منال ياسين - شاعر الأمراء...

منذ زمن طويل وأنا أرغب في الحديث عن أحمد شوقي، الملقب بـ «أمير الشعراء» ، ذلك اللقب الذي لم أقتنع به يومًا، ولم أستطع أن أمنحه إياه في نفسي .
انا لم أحب شعره قط، وأرى أنه لا يستحق هذا اللقب، وأتفق مع رأي العقاد حين وصفه قائلا بأن شعره يفتقر إلى حرارة الإحساس، وأنه شاعر الأمراء وخادم السلطة، وهي رؤية أجد فيها كثيرًا من الصواب.

لقد بدأتُ نفوري منه بسبب موقفه من أحمد عرابي، الزعيم الوطني الكبير.

تخيلوا معي هذا المشهد: عرابي، الفلاح المصري، يقف في مواجهة الخديو رمز السلطة التي فتحت الطريق أمام الاحتلال الإنجليزي، بينما يقف أحمد شوقي في صف الخديو، ولي نعمته. فقد كان يعمل في قصر الخديو توفيق، ثم في قصر ابنه عباس حلمي.

وحين نُفي عرابي إلى سيلان عشرين عامًا، ذاق خلالها مرارة الغربة والمرض والعذاب، كان مصطفى كامل يهاجمه في جريدة «اللواء»، ويحمله مسؤولية الاحتلال، وانهالت عليه حملات النقد والسباب، وكان أحمد شوقي، بطبيعة الحال، واحدًا ممن ساروا في هذا الاتجاه.

ولما اشتد الحنين بعرابي إلى وطنه وكبر سنه وازداد مرضه ، أراد أن يعود ليموت في أرض مصر، اضطر إلى أن يبعث برسالة إلى ملكة بريطانيا يلتمس فيها السماح له بالعودة، فكان له ما أراد.

وربما يرى بعض الناس أن هذا التصرف لا يليق بزعيم، لكننا لا نعرف مقدار ما قاساه في منفاه، ولا حجم الشوق الذي كان يعتصر قلبه ليعود إلى وطنه ويدفن في ترابه. وكان الاحتلال قد ترسخ بالفعل، وأصبح واقعًا مفروضًا.

وحين عاد، استقبله أحمد شوقي بثلاث قصائد من الهجاء، أشهرها تلك التي استهلها بقوله:

صغارٌ في الذهاب وفي الإيابأهذا كل شأنك يا عرابي؟

يا لها من كلمات موجعة!

وعاش عرابي بعد عودته منزوياً بعيدًا عن الناس. ويُروى أنه خرج يومًا وجلس في أحد المقاهي، فجاء رجل وبصق في وجهه، فعاد إلى بيته، ولم يغادره بعد ذلك حتى وفاته.

وحتى خبر وفاته، نشرته جريدة «اللواء» مقرونًا بالحديث عن مسؤوليته عن الاحتلال، وكأن الرجل لم يدفع ثمن ما جرى عليه سنوات طويلة من النفي والعذاب . وكان كثير من الناس قد نسوه، وأجيال كاملة لم تعد تعرف حقيقته، فأعيد شحن النفوس ضده مرة أخرى، حتى قيل إن جنازته لم يسر فيها إلا القليل.

ويروي ابن أحمد شوقي في كتابه عن والده أن شوقي ندم فيما بعد على هجائه لعرابي، وأن ذلك كان تنفيذًا لرغبة الخديو.

ويذكر أيضًا أنهما التقيا ذات يوم في أحد قطارات السكك الحديدية، فنهض شوقي لمصافحة عرابي، ودعاه إلى الجلوس معه، لكن عرابي رد عليه بكلمات مقتضبة، ورفض الجلوس، ثم انصرف.

كلما قرأت هذه الرواية، تخيلت هيبة عرابي ووقاره، وخجل شوقي من نفسه.

ويقال إن شوقي قال بعد ذلك: «لو جلس معي لاعتذرت إليه عن هجائي له.»

ولكني أرى أن هذا القول لا يغير شيئًا. فما قيمة الاعتذار الذي لم يُقدَّم؟ وما نفع الندم الذي بقي حبيس النفس حتى مات الرجل كمدًا ، دون أن يسمع كلمة اعتذار واحدة؟

ولهذا كله، لا أرى أن أحمد شوقي يستحق لقب «أمير الشعراء».

ولم أحب من شعره إلا «نهج البردة»، أما سائر شعره، ففي نظري، لا يكاد يتجاوز حدود كتب المناهج الدراسية. وأجدني أميل إلى ما قاله العقاد عنه: إنه شاعر صنعة أكثر منه شاعر فطرة، وشاعر تكلّف أكثر منه شاعر إبداع وأن شعره يعتمد على الزخارف اللفظية ولا يعبر عن شخصية قائله .

إننا بحاجة إلى أن نقرأ تاريخنا قراءةً منصفة، وأن ننظر إلى الشخصيات كما هي، لا كما أراد المنتصرون أو أصحاب السلطة أن يقدموها لنا. وأن يأخذ كل إنسان حقه، فلا يُظلم مخلص، ولا يُرفع منافق، ولا تُطمس الحقائق.

إن التاريخ يستحق أن يُكتب من جديد.

رحم الله أحمد عرابي رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته.

ملحوظة :
يُقال إن أحمد عرابي عاد من منفاه وهو يحمل معه شجرة مانجو، وأنه أول من أدخل المانجو إلى مصر. ولا أدري مدى دقة هذه الرواية، لكن مجرد تخيل هذا المشهد مؤثر للغاية .. رجل يعود بعد سنوات المنفى الطويلة، ويحمل معه شيئًا جميلًا ليزرعه في وطنه الذي أحبه.
رحمه الله عرابي باشا زعيم الفلاحين ، وغفر له، وجعل مثواه الجنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى