “هند صبري” كما يعرفها الناس اليوم.
عرفتها طفلةً في فيلم صمت القصور، في تلك المساحة الرمادية بين الطفولة والوعي المبكر، حيث لا يكون الأداء تقنيًا، بل غريزيًا، كأن الجسد يعرف ما لم تتعلمه اللغة بعد.
في ذلك الفيلم، الذي أنتجه الصديق الراحل أحمد بهاء الدين عطية، لم تكن هند “اكتشافًا” بالمعنى الشائع،
كانت حضورًا.
ذلك النوع من الحضور الذي لا يطلب الانتباه، لكنه يفرضه بهدوء.
أتذكرها لا كمشهد، بل كحالة:
طفلة تقف أمام الكاميرا لا لتقول شيئًا، بل لتشهد.
وكأن السينما — منذ لحظتها الأولى — اختارتها لا لتكون نجمة، بل لتكون وسيطة بين الصمت وما يُقال بعده.
من يعرف تلك البدايات، لا يُفاجأ بما صارت إليه هند لاحقًا.
ولا يُفاجأ أيضًا بالضجيج الذي يرافق أي مسار طويل، متماسك، لا يتكئ على الصدفة.
ما حدث مؤخرًا حول هند لا يمكن قراءته كـ“خلاف رأي”.
الخلاف يفترض تكافؤًا في المستوى،
وهنا لم يكن هناك سوى قصٍّ متعمّد للسياق،
واقتطاع جملة،
ونفخها حتى صارت اتهامًا.
قالت: أنا تونسية.
وكأن الاعتراف بالأصل صار خيانة.
وكأن الانتماء لا يجوز له أن يكون متعدد الطبقات.
الغريب — والمهم — أن هذا الضجيج لم يخرج من الوسط الفني المصري.
وهذا ليس تفصيلًا.
الوسط الفني، حين يكون واعيًا بتاريخه، يعرف أن الفن لا يُبنى على امتحانات هوية،
وأن مصر التي احتضنت أجيالًا من المبدعين العرب لم تكن يومًا خائفة من التعدد،
بل قوية به.
ما رأيناه جاء من مكان آخر:
من منصّات تعيش على الإثارة،
ومن حسابات تبحث عن قصة سريعة تُدرّ تفاعلًا،
ومن رغبة قديمة في تحويل الفنان إلى “موضوع” بدل أن يبقى فاعلًا.
ثم هناك طبقة أعمق لا تُقال كثيرًا:
هند اليوم ليست فقط ممثلة ناجحة،
بل امرأة عبرت من الفن إلى مساحات أوسع:
ريادة، استثمار، لجان، مبادرات.
وحين تفعل امرأة ذلك في فضاء اعتاد أن يحتكر المسار،
يظهر من يرى في الإقصاء حلًا أسهل من المنافسة.
أما تونس — التي استُدعيت فجأة كأنها مشكلة —
فهي ليست بلد شعارات.
التوانسة، كما نعرفهم،
عروبيون بلا صراخ،
وفلسطين في وجدانهم ليست موقفًا ظرفيًا، بل جزء من الحس العام.
أن تحب تونس لا يعني أن تقلّل من مصر.
أن تحب فلسطين لا يعني أن تعادي أحدًا.
هذه المعادلات لا تُربك إلا من يحتاج العداء ليشعر بالتماسك.
هند زارت فلسطين.
قابلت جمهورها الفلسطيني.
وهناك، بعيدًا عن المنصّات، لا يُسأل الفنان عن جواز سفره،
بل عمّا تركه من أثر.
أنا لا أكتب هذا النص لأدافع عن هند،
فهي لا تحتاج دفاعًا.
ولا لأردّ على حملة،
فالحملات تزول ويبقى المسار.
أكتب لأنني أتذكر البداية.
وأعرف أن من يبدأ من الصمت،
ويصبر عليه،
لا يمكن أن يكون طارئًا على المعنى.
هند لم تتغيّر كثيرًا.
العالم هو الذي صار أكثر ضجيجًا.
وفي زمن كهذا،
أن تبقى كما أنت…
هذه ليست براءة،
بل قوّة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي





1770644334716.png 1770644385482.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى