يحيى بركات - الوعي الوطني ليس ساحة تصيّد (حين يختلط الفاعل بالمفعول به… وتضيع البوصلة)

ليس كل من يختلف معنا خائنًا.
وليس كل تصريح يُنتزع من سياقه فضيحة.
وليس كل قيادة تُنتقد تُشهر بها.
المشكلة ليست في الاختلاف.
المشكلة حين يتحوّل الاختلاف إلى منصة إعدام،
وتتحوّل الكلمات إلى حبال،
وتتحوّل الشاشة الصغيرة إلى محكمةٍ بلا قاضٍ… وبلا ضميرٍ جمعي.
في الأيام الأخيرة، تتكاثر المنشورات كأنها نسخٌ عن بعضها.
النَفَس واحد.
اللغة واحدة.
والنتيجة واحدة:
تخوين من في رام الله واتهامهم ببيع القضية والارتهان.
وتخوين من في غزة واتهامهم بالتآمر واستفراد القرار.
وكأن الحقيقة تقف دائمًا في معسكرٍ واحد،
وكأن الوطنية حكرٌ على طرف،
وكأن الدم الفلسطيني يُقاس بعدسة الفصيل.
الوعي الوطني والسياسي لا يُختبر في لحظة غضب،
ولا في منشورٍ عابر.
الوعي يُختبر حين نملك القدرة على التمييز
بين النقد المسؤول…
والتصيّد الفصائلي.
النقد يُبقي الجسد حيًا.
أما التخوين، فيأكل الجسد من داخله.
غزة… وذريعة لم تكن مطلوبة
يقال اليوم إن المقاومة “استفردت بقرار الحرب”.
وكأن قيادة كيان الاحتلال كانت تنقصها الذريعة.
وكأن ما سبق الحرب كان رخاءً وحريةً وسيادة.
وكأن غزة لم تكن سجنًا مفتوحًا،
وحصارًا محكمًا،
وموتًا مؤجلاً بالتقسيط.
من يريد أن يُحمّل طرفًا فلسطينيًا كامل مسؤولية الإبادة،
يتجاهل حقيقة أبسط من كل الجدل:
أن مشروع الإبادة لا يحتاج إلى مبرر.
يحتاج فقط إلى قرارٍ مُسبق… وقد كان.
الاحتلال لم يبدأ شهيته في ذلك اليوم.
كان ينتظر لحظة التنفيذ، لا لحظة الإقناع.
لكن بدل أن نُبقي البوصلة على مصدر الجريمة،
ينشغل بعضنا بإعادة توجيهها نحو بعضنا البعض.
فتُفتح معارك جانبية،
وتُستدعى أرشيفات،
وتُقصّ مقاطع،
وتُقتطع جمل،
وتُعلّق المشانق الرقمية على أعمدة التعليقات.
وهنا يصبح الوعي الوطني ساحة تصيّد.
الضفة… حين يتّسع المشهد ولا يتبدّل الجرح
لكن ماذا عن الضفة؟
هناك، في وضح النهار،
تُهدم المخيمات قطعةً قطعة.
تُقتلع الأزقة التي وُلدت فيها الحكايات.
يُهجَّر الناس قسرًا.
تُغلق الشوارع ببواباتٍ حديدية
كأن المدن صناديق يُتحكم بمفاتيحها من بعيد.
هناك
اغتيالاتٌ يومية.
اعتقالات ليلية ونهارية.
اقتحام جامعات.
هدم بيوت.
حواجز تقطع الجغرافيا إلى مربعات معزولة.
مستوطنون يهاجمون القرى،
يحرقون البيوت،
يقتلعون الزيتون،
ويصل بهم الأمر إلى استخدام الجرافات لهدم تجمعات سكانية كاملة،
وطرد سكانها،
وتهديدهم بأن العودة تعني الاحتراق أحياء.
هذا يحدث.
الآن.
لا في زمنٍ بعيد.
فهل يصبح المنطق أن نحمّل السلطة – بوصفها إدارةً مدنية محدودة الصلاحيات –
مسؤولية مشروع احتلالٍ مبيّت، مستمر، ومخطط له منذ عقود؟
هل دورها إداري؟ نعم.
هل تملك سيادة على الأرض؟ لا.
هل تتحكم بالسماء أو الحدود أو الجيش أو المستوطنين؟ لا.
هذا لا يعفيها من النقد.
ولا يحوّلها إلى كيانٍ مقدّس.
لكن تحميلها مسؤولية فعل الاحتلال نفسه
هو خلط متعمّد بين من يُدير حياة الناس تحت السقف المنخفض،
ومن يُسقِط السقف أصلًا.
حين يهدم الاحتلال مخيمًا،
فالجرافة ليست فلسطينية.
وحين يُغتال شاب على حاجز،
فالزناد ليس في يد رام الله.
وحين يُحرق مستوطن بيتًا،
فالنار ليست قرار مجلس وزراء فلسطيني.
الوعي الوطني يقتضي أن نُبقي العنوان واضحًا.
الاحتلال هو الفاعل.
أما أن نحول كل جريمة إسرائيلية إلى مادة لتخوين فلسطيني،
فهنا تصبح اللغة شريكًا غير مباشر في الجريمة.
يختفي الفاعل الحقيقي من الجملة،
ويصبح الفلسطيني هو المتهم الأول في كل مشهد.
الأخطر أن هذه اللغة تتزامن مع نقاش مسودة الدستور.
نناقش نصًا يُفترض أنه ينظّم دولة،
في لحظة لا دولة قائمة فيها.
نناقش مواد وصلاحيات وتقسيمات،
ولا يوجد حامل سياسي وطني جامع يُجسّد الإرادة الجمعية.
كمن يضع مخطط الطابق العاشر،
ويختار لون الجدران،
ويختلف على شكل الشرفة،
في عمارة لم تُصبّ أساساتها بعد.
حتى الأرض لم تُسوَّ بعد،
والخرسانة لم تُسكب،
ومع ذلك نتشاجر على الستائر.
هذا لا يعني رفض النقاش.
ولا تحريم التفكير بالمستقبل.
بل يعني أن ترتيب الأولويات هو جوهر الوعي السياسي.
لا دستور بلا دولة.
ولا دولة بلا حامل سياسي جامع.
ولا حامل سياسي جامع في ظل ثقافة التخوين المتبادل.
كيف نصل إلى مجلس وطني منتخب من الداخل والشتات
إذا كنا نسقط بعضنا بعضًا قبل أن نجلس إلى طاولة واحدة؟
كيف نبني إطارًا وطنيًا مقاومًا جامعًا
إذا كان كل فصيل يرى في الآخر مشروع خيانة؟
معركة الوعي
القضية أكبر من فصيل.
وأكبر من سلطة.
وأكبر من مقاومة تُختزل في منشور.
الوطن ليس مساحة لتصفية الحسابات.
هو مساحة لبناء الجسر… لا لحرقه.
ليس المطلوب أن نصمت.
ولا أن نقدّس أحدًا.
ولا أن نجمّل الأخطاء.
المطلوب أن نرتقي باللغة.
أن نحفظ البوصلة.
أن نفهم أن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض.
الاحتلال يمارس الهدم بالجرافة.
فلنحذر أن نمارسه نحن بالكلمة.
فالانقسام ليس قدرًا.
لكنه يتحوّل إلى قدر
حين نُطعمُه من كلماتنا،
ونسقيه من غضبنا،
ونمنحه شرعية باسم “الحرص”.
إذا كنا جادين في البحث عن حامل سياسي وطني مقاوم جامع،
فالخطوة الأولى ليست مادة في دستور،
ولا فقرة في بيان،
بل استعادة الحد الأدنى من الثقة المتبادلة،
والاعتراف بأن الدم واحد،
وأن الخطأ – إن وُجد – يُعالج بالحوار،
لا بالمشانق الرقمية.
الوعي الوطني ليس ساحة تصيّد.
هو مساحة مسؤولية.
ومن لا يستطيع أن يبني…
فليتوقف على الأقل عن الهدم.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



1770895706666.png 1770895747998.png 1770895777703.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى