يونس عتيق الله - من عمق التراجيديا قد ننبعث...

يمكن أن تتلبد سماؤك بما يوحي بقرب أفول شمسك -أو كذلك تتوهم- المهم أن الشمس قد حُجبت بما يكفي لتصدع الضياء وانهياره على عتبات أيامك، تاركا مكانه ظلاما دامسا يوقظ نزيف جراحك ويبعث أنين دواخلك، فالألم يزداد ليلا كما هو المعتاد...هذه الازدواجية بين النور والحلك، بين الغروب والشروق، قد تفقدك استشعار الجمال وتؤسس لديك ثقافة اليأس، فمهما تبدى النور أمامك تدرك أن الظلام قادم، ومهما سطعت شمس عمرك تترقب الخريف، ومهما ومهما ومهما...كلها تضاربات تحيل العمر على تراجيديا خاصة عنوانها الألم وقوامها الأسى، وقد صِرتَ أنت ذلك البطل التراجيدي الذي اختاره كاستينج "Casting" القدر ليذرف دموعه على ركح مسرح الحياة في مشهد يصور النفس البشرية وقلقها العميق أو بالأحرى حزنها العميق...

إن القدر يُبدع أكثر مما يبدع شيكسبير في تراجيديته، فمسرح الحياة أكبر من كل مسارح أوربا، والأقدار يدها أطول وأكثر إبداعا من رؤية وفنِّية كل الملهَمين والمبدعين في هذا العالم، كلنا سنؤدي الدور المنوط بنا دون أن نختاره ودون حتى أن نُستأذَن فيه أو على الأقل نناقش مضمونه علّنا نُعَدِّل ما يمكن أن يكون فيه من مشاهد القسوة التي تسبب الانكسارات وتُجري الدموع مكثارة ومغزارة، حظنا إذن أن نمر من هاته الطريق، وحظنا أيضا أن نبكي بين الفينة والأخرى، وإلا فلماذا خلق الله الدموع؟ وهذا السؤال قد أواجهه بسؤال مشابه: لماذا خلق الله الابتسامة؟

أُدرك أنني بصدد بسط كلمات قاسية كأن ريشتي لا تحسن إلا الرسم التعبيري أو ما يُعرف "برسومات الاكتئاب"، وكأنني لا أعرف إلا العزف وفق مقام "الصبا"، لكن تلك هي الحقيقة ولو بمقدار، فمن منا يجرؤ على أن يتوارى خلف ابتسامة مصطنعة دائما؟، من منا يستطيع أن يطمر آهاته على طول الخط؟ من منا لديه القدرة على أن يحبس الدموع في المُقل، ويحافظ على توازن نبضات قلبه؟ أظن أن من تبجح بالقدرة على ذلك فهو يتنصل من إنسانيته ويُظهر فراغ روحه من ليونتها وحنانها وطفوليتها إن صح التعبير، فحتى الكلاب إذا ما جُرِحت اتخذت لها مكانا بعيدا آمنا ولعقت جراحها فيه.

إن الأمر يتعلق بمحاولة فهم الحقيقة وضرورة التصالح معها لنمارس إنسانيتنا وحتى بشريتنا بكل أبعادها، فإذا كان القدر لا يُتَجاوَز فلابد من الرضا به والتعامل معه، حتى نتمكن من تحويل التراجيديا إلى أمل، ونستمد النور من الظلام ليكون موعدنا الصبح وليس الغروب، وهنا ألتقي بالفيلسوف الألماني الكبير "فريدريك نيتشه" الذي يعتبر التراجيديا مقاومة للموت، بل عشق للحياة، فمعانقة الألم قد تكون لحظة تغيير وتحويل المأساة إلى إبداع يعزز الرغبة في الحياة، ويؤسس لرؤية جديدة تبعث الإنسان من هشاشته.

إن المشاهد التي قد تبدو سلبية، من الممكن أن تحمل في جوهرها قمة الإيجابية، لذلك لا ينبغي الاستكانة داخل قوقعة التذمر، بل لابد أن يكون الأمل هو صهوتنا التي نمتطيها لنخوض غزوات الفتح المبين ضد الانكسار والقلق والحزن وكل بواعث الضعف، وقبل ذلك وبعده ضد اليأس، هاته الكلمة الخطيرة والمدمرة والتي تكسر الروح قبل الجسد، فلا يبقى من الإنسان إلا صورة ملؤها الخواء. إنه بحق المرض الخبيث الذي يضرب خلايا وجودك لتصير الحي الميت أو بالأحرى الميت الذي لم يُشيَّع بعد. وفي هذا الصدد يعج القرآن بمواقف تمكننا من تَلمُّس الأمل واستطعام حلاوته مهما كانت الظروف، إذ سمعت الله يقول على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "لَا تَحْزَن إِنَّ الله مَعَنا" خطاب طمأنة لأبي بكر وهُما في الغار مطاردان في رحلة الهجرة من مكة، إنه خطاب يؤسس لحياة بطعم السلام، حيث القلوب ترتاح وتستعيد توازنها. محتاجون اليوم لهذا البلسم الشافي، محتاجون لمن يهمس في الأذن قائلا لا تحزن، كما قلها محمد عليه الصلاة والسلام يوما، محتاجون لمن يقول: "لَا تَخَفْ" كما قالها أب المرأتين لموسى عليه السلام، إذ من أجمل ما تقدمه لأحدهم أن تربت على قلبه، فثمة كلام أشبه بالعناق، كلنا نحتاجه، حتى نَعْبُر إلى ضفة الاستقرار النفسي مهما تكالبت علينا الظروف ومهما خنقتنا مصاعب الأيام، فلعل أجمل أيام العمر لم تأت بعد، ولنعش على أمل أن القادم أحسن، [فاللهم يَقِيناً كيقين أم موسى] لما امتثلت لأمر ربها بوضع رضيعها في اليم، وهي الأم بما تعنيه الأمومة من رحمة وعطف وحنو وحب، واثقة في وعد الله "إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ"، ذلك دعائي إلى كل من سيقرأ كلماتي على امتداد العالم العربي ممن لا أعرفهم ولا يعرفونني آملا في أن تتلقف أيادي القدر الإلهي هذا الدعاء بالاستجابة، بعيدا عن اليأس الذي يُضَيِّق أفق التمني ويهدم كل جسور الربط بالسماء، فإذا كان الله لا يعجزه شيء، أتُعجزه فرحة يدخلها على القلب؟ فاللهم فرحا كفرح يعقوب بلقاء يوسف...يعقوب أنا وأنت، ويوسف الخير الآتي... فيا صاح لا تحزن ولا تخف إن لنا موعدا مع يوسف لن يخلفه القدر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى