أدب السيرة الذاتية أحمد بوعروة - "عشق وذكريات خلف أقواس عين الشق: رحلة بين الماضي والحاضر”...

سيرة ذاتية منشورة يوميا في جريدة "الأحداث المغربية "


الفصل 173: أيام كنزة… حين كان النداء يسبق النهار
اليوم الأول: صباحات البيت التي تشبه الدعاء
كانت خالتي كنزة تستيقظ قبل البيت كلّه.
ليس لأن النوم يخاصمها، بل لأن قلبها كان يعتبر الصباح “مسؤولية”.
كانت تُشعل الضوء بهدوء، وتُشعل الماء، وتُشعل الشاي، ثم تُشعل في المكان شيئًا لا يُرى: الطمأنينة.
كنت أسمع حركتها وأنا ما زلت بين النوم واليقظة:
صوت الماء، حفيف ثوبها، احتكاك الكؤوس، ورائحة النعناع التي تتسلّل من تحت الباب كما لو أنها تُوقظني بلطف.
وحين أفتح عيني، تكون هي قد وصلت إلى عتبة الغرفة أو باب الصالون، تبتسم وتقول بنبرة خاصة:
«صباح الخير، ولدي سيدي أحمد.»
لم تكن تحيّة.
كانت جملة تُشبه “أنت بخير… إذن العالم بخير”.
كنت أردّ أحيانًا بنعاس:
— «صباح النور، خالتي.»
فتبتسم كأنها تُعيد ترتيب الكلمة في مكانها الصحيح:
— «قول: ميمتي.»
ثم تضيف وهي تُصلح ياقة قميصي:
— «خليك ديما نقي… النقا راه فالقلب قبل الثوب.»
قبل أن أخرج، كانت تلحقني بالدعاء كما يُلحق الطفل بغطاء قبل برد الليل:
— «الله يفتحها عليك… الله يبارك فخطواتك… الله يرضي عليك، ولدي سيدي أحمد.»
كنت أغادر، وأشعر أن ظهري محميّ.
اليوم الثاني: فاس… حين كان اسمي يصل قبلي
في فاس كان اسمي يسبقني.
أدخل بيتًا أو مجمّعًا، فتبادرني امرأة لا أعرفها:
— «نتا ولدي سيدي أحمد؟»
أهز رأسي، فتبتسم وتقول:
— «خالتي كنزة كتدوي عليك بزاف… كتقول ولد أخلاق وقراية… وربي غادي يفتحها عليه.»
كنت أضحك في داخلي، لا خجلًا، بل خوفًا.
الخوف من صورة صنعتها لي امرأة ترى فيّ ما لم أصِر إليه بعد.
كنت أشعر أنني مطالب أن “أرتقي” إلى دعائها حتى لا يسقط كلامها أمام الناس.
كانت تتحدث عني كما لو أنني مشروعها المفضل:
تقول “تفوقه”، “أخلاقه”، “مستقبله”… كأنها تكتب لي سيرة وأنا ما زلت أعيش بدايتها.
اليوم الثالث: المرض الذي كان يختبئ في الابتسامة
داء السكري كان يسكنها بصمت.
لم تكن تشتكي كثيرًا.
إذا أحست بدوخة قالت ببساطة:
— «غير شوية ديال التعب.»
ثم تُكمل حياتها وكأن المرض شيء ثانوي.
لكنني كنت أرى ما لا تقوله:
ارتعاشة اليد حين تقيس السكر،
النظرة التي تتفقد الوقت خوفًا من تأخر الجرعة،
والابتسامة التي تخفي القلق كما تخفي الأمهات دموعهن.
كنت ألعب مع فريق البريد البيضاوي، وأتقاضى أجرًا بسيطًا، لكنه كان عندي “وعدًا” قبل أن يكون مالًا.
من أول يوم بدأت أقبض فيه أجري، قررت بيني وبين نفسي أن جزءًا منه سيذهب إلى دواء خالتي كنزة.
كنت أدخل الصيدلية بعد التمرين، متعبًا وعرقي لم يجفّ بعد.
الصيدلي يعرفني.
أقول له:
— «ديال ميمتي كنزة… عطيني اللي كتحتاج.»
فيعطيني العلبة ويقول:
— «الله يشافيها.»
وأنا أجيب دون تفكير:
— «آمين.»
وحين أعود وأضع الدواء أمامها، كانت تمسكه بيديها وتقول:
«الله يفتحها عليك، ولدي سيدي أحمد.»
فأمزح:
— «راه غير دوا.»
فتردّ بحزم أمٍّ تعرف المعنى:
— «لا… راه قلب.»
اليوم الرابع: السفر… والخوف الذي يتخفّى في التيسير
حين كانت تستعد للسفر، كنت أشتري لها كمية تكفي ثلاثة أشهر وأكثر.
أضع العلب في كيس، وأرتبها كما لو أنني أرتب لها الطريق.
أقول:
— «باش نكون مرتاح.»
فتضحك:
— «وأنا نكون مطمئنة عليك.»
ثم تُسند ظهرها وتضيف:
— «راه اللي حافظ الله ما يضيع.»
كانت تشبه جدّتي لالة عايشة في ملامحها وفي طريقتها في تهدئة الكون.
لا تحب المشاكل،
ولا تحب الكلام الزائد،
وتؤمن أن التيسير عبادة.
لهذا…
حين رحلت،
لم يرحل شخص فقط…
رحلت أيام كاملة كانت تحرسني من الغد.

الفصل 174: أيام الصمت… حين انقطع النداء
اليوم الأول: الخبر الذي أطفأ شيئًا في الداخل
وصلني خبر وفاتها كأن أحدًا أطفأ المصباح داخل صدري.
لا صراخ، لا تمهيد… فقط جملة قصيرة.
ثم سكون.
لم أجد شيئًا أقوله.
لم أجادل القدر.
لم أسأل “لماذا”.
دخلت غرفتي، وأغلقت الباب.
جلست على السرير طويلًا.
حدّقت في نقطة لا أعرفها.
ثم انهرت.
بكيت بصمت.
بكاءً لا يريد شهودًا.
وضعت يدي على فمي حتى لا يخرج صوت،
كأنني أخشى أن يسمعني أحد فيُعيد عليّ الخبر مرة أخرى.
كنت أبكي خالتي كنزة،
لكنني في العمق كنت أبكي “النداء”:
«ولدي سيدي أحمد»
كنت أبكي لأن هذا النداء لم يعد ينتظرني عند باب البيت.
اليوم الثاني: صباح بلا بركة
استيقظت في اليوم التالي، وقلت في نفسي:
“كيف يكون الصباح صباحًا… دون أن أسمعها؟”
ارتديت ملابسي ببطء،
كأنني أرتديها لأول مرة دون يد تُعدّل الياقة.
خرجت إلى المصلى.
كنت أذهب إلى المصلى دائمًا حين يُودّع القلب أحدًا.
هناك، كنت أتعلم كيف أُسلّم وجعي لله بدل أن أُسلّمه للانهيار.
بحثت عن الشيخ الذي كان يواسيني.
لم أجده.
جلست قرب المنبر،
وكان خالي هناك،
لكنني لم أكن أراه وحده.
في داخلي رأيت أبي،
ورأيت جدتي لالة عايشة.
قالا لي بلا صوت:
— «كمّل طريقك… ما توقفش.»
— «خالتك بخير… عند رب كريم.»
خرجت وأنا أحمل الحزن كما يحمل المرء صندوقًا ثقيلًا:
لا يقدر أن يتركه،
ولا يعرف أين يضعه.

الفصل 175: أيام فاس… مدينة بلا أم
اليوم الأول: البيت الممتلئ والفراغ الذي لا يُرى
ذهبت إلى فاس رفقة أختي أمينة.
الطريق كان صامتًا، والحديث قليلًا، لأن الحزن يكره الزحام.
حين دخلنا البيت، كان مليئًا بالناس.
تعازي، شاي، سلامات، أدعية…
لكنني شعرت أن البيت خالٍ.
خالي… العمّات… الجارات… الجميع موجود.
لكن صاحبة البيت ليست هنا.
الروح التي كانت تُعطي للحائط معنى “دار” ليست هنا.
كنت أرى الكراسي ممتلئة…
وأرى المكان فارغًا.
اليوم الثاني: لحظة الانهيار أمام أمينة
لم أستطع حبس دموعي.
فاضت كما يفيض ماء مكبوت خلف سدّ.
قلت لأمينة:
— «ما نقدرش… فاس بلا خالتي كنزة ما هي فاس.»
ثم أضفت بصوتٍ أكثر صدقًا من قدرتي على الاحتمال:
— «هي أمي الثانية.»
أمينة وضعت يدها على كتفي، ولم تقل شيئًا.
كأنها فهمت أن الكلام هنا يُجرح أكثر مما يُداوي.
اليوم الثالث: السطح… لأن الجدران تضيق على الفقد
في تلك الليلة، لم أستطع النوم داخل البيت.
صعدت إلى السطح.
رياض مغربي،
سماء قريبة،
والصمت ثقيل كأنه حجر.
كنت أهرب من الجدران،
لأنني كنت أخشى أن تذكرني بها… أو ألا تفعل.
تمدّدت،
نظرت إلى النجوم،
وشعرت أن المدينة الكبيرة لا تستطيع أن تملأ غياب أمٍّ واحدة.

الفصل 176: أيام الحلم… حين عاد النداء من جهة الغيب
جاءتني في المنام.
خالتي كنزة.
لم تكن مريضة.
لم تكن متعبة.
كانت كما أحببتها دائمًا:
هادئة، مبتسمة، مطمئنة.
قالت بنبرة أعرفها، كأنها جاءت فقط لتعيد ترتيب شيءٍ في داخلي:
«ولدي سيدي أحمد… زر فاس دائمًا.»
ثم أضافت:
«في فاس أحبابك، وفيها الأولياء والصالحون.»
توقفت لحظة كأنها تلتقط أنفاس الدنيا، ثم قالت:
«هنا تجددت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله… هنا إدريس الأزهر… هنا لالة عايشة… وأنا أمّك الثانية.»
استيقظت وأنا أشعر بشيء جديد:
أن الحزن يمكن أن يصير طريقًا،
لا حفرة.

الفصل 177: أيام ما بعد الفقد… حين تغيّر أحمد
بعد خالتي كنزة، لم أعد كما كنت.
ليس لأنني صرت أقوى، بل لأنني صرت أعرف ما معنى أن يفقد الإنسان ظهره ثم يتعلم كيف يقف وحده.
صار النجاح عندي نوعًا من الوفاء.
وصارت الأخلاق وصيّة لا مجرد صفة.
وصار المستقبل مسؤولية:
أن أصير الرجل الذي كانت تتنبأ به في المجالس.
كنت كلما هممت بخطوة جديدة، أسمع صوتها في داخلي:
«ولدي سيدي أحمد… الله يفتحها عليك.»
وكلما تعبت،
كلما ضاقت بي الدنيا،
أسمعها تقول:
«سر… راه الفتح معك… ولا تنسنا من دعائك.»
كنت أدعو لها،
وأدعو لوالدي،
وللالة عايشة،
وأشعر أنني حين أدعو… لا أكون وحدي.

الفصل 178: باب فاس الذي لم يُغلق… الوصية التي صارت طريقًا
اليوم الأول: العودة إلى فاس كمن يعود إلى نفسه
بعد ذلك الحلم، فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل:
أنني لم أُمنع من الحزن…
لكنني مُنعت من الهروب.
فاس ليست مدينة فقط.
فاس عندي كانت صوت خالتي كنزة،
وكانت “ولدي سيدي أحمد” وهي تُقال في دهاليز رياض مغربي،
وكانت الدعاء وهو يُوزَّع على الناس كما تُوزَّع الكسرة الساخنة.
عدت إلى فاس بعد مدة، لا كزائرٍ حزين، بل كمن ينفّذ وصيّة.
مشيت في الأزقة،
سلمت على الوجوه التي تعرفني “من كلام خالتي”،
وشعرت أن المدينة لم تكن خالية…
أنا الذي كنت خاليًا.
اليوم الثاني: عند القبر… حين يصبح الدعاء لغة لقاء
زرت قبرها.
وقفت.
لم أعرف ماذا أقول في البداية.
ثم قلت ببساطة:
“السلام عليك يا خالتي كنزة… يا أمي الثانية.”
قرأْت الفاتحة،
ثم تحدثت معها كما كنت أتحدث معها في الحياة:
عن الطريق،
عن التعب،
عن الدراسة،
عن الخوف الذي لا أقوله لأحد.
شعرت أن الدعاء ليس وداعًا…
الدعاء لقاء.
اليوم الثالث: المصالحة مع الغياب
حين عدتُ من فاس، اكتشفت أنني لم أعد أراها “غيابًا”.
صرت أراها “حضورًا” من نوعٍ آخر.
فهمت أن الأم التي ترحل لا تترك فراغًا فقط،
تترك أيضًا اتجاهًا.
ومنذ ذلك اليوم، صرت أضع وصيتها أمامي كلما ضعت:
زر فاس… زرها… زر الأحباب…
ولا تنس الدعاء.
اليوم الرابع: أحمد الذي صار يحمل مناداةً داخل قلبه
في كل مرة أحتاج دفعة صغيرة،
أسمعها داخلي تقول:
«ولدي سيدي أحمد… سر… راه الفتح معك.»
وعندها أبتسم رغم كل شيء،
لأنني أدركت أن بعض الأمهات لا يمتن…
بل يتحولن إلى صوتٍ داخلي
يحرسك من الانكسار.
ومن سطح عين الشق، أو من زقاق في فاس، أو من طريق طويل نحو المستقبل،
أعرف يقينًا:
أن أحمد الذي خرج من هذه المحطة
ليس هو أحمد الذي دخلها…
وأن كنزة…
لم تتركني وحدي،
بل تركتني محروسًا بنداءٍ لا ينطفئ.
«ولدي سيدي أحمد…»
الفصل 179: حين صار الفقد محرّكًا… لا ذكرى
اليوم الأول: الصباح الذي لم يعد بريئًا
استيقظتُ ذات صباح وأنا أشعر أنني أكبر من عمري بقليل.
ليس لأن السنوات مرّت، بل لأن الحزن حين يستقرّ في القلب يُضيف سنواته الخاصة.
نهضتُ دون تردّد.
لبستُ ملابسي بترتيبٍ لم أعهده في نفسي من قبل.
لم تكن العجلة هي التي تحرّكني،
بل شيء يشبه القرار الصامت: “خاصّك دابا تمشي قُدّام.”
في المطبخ، كان الصمت أثقل من أي وقت مضى.
لا صوت شاي يُحضَّر،
ولا رائحة نعناع تتسلّل.
لكن الغريب أنني لم أشعر بالفراغ كما في الأيام الأولى.
شعرتُ أن شيئًا ما انتقل من الخارج إلى الداخل.
سمعتُ صوتها في رأسي:
«ولدي سيدي أحمد… دير خدمتك وخلّي الله عليك.»
اليوم الثاني: الكلية… حين صار العلم مسؤولية
في كلية العلوم، لم أعد الطالب نفسه.
المعادلات لم تتغير،
القوانين كما هي،
لكن علاقتي بها تغيّرت.
صرتُ أتعامل مع الدراسة كأمانة،
لا كمجرد مسار للنجاح.
كنت أفتح الكراس،
وأتذكّر كيف كانت خالتي كنزة تتباهى بدراستي في المجالس،
وكيف كانت تقول بثقة:
“راه هاد الولد ما غاديش يضيّع.”
كنت أقرأ،
وحين أتعب،
أرفع رأسي وأقول في سري:
“ما خاصّكش تخذل الدعاء.”
اليوم الثالث: رفاق الشهداء… حين صار النقاش امتحانًا أخلاقيًا
في نقاشات رفاق الشهداء،
كنت حاضرًا كما لم أكن من قبل.
الكلمات حادّة،
المواقف متشنّجة،
والأفكار تتصارع كما تتصارع الأيديولوجيات في العتمة.
كنت أستمع أكثر مما أتكلم.
وحين أتكلم، كنت أختار كلماتي ببطء.
ليس خوفًا،
بل احترامًا لما صار داخلي ميزانًا جديدًا.
كنت أسمعها تقول في رأسي:
«الكلمة حتى هي أمانة، ولدي سيدي أحمد.»
صرتُ أدافع عن القيم لا بالصوت العالي،
بل بالحجّة،
وبالهدوء،
وبذلك الإصرار الذي لا يحتاج إلى ضجيج.
اليوم الرابع: الجمعية… حين صار الفن صلاةً أخرى
في المساء، داخل جمعية الأطلس للفن والثقافة،
كنت أشعر أنني أدخل فضاءً أعرفه أكثر من نفسي.
النصوص،
الأصوات،
الوجوه المتعبة التي تبحث عن معنى…
كلها كانت تُذكّرني بشيء واحد:
أن الفن ليس ترفًا،
بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان.
كنت أقرأ نصًا مسرحيًا،
وأتوقف فجأة.
أرفع رأسي،
وأقول بصوتٍ داخلي:
“لو كانت خالتي كنزة هنا… كانت غادي تفهم هاد الشي بلا شرح.”
اليوم الخامس: الليل… حين تتوحّد الجبهات
في الليل، حين أجلس للمراجعة،
وأشرب الشاي،
وأضحك مع مصطفى القادم من بنمسيك رغم التعب،
كنت أشعر أنني أعيش على أربع جبهات…
لكنني لم أعد أشعر بالتمزّق.
كنت أشعر بالتركيب.
كأن الفقد جمعني بدل أن يشتّتني.
قلتُ لنفسي تلك الليلة:
“اللي مات ما مشاش… اللي مات ولى طريق.”
ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد حزن خالتي كنزة ذكرى.
صار محركًا صامتًا يدفعني كلما توقفت.
الفصل180: حين يعود النداء… بعد أن تكتمل الدائرة
بعد سنوات: الصباح الذي يشبه البداية
مرّت سنوات.
تغيّرت الأمكنة،
وتبدّلت الوجوه،
وكبرتُ كما يكبر من حمل أكثر مما ينبغي في سنّ مبكرة.
في صباحٍ هادئ،
فتحتُ نافذة البيت،
ودخل ضوء يشبه ذلك الضوء الذي كان يدخل قديمًا حين كانت خالتي كنزة تستيقظ قبل الجميع.
لم أسمع صوتها،
لكنني لم أحتج أن أسمعه.
كان موجودًا في داخلي،
ناضجًا،
هادئًا،
غير مستعجل.
الظهيرة: الوقوف أمام المرآة
وقفت أمام المرآة.
نظرت إلى وجهي طويلًا.
رأيت خطوطًا لم تكن هناك من قبل.
لكنني رأيت أيضًا شيئًا آخر:
الولد الذي صدّق الدعاء…
والرجل الذي حاول ألا يخيّبه.
قلت بصوتٍ خافت:
“دابا، واش راضيتي عليّ؟”
ولم أحتج جوابًا.
كنت أعرفه.
المساء: فاس من جديد
عدتُ إلى فاس مرة أخرى.
ليس بدافع الحزن،
ولا بدافع النوستالجيا،
بل بدافع الامتنان.
مشيت في الأزقة،
جلست في الساحات،
سمعت أسماءً قديمة تُنطق بلهجات مختلفة.
قالت لي امرأة مسنّة لم أعرفها:
— «نتا ماشي هو ولد كنزة؟»
ابتسمتُ وقلت:
— «أنا هو.»
فقالت:
— «الله يرحمها… كانت كتدوي عليك بزاف.»
في تلك اللحظة،
فهمت أن الدعاء لا ينتهي بموت صاحبه،
بل يبدأ في الظهور متأخرًا.
الليل: عند القبر… حين يكتمل الكلام
زرت قبرها في المساء.
جلست طويلًا.
لم أقرأ كثيرًا.
لم أبكِ.
قلت فقط:
“وصلت شي حاجة من داك الدعاء، خالتي…
وصل بزاف.”
شعرتُ بسكينة غريبة.
سكينة من يعرف أن الطريق، رغم تعرّجاته،
كان أمينًا على الوصية.
الخاتمة: النداء الذي صار صوتي
في طريق العودة،
سمعت النداء القديم،
لكن هذه المرة بصوتي أنا:
«ولدي سيدي أحمد… سر… راه الفتح معك.»
ابتسمت.
لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الأصوات،
حين تسكننا طويلًا،
تصير نحن.
وهكذا،
لم تعد كنزة ذكرى في حياتي،
بل صارت بوصلة.
ومن هناك،
عرفت يقينًا:
أن الدائرة اكتملت…
وأن الطريق، مهما طال،
كان يستحق أن يُمشى بهذا القلب.
---------
الفصل 181: قراران في رأسٍ واحد… حين بدأت المعركة الصامتة
لم يكن ذلك زمن قرارات.
كان زمن ارتباك طويل، كثيف، لا يُرى بالعين، لكنه يُنهك الرأس كما يُنهك الجسد الجري بلا توقف.
كنت أعيش داخل رأسٍ مزدحم حدّ الاختناق.
رأسٌ يتقن الحساب، يحفظ القوانين، يفهم المعادلات، ويُتقن لغة المختبر…
لكنّه، في العمق، كان رأسًا خائفًا.
نهارًا، كنت أجلس في المدرّجات، أفتح الدفتر، أكتب ما يُطلب مني، أُصغي للأستاذ وهو يشرح تفاعلات لا تخطئ، قوانين لا تتردّد، أرقام لا تعرف الشك.
كل شيء كان منطقيًا، مضبوطًا، محكمًا.
لكن ما إن أخرج من القاعة، حتى يبدأ شيء آخر في داخلي بالتحرّك.
سؤال لا علاقة له بالكيمياء ولا بالفيزياء، لكنه أخطر منهما معًا:
وماذا بعد؟
كنت ألاحظ زملائي، بعضهم مطمئن، بعضهم يخطّط، بعضهم يعيش اللحظة دون قلق.
أما أنا، فكنت أشعر أنني أمشي في طريق صحيح… لكن ناقص.
كنت أخاف من فكرة واحدة فقط:
أن أكون جيّدًا… دون أن أكون جاهزًا.
كنت أخاف أن أصل إلى آخر النفق، بشهادة محترمة، ثم أكتشف أن الحياة لا تسأل عن المعدّل، بل عن القدرة على التدبير، على الصمود، على الفهم العملي للعالم.
الخوف لم يكن صاخبًا.
كان صامتًا، أنيقًا، يتخفّى خلف الاجتهاد.
في إحدى الجلسات العائلية، جلسنا كعادتنا، حديث عادي، ضحك خفيف، كلام عن الدراسة والعمل والمستقبل.
ثم قال زوج أختي جملة واحدة، لم يُمهّد لها، ولم يُتابعها بشرح:
“خاصّك تدخل عالم التسيير والمقاولات… راه المعرفة بلا تدبير كتضيّع.”
قالها كما يُقال شيء بديهي.
لكنها لم تكن بديهية بالنسبة لي.
كانت تلك الجملة مثل مرآة فجائية.
رأيت نفسي فيها:
شاب يتعلّم، نعم…
لكن بلا أدوات إدارة حياته.
لم أنم تلك الليلة.
لم أُقلّب جسدي في السرير فقط، بل قلّبت حياتي كلها.
كنت أحاور نفسي كأنني خصمان في رأس واحد.
– هل هذا هروب؟
– أم تحصين؟
– هل أستطيع الجمع؟
– هل أملك المال؟
– هل أملك الوقت؟
– وهل أملك الجرأة؟
مع الفجر، شعرت بشيء يشبه الحسم.
ليس يقينًا… بل شجاعة مؤقتة.
قلت لنفسي:
لن أختار طريقًا واحدًا،
لأن الطريق الواحد قد يُنقذك… أو قد يخذلك.
سأختار الاثنين.
وسأتحمّل الثمن.
لم يكن قرار طموح.
كان قرار نجاة.
---------------------
الفصل 182: المال القليل… والحلم الذي لا يقبل التقسيط
منذ الأسبوع الأول، فهمت أن هذا المسار الجديد لا يملك قلبًا.
لا يهمه تعبك، ولا نواياك، ولا ظروفك.
الواجب الشهري كان ثابتًا.
رقم لا يتغيّر.
موعد لا يتأجّل.
كنت أعمل مع فريق البريد البيضاوي،
أقبض أجري المتواضع،
أمسكه بين يديّ كما يُمسك شيء هشّ.
كنت أعدّ المال أكثر من مرة،
لا لأنني لا أثق في الحساب،
بل لأنني أخاف أن أُخطئ.
كنت أقسمه في رأسي قبل أن أصل إلى البيت:
هذا للأكل…
هذا للنقل…
وهذا للمدرسة.
ولا شيء يبقى.
كنت أدفع القسط وأنا أشعر أنني لا أشتري دراسة،
بل أراهن على نفسي.
كنت أوقّع، كل شهر، عقدًا غير مكتوب مع الغد:
سأتحمّل اليوم… لعلّ الغد يرحمني.
أيامي تحوّلت إلى سباق بلا صافرة نهاية.
أستيقظ باكرًا، أذهب إلى الجامعة،
أركض نحو مدرسة التسيير،
أتنقّل، أشتغل، أدرس،
وأعود ليلًا بجسد متعب ورأس لا يتوقف.
التعب لم يكن جسديًا فقط.
كان ذهنيًا.
كان أخلاقيًا.
أحيانًا، كنت أجلس وحدي، أُسند رأسي على الطاولة، وأطرح السؤال الذي أخجل من قوله أمام الآخرين:
واش تستاهل؟
ثم يأتيني الجواب، لا كصوت، بل كإحساس:
خاصّها تستاهل… حيث ما عندكش خيار آخر.
مرّت الشهور.
ثم السنوات.
لم تكن هناك لحظات احتفال.
لا صور.
لا شهادات مُعلّقة.
لكن الحصاد جاء في صمت:
ثلاث دبلومات في المحاسبة،
وشهادتان في الإعلاميات.
كنت أنظر إليها،
وأعرف أنها ليست تتويجًا،
بل أدوات.
أسلحة مؤجّلة.
لكن، وسط كل هذا الانضباط،
كان هناك شيء يرفض أن يُدفن.
------------
الفصل 183: المسرح… الجبهة التي لم أستطع إغلاقها
لم يكن المسرح خيارًا في حياتي.
كان قدرًا يؤجَّل… ثم يعود.
كنت أعيش أيامي موزّعة بدقّة قاسية:
ساعات للدراسة،
ساعات للعمل،
ساعات للحساب،
ولا شيء تقريبًا لما لا يُقاس.
ومع ذلك، كان هناك شيء داخلي يرفض هذا التقسيم الصارم.
شيء لا يعترف بالجداول، ولا يقتنع بالمنطق.
كلما اقتربت من ورشات التكوين داخل الجامعة، كان جسدي يسبقني.
قدماي تعرفان الطريق،
حتى عندما كان رأسي يختلق الأعذار.
كنت أدخل القاعة بهدوء، أجلس في الخلف، أراقب.
أقول لنفسي: “غير نشوف… غير نسمع”.
لكن المسرح لا يسمح بالمشاهدة فقط.
ما إن يبدأ التمرين، حتى يتغيّر الهواء.
تتبدّل الرائحة.
يصير للصمت وزن.
ويتحوّل الجسد من حملٍ ثقيل إلى أداة.
كنت أدخل مثقلًا بما لم أقله طوال اليوم.
وأخرج وقد تخلّصت من جزء من نفسي… دون أن أعرف كيف.
هناك، تعلّمت أن التعب الحقيقي ليس في الوقوف،
بل في الكذب.
وأن الخشبة لا تفضح إلا من يحاول التمثيل على نفسه.
بدأت أكتب أكثر.
في دفاتر صغيرة.
في أوراق مفردة.
أكتب بلا ترتيب، بلا هدف، بلا نية.
ثم أمزّق.
وأعيد.
كنت أكتب لأن الكتابة كانت المكان الوحيد الذي لا يُطالبني بأن أكون “ناجحًا”،
بل فقط أن أكون صادقًا.
وفي إحدى الليالي، وأنا أراجع يومي كمن يُراجع خسائره، فهمت الحقيقة التي كنت أتهرّب منها:
المسرح لم يكن ملاذًا.
كان هو الجرح نفسه.
ومن هذا الإدراك، وُلد القرار الذي بدا جنونيًا:
التسجيل في كلية الآداب ببنمسيك.
لم أستشر كثيرين.
لأنني كنت أعرف الإجابات مسبقًا.
الشهادة؟ عندك.
الوقت؟ ناقص.
المال؟ بالكاد.
لكن الحاجة… كانت أكبر من كل ذلك.
الأخ والأستاذ سعيد حرشيش لم يسألني كثيرًا.
نظر إليّ، وقال ببساطة:
“اللي باغي لغتو… خاصّو يمشي ليها”.
دخلت شعبة الآداب كما يدخل المرء بيتًا قديمًا كان يسمعه يناديه منذ زمن.
شعرت بالخوف…
لكنني شعرت أيضًا بأنني عدت إلى نفسي.
-------------
الفصل 184: الخشبة… حين بدأ الامتحان الحقيقي
في كلية الآداب، لم يعد المسرح ملجأً من التعب،
بل صار التعب نفسه… امتحانًا يوميًا لا يُجامل.
التحقتُ بورشة المسرح،
وهناك التقيتُ من جديد بأخي عبد الصمد كردان،
لكن هذه المرّة لا كرفيق درب فقط،
بل كمخرج يعرف أن الخشبة لا تعطي شيئًا مجانًا.
كان عبد الصمد يقف في القاعة بصرامة هادئة.
لا يرفع صوته كثيرًا،
لكن نظرته كانت تقول كل شيء:
إما أن تكون هنا بكلك… أو لا تكون.
ومن رحم هذا الاشتغال القاسي، وُلدت مسرحية
“إمبراطورية الوهم”
نصٌّ لمحمد الطوع،
وإخراج عبد الصمد كردان.
لم يكن النص سهلاً.
كان نصًا يُربك، يُساء فهمه إن لم يُحترم،
ويفضح الممثل إن حاول التذاكي عليه.
اشتغلنا عليه ببطء.
كلمة كلمة.
صمتًا صمتًا.
تعلّمت هناك أن الممثل ليس من “يحفظ”،
بل من يفهم لماذا يصمت.
كنت أقف على الخشبة وأشعر أنني لا أمثّل،
بل أُحاكم نفسي أمام نص لا يرحم.
ثم جاء المهرجان الدولي للمسرح الجامعي.
في تلك الأيام، تغيّر كل شيء.
التمارين لم تعد كافية.
والبروفات لم تعد مريحة.
الخشبة صارت أكبر.
الأضواء أقسى.
والجمهور… حاضر بعيونه قبل تصفيقه.
أتذكّر لحظة وقوفي خلف الستارة،
القلب يدقّ،
والجسد متيبّس،
والسؤال الوحيد يضغط عليّ:
هل أنا مستعد لأن أكون صادقًا أمام هذا العدد من الغرباء؟
حين فُتحت الستارة، لم أفكّر.
الجسد سبق العقل.
والنص قادني.
بعد العرض، لم أبحث عن ردود الفعل.
كنت أحتاج لحظة صمت… فقط.
وحين جاء الإعجاب،
لم يكن مجرّد مجاملة.
كان اعترافًا بأن شيئًا ما حدث فوق الخشبة.
----------------------
الفصل 185: المهرّج… حين تضحك الحقيقة وتجرح
بعد “إمبراطورية الوهم”،
لم نعد أولئك الطلبة الذين “يجرّبون”.
كنا نعرف أن الخطوة القادمة يجب أن تكون أصعب.
وجاءت مع مسرحية
“المهرّج”
نصّ محمد الماغوط،
وإخراج عبد الله شكيري،
بمشاركة الفنان رشيد الفكاك.
منذ البروفات الأولى، فهمنا أننا أمام نص لا يبتسم.
الماغوط لا يضحكك ليُسلّيك،
بل ليكشف عريك.
عبد الله شكيري كان صارمًا في اشتغاله.
يعرف النص.
يحترم وجعه.
ولا يسمح بأن يتحوّل المهرّج إلى كاريكاتور.
رشيد الفكاك كان معنا في التجربة،
بحضوره الهادئ،
وبذلك التوازن النادر بين الخبرة والتواضع.
كنت أراقبه كثيرًا.
أتعلم من صمته أكثر مما أتعلم من كلامه.
في “المهرّج”، لم يكن التمثيل سهلاً.
لأن الضحك هنا ليس انفراجًا…
بل طعنة مغلّفة.
كنا نضحك في بعض البروفات،
ثم نصمت طويلًا بعدها.
لأن النص، حين يسكنك،
يتركك بلا دفاع.
دخلنا المهرجان بهذه المسرحية
دون حسابات الفوز.
كنا نعرف فقط أننا نقول شيئًا حقيقيًا.
وحين أُعلن عن الجائزة الأولى والكبرى،
لم يكن الفرح صاخبًا.
كان داخليًا.
ثقيلًا.
شعرت أن شيئًا تغيّر إلى الأبد.
لم يعد لي الحق في التراجع.
ولا في التخفّي.
ولا في الادّعاء.
بدأت الجولات داخل المغرب.
مدينة تفتح ذراعيها،
وأخرى تطرح الأسئلة بحدّة.
ثم جاءت فرنسا.
خشبة مختلفة.
جمهور لا يعرف أسماءنا،
ولا سياقنا الاجتماعي،
ولا تاريخ وجعنا.
ومع ذلك…
وصل النص.
وصل الصمت.
وصل الضحك المربك.
هناك، فهمت أن المسرح الحقيقي
لا يحتاج ترجمة.
بعد هذه التجارب، تغيّر دوري.
لم أعد فقط من يقف على الخشبة.
أصبحت من يُؤطّر،
من يُرافق،
من يفتح الورشات التكوينية داخل المهرجان الدولي.
وهنا كان التحوّل الأكبر:
أن تُدرك أن التجربة لا تكتمل
إلا حين تُمنح للآخرين.
وحين نظرت إلى حياتي من بعيد،
فهمت أخيرًا:
لم أكن مشتّتًا بين علوم وتسيير ومسرح.
كنت أُصاغ.
لم تكن حياتي فوضى مسارات،
بل رواية واحدة…
كل فصل فيها كان يظنّ نفسه مستقلًا،
حتى اكتشف، متأخرًا،
أنه جزء من حبكة أكبر.
----------------
الفصل 186: الثقافة كاشتباك… حين لم تعد المتابعة حيادًا
لم تكن مواكبتي للأنشطة الثقافية والفنية فعلَ فضول.
ولا رغبة في الوجود داخل الصورة.
ولا حتى بحثًا عن شبكة علاقات.
كانت، في العمق، شكلًا من أشكال الدفاع عن نفسي
في زمن صار فيه الصمت أسهل من السؤال،
وصار المرور العابر يُحسب مشاركة.
كنت أشعر، منذ وقت مبكر، أن الاكتفاء بالخشبة خيانة ناقصة.
أن العرض، مهما بلغ صدقه،
يبقى هشًّا إذا لم يُحاصر بالأسئلة.
لهذا بدأت أتنقّل بين الملتقيات والمهرجانات
كما يتنقّل من يرفض أن يُختزل.
لم أكن أبحث عن “الحدث”،
بل عن ما بعد الحدث:
الندوة التي تُربك العرض،
الورشة التي تكشف عيوبه،
والنقاش الذي لا ينتهي بتصفيق.
كنت أُدرك، بحدسٍ لا يحتاج دليلًا،
أن الثقافة ليست واجهة،
بل ساحة صراع صامت
بين من يريد لها أن تُربك،
ومن يريد لها أن تُهدّئ.
حين يصبح الحضور موقفًا
حضوري في الأنشطة لم يكن دائمًا مريحًا.
بل كثيرًا ما كان مزعجًا… لي قبل غيري.
كنت أجلس في القاعات
وألاحظ كيف تتحوّل بعض الندوات إلى طقوس شكلية،
وكيف يُعاد تدوير نفس الأسئلة،
ونفس الأجوبة،
ونفس الأسماء،
وكأن الزمن توقف احترامًا لها.
وهنا بدأ الغضب الهادئ يتشكّل داخلي.
لماذا نخاف من النقد؟
لماذا نخلط بين الاحترام والمجاملة؟
ولماذا صار السؤال الجريء يُقرأ كعداء؟
كنت أخرج من بعض الندوات
أكثر تعبًا مما دخلت،
لا بسبب كثافة المعرفة،
بل بسبب خوائها.
وهذا الخواء تحديدًا
هو ما دفعني إلى التعمّق أكثر،
لا إلى الانسحاب.
الورشة: المكان الوحيد الذي لا يكذب
على عكس الندوات،
كانت الورشات تُشبهني أكثر.
في الورشة، لا أحد يستطيع الاختباء خلف اللغة.
الجسد حاضر.
الصوت يُختبر.
والأخطاء مكشوفة.
هناك، تعلّمت أن الإبداع لا يولد من الرغبة،
بل من الانضباط.
وأن الموهبة، دون وعي نقدي،
تتحوّل إلى ضجيج جميل لا أكثر.
كنت أشارك في الورشات
لا لأثبت شيئًا،
بل لأهدم ما ظننته ثابتًا.
كنت أكتشف، في كل تمرين،
أنني لا أعرف كما أظن.
وأن المعرفة التي لا تُشكَّك
تتحوّل بسرعة إلى سلطة.
من المتابعة إلى الوعي النقدي
مع الوقت، لم تعد المتابعة فعل حضور،
بل فعل قراءة.
صرت أتابع العروض
وأضعها داخل سياقها:
من يموّل؟
لمن يُوجَّه الخطاب؟
وأي جمهور يُفترض فيه أن يفهم؟
بدأت أقرأ العروض
كما تُقرأ النصوص:
ما الذي يُقال؟
وما الذي يُخفى؟
وما الذي يُفترض أن نصدّقه دون نقاش؟
وهنا بالضبط،
بدأ اهتمامي الحقيقي بالنقد.
ليس النقد بوصفه تصنيفًا،
ولا بوصفه سلطة تقييم،
بل بوصفه أداة مقاومة
ضد السهولة،
وضد الرداءة المتخفّية في ثوب التجريب.
المدارس المسرحية: المعرفة كسلاح
هذا الوعي النقدي
قادني، بشكل شبه حتمي،
إلى الغوص في المدارس المسرحية العالمية.
لم أكن أبحث عن تقنيات للإخراج،
ولا عن وصفات جاهزة للتمثيل.
كنت أبحث عن الأسئلة التي أنجبت هذه المدارس.
ما الذي جعل المسرح الكلاسيكي يؤمن بالوحدة؟
لماذا تمرّد الواقعي؟
ما الذي دفع العبثي إلى تفكيك المعنى؟
ولماذا جاء المسرح الملحمي ليكسر الإيهام؟
هنا،
برز المسرح البريشتي لا كنموذج،
بل كـ صدمة فكرية.
بريشت لم يكن يريد مسرحًا يُشعرك بالراحة،
بل مسرحًا يُشعرك بعدم الطمأنينة.
لم يكن يريد جمهورًا يبكي،
بل جمهورًا يفكّر.
وهذا بالضبط
ما جعلني أعود إليه مرارًا،
لا باعتباره مرجعًا مقدّسًا،
بل باعتباره سؤالًا مفتوحًا.
الثقافة ليست حيادًا
مع كل هذه المتابعة،
ومع كل هذا الاحتكاك،
فهمت شيئًا حاسمًا:
الثقافة ليست حيادًا.
والمثقف الذي يدّعي الحياد
غالبًا ما يكون منحازًا…
لكن بصمت.
صرت أرى بوضوح
كيف يمكن للمهرجان أن يكون واجهة،
وكيف يمكن للندوة أن تكون غطاء،
وكيف يمكن للخطاب الثقافي
أن يتحوّل إلى تبرير بدل مساءلة.
وهنا،
لم يعد بإمكاني أن أكون “حاضرًا فقط”.
صار الحضور موقفًا.
والغياب أحيانًا
شكلًا من أشكال الرفض.

نافذة مفتوحة (تمهيد للبحث)
في هذه المرحلة بالذات،
بدأ يتشكّل داخلي سؤال أكبر من العرض،
وأعمق من الورشة:
كيف نقرأ علاقتنا بما هو غربي؟
هل نأخذ منه الأدوات أم الرؤية؟
وهل نمتلك الجرأة على مساءلته
كما نُساءل تراثنا؟
كان هذا السؤال
هو البذرة الأولى لبحثي الأكاديمي،
حتى قبل أن يتحوّل إلى عنوان رسمي.
كنت أعرف أن القادم
لن يكون سهلاً.
وأن الاشتباك الحقيقي
لم يبدأ بعد.
لكنني كنت مستعدًا.
ليس لأنني واثق،
بل لأنني لم أعد أحتمل الصمت.
الفصل 187: بريشت… حين يصبح المسرح خطرًا
لم أصل إلى بريشت عبر الكتب أولًا.
وصلت إليه عبر الشك.
كنت قد رأيت عروضًا كثيرة تُقدَّم باسم “التجريب”،
لكنها في العمق كانت تُخدّر أكثر مما تُوقظ.
تُشبه الواقع كي تُقنعك بأنه لا بديل له.
تجعلك تتعاطف… ثم تتركك كما أنت.
وهنا بدأ السؤال المؤلم:
هل المسرح موجود ليُشعرنا بشيء،
أم ليجعلنا نفكّر في ما نشعر به؟
كان هذا السؤال
هو الباب الحقيقي الذي دخلت منه إلى المسرح البريشتي.
بريشت ليس تقنية… بل موقف
أخطأ كثيرون حين اختزلوا بريشت في “التغريب”،
أو في كسر الجدار الرابع،
أو في تعليق لافتة فوق الخشبة.
بريشت لم يكن مهندس حيل مسرحية.
كان مهندس وعي.
كان يرى أن المسرح،
إذا اكتفى بإعادة إنتاج الواقع،
فهو شريك في تثبيته.
لهذا جاء المسرح الملحمي
كمشروع مضاد:
ضد الإيهام،
ضد التماهي،
وضد المتفرّج المريح في مقعده.
في مسرح بريشت،…
الفصل 188: ونوس والماغوط… حين يتحوّل المسرح إلى اعتراف سياسي
لم أنتقل إلى سعد الله ونوس والماغوط بدافع الترتيب الأكاديمي.
انتقلت إليهما لأن بريشت وحده لم يعد يكفي.
كنت قد فهمت المنهج،
وفهمت الخطر،
وفهمت حدود النقل.
لكن السؤال الأكبر ظلّ معلّقًا:
ماذا يفعل المسرح حين يصبح الوعي نفسه مأزومًا؟
وحين لا يعود السؤال: كيف نغيّر الواقع؟
بل: هل ما زلنا نملك القدرة على تخيّل تغييره؟
هنا، دخل ونوس…
ودخل الماغوط…
لا كنماذج تطبيق،
بل كـ اعترافين قاسيين بوجع عربي لا يبحث عن حلّ جاهز.
سعد الله ونوس: المسرح بوصفه مسؤولية أخلاقية
مع ونوس، تغيّر كل شيء.
لم يعد المسرح فعل مواجهة مع السلطة فقط،
بل مواجهة مع الذات.
ونوس لم يكن بريشتيًا بالمعنى المدرسي.
لكنه كان بريشتيًا في الجوهر:
في كسره للطمأنينة،
وفي رفضه للإجابات الجاهزة.
ما شدّني في ونوس
ليس فقط خطابه السياسي،
بل ق…



بقلم: الإعلامي والسيناريست: بوعروة

1770802161063.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى