عصري فياض - صرخةُ "روتانا الرجب" بددتْ شبحَ التَهْجِير

كلُّ تفاوضٍ مع المحتلِ مضنيٌ حتى يكادُ أن يُخرجَ الروحْ...إن وافقَ مرغماً على أمرٍ ما...فإن النصَ الذي يوقع والذي لا تحتملُ عباراته التأويل،فإنه قادر بمكرٍ وخبثٍ على تأويل حروفِه قبل الكلمات،وصناعة التشيكل الذي يحلو لهُ قبلَ الحركاتْ،وخلقِ
الظروفِ التي تقلبُ المعني،وتلوي رقاب النصوصِ بما يشتهي،وتشتهي رغباته ُ الواسعة،ومخططاتِهِ التي تُبررُ الوسيلة...
بعدَ عامين من حربِ الإبادة والبطشِ الغير مسبوق،جاء داعمهم ومناصرهم سيدُ البيتِ الأبيضِ ترامب بعد أن إستشعر الخوف علىهم بنقاطة العشرين،التي كانت عبارةً عن جملةٍ من الالتزامات،من بينها التزامُ الجانب الإسرائيلي بفتحِ معبرِ رفح في الاتجاهين في المرحلة الأولى،حكومة نتنياهو بقيت تماطلُ أكثرَ من مئة يومٍ بجحةِ الجثمانِ الأخير تارةً،وحججٍ مبتدعةٍ تارةً أخرى،وعندما وافقتْ على مضض قالت وهي تبلغ غيضها،وتسك ُ على اسنانها: بالاتجاه الواحد ... الذهابُ دون الإيابْ...وتحت اشرفنا أمنيا وإجرائيا وسياسيا ومزاجيا،من الاف الي الياء...ضج الوسطاء،ضاقتِ النفوسُ العالمين َخوفاً من الانهيار،فعادَ، وتظاهرَ بالموافقة ِ،لكن بهندسةٍ هو يرسمُها ويتحكمْ بها من قريبٍ ومن بعيدْ...
من مئتيّ شخصٍ خروجاً ومثلهم دخولاً قبل التنفيذ،أُخْتُزِلَ في اليوم الأول العدد الى اثنىَّ عشرَ شخصاً من العائدين،وخمسون مرضى ومرافقيهم من الخارجين،وإنتظرتْ وسائلِ الاعلامِ المحتشدةِ ساعاتٍ طويلةٍ لترى الخطواتِ الأولى التي ستطأ ارضَ غزةَ بعد مغادرتها للاستشفاءِ دام َنحوَ عامٍ ونصفْ... في الحقيقةِ لم يكنْ المشهدُ يعبر عن مسافرٍ عائد،أو مريضٍ شفي،أو مصابٍ برأ وعادت له العافية،بل تجاوزَ المشهدُ كلَّ تلك المعاني والحالاتْ... والمفاهيم ُ والاعتباراتْ،فإلمشهد المُعَبِر والمأثر كان العائدة الأولى "روتانا الرجب"،التي إنفجرت بالصراخ الباكي الشاكي المناشدِ المطالبِ عندما قالت:- " لا تهاجروا من غزة"... التهجير موت...ابقوا في القطاع..."
هذه الكلماتُ المكلومةُ الساخنةُ التي عبرت عن صعوبةِ العيش ومرارته خارجَ الوطنْ وكأنه الموت الزوآم،والحزنُ العميقُ المستدام،لم تكن خطابا شعبويا يصطنعه قائل،بل اننفجار تلقائي لصدر بالاثقال مكتبوت،شَحَنَهُ ذلِّ البعدِ عن الوطن، وغربةُ الروحْ،الذي وبالرغم من أن نار جهنَّم التي صبتْ عليه صبا لأكثر من سنتين ومازالت،فإن التهجير أو البعد عنه اقسى بكثير،واشدُ على النفسِ وحشةً وتنكيلْ،وأمضى ألماً من كلِّ ما قالَ فيه الوصفُ وقيل...
رسالةٌ كانت من قلبٍ موجوعٍ معلولْ،غُسِلَتْ بالحسرةِ والدموعْ،وعناقٍ لو تركتْ حريةُ البقاءِ له لدام َطويلاً يداوي رمادَاً ما بين الضلوعْ...
صرخةُ " روتانا الرجب " قذفت جبينَ التهجيرِ الاوحشِ بنورِ العودة... لقد قلبتَ كلماتها تياراً عاصفاً عملَ الأعداء على جعلهِ بإتجاهِ الغرب،نحوَ الفناء،فأعادته إلى الوراء،بل وقلبتهُ عكسياً ليعودَ بأنفاسهِ رياحا إلى الغرب أصل الغراسِ والانتماءْ...
اليوم ُخابَ من ظنَّ أن اقتلاعنا من حيثُ كنا وكانَ اجدادنا سهلٌ ممكنٌ مضمون،فنحن لسنا شجر جذرهُ في عمقِ الأرضِ مدفونٌ فحسب...أو لغةُ وتراث ٌوهويةٌ وحراسَ مقدساتٍ وتاريخٌ وجغرافيا وديمغرافيا يهابُ قنبلتها الغاصبون الحائرون...لا بل نحنُ الذين تقلبُ حُرَّةٌ منا إتجاهَ الاعصارِ والريح، وتُخرسُ في الافاعي الحسيسَ والفحيح،فينا،واضعفنا،من تكسرُ في وعيِّ عدونا أوهامه،وتبددُ أحلامه ،وهو في نشوة "نصره" المزعوم...
شعبُ فينا "روتانا الرجب"وغيرها،كأنه يملك ُ فيلقاً من فراسانٍ يطلقونَ لخيولهمْ العنان،بل الفٌ من الملائكة مردفين...يَشْرَبْنَ من عينِ بَدر،ويُكللن بالكوفية الفلسطينية جبه سلمانَ الفارسي حافرَ الخندق،ويَنُبن عمن نزلوا عن جبل ِ احدٍ واضاعوا البيرقْ،يحولن صحراء تبوك الى رحى تطحنُ الأوهامَ والعظام،ولا يغادرنَ التحلق بمحمدٍ يوم حنين... وتلعلع زغاريدهن عندما يدخل المؤمنينُ مكةَ فاتحين مهللين...هُنَّ فاطمةَ وخولةَ وأم عمارة َ وأم البنين وزينب،هُنَّ جميلة وشادية ودلال وسناء وعطاف وهنادي...وكلِّ من أرضعتْ مولوداً على الثرى المقدسِ الارحبْ...
هذهِ هيَ السيّدةُ الفلسطينية،إذا تاه الرجالِ من فرطِ ما توالي المطارقُ على رؤسهم وظلوا ...
قلن لهم :- هذا هو درب الحق،وهذا هو إتجاهُ البيرقْ... هذا هو ديننا ... وهذه هي دنيانا التي نبغي...هذه هي فلسطين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى