خالد صالح عطية - بعد اكتمال الانكشاف: هل ما زال التفكير ممكنًا؟

يأتي هذا النص بوصفه اشتباكًا نقديًا مع الجزء السادس من سلسلة الدكتورة غانية ملحيس، لا من موقع التلخيص أو التعليق، بل من موقع مساءلة ما يترتب على اكتمال التحليل البنيوي ذاته. فإذا كانت السلسلة قد كشفت منطق الإبادة ونزع السياسة بوصفهما انتظامًا لا استثناءً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال الفهم، بل سؤال ما بعد الفهم: ماذا نفعل حين ينكشف النظام دون أن ينهار؟ وأين يتموضع التفكير حين يصبح مهددًا بأن يُدار هو نفسه؟ هذا النص محاولة للإقامة داخل هذا المأزق، لا القفز فوقه.

ليس الجزء السادس من سلسلة الدكتورة غانية ملحيس إضافة شكلية إلى الأجزاء السابقة، بل هو تحوّل نوعي في طبيعة النص نفسه: انتقال من تحليل بنيوي للإبادة الحديثة إلى اختبار حدود هذا التحليل حين يخرج من يد الكاتب ويدخل حقل القراءة الجماعية. هنا لا يعود السؤال: هل التحليل صحيح؟ بل: ما الذي يفرضه هذا التحليل علينا سياسيًا ومعرفيًا؟ وأين يتوقف التفسير، ويبدأ المأزق؟
القيمة الأساسية لهذا الجزء لا تكمن في توثيق التفاعلات، بل في ما يكشفه هذا التفاعل نفسه: أن الإبادة لم تعد تحتاج إلى من يبررها، بل إلى من يدير فهمها؛ وأن القارئ، حتى وهو يمارس النقد، مهدد بأن يُعاد إدخاله – لغويًا ومعرفيًا – إلى منطق النظام الذي يسعى إلى تفكيكه. بهذا المعنى، يصبح الجزء السادس اختبارًا مزدوجًا: للنص، وللقراء، ولحدود الفعل الممكن بعد انكشاف البنية.

أولًا: حين يتحول “النجاح البنيوي” إلى مأزق سياسي

إحدى أخطر خلاصات هذا الجزء – والتي تتقاطع بوضوح مع مفهوم نزع السياسة – هي تثبيت فكرة أن النظام الدولي لا يفشل في فلسطين، بل ينجح فيها. غير أن هذا التثبيت، على قوته التحليلية، يضعنا أمام مأزق جديد:
إذا كان النظام ينجح في إدارة الإبادة، فهل يكفي كشف هذا النجاح بوصفه فعلًا سياسيًا؟
التحليل البنيوي، حين يبلغ هذا المستوى من الدقة، يهدد بأن يتحول – دون قصد – إلى معرفة مكتفية بذاتها. معرفة ترى كل شيء، تفسّر كل شيء، لكنها تترك سؤال الفعل معلّقًا في الهواء. لا لأن الفعل مستحيل، بل لأن شروطه لم تُعاد صياغتها بعد خارج منطق النظام. هنا يظهر خطر حقيقي: أن يتحول كشف منطق الإدارة إلى تطبيع معرفي مع استحالة السياسة.
ما يكشفه الجزء السادس، من خلال التفاعلات، هو أن الانكشاف وحده لا يكفي. فالنظام الذي يدير الإبادة قادر أيضًا على إدارة نقدها، واحتواء لغتها، وتحويلها إلى “تشخيص عميق” بلا أثر سياسي. هذا لا ينتقص من التحليل، لكنه يفرض عليه سؤالًا إضافيًا: كيف نمنع التحليل من أن يصبح أحد أشكال الاستقرار المعرفي؟

ثانيًا: نزع السياسة لا يتوقف عند اللغة

أحد أهم إسهامات السلسلة، كما يظهر بوضوح في الجزء السادس، هو إظهار أن نزع السياسة يتم عبر اللغة قبل أن يتم عبر القوة. غير أن التفاعل الجماعي يكشف مستوى أعمق: نزع السياسة لا يتوقف عند إنتاج اللغة، بل يستكمل نفسه عبر غياب الحامل السياسي.
النظام لا يكتفي بتحويل الصراع إلى أزمة إنسانية أو تقنية إدارية، بل يعمل – بالتوازي – على تفكيك أي إمكانية لتمثيل سياسي خارج شروطه. هنا لا يعود غياب السياسة نتيجة قمع مباشر، بل نتيجة غياب البنية التي يمكن أن تحتضنها. ولهذا، فإن السؤال الذي يطرحه الجزء السادس ضمنيًا – ولم يُجب عنه صراحة – هو:
هل يمكن استعادة السياسة دون استعادة حاملها الاجتماعي والتنظيمي؟
التحليل البنيوي يكشف كيف تُدار الإبادة، لكنه لا يعفي من التفكير في كيف يمكن كسر هذا الانتظام من الأسفل، لا عبر خطاب بديل فقط، بل عبر إعادة بناء أشكال تمثيل لا تُختزل إلى سلطة، ولا تُحتوى كحوكمة. هذا هو الحد الذي ينبغي أن يُدفع إليه مفهوم نزع السياسة: من التشخيص إلى إعادة طرح سؤال التمثيل.

ثالثًا: من وهم الانسداد إلى إعادة تعريف الفعل

يُحسب للجزء السادس أنه يواجه – ولو ضمنيًا – تهمة شائعة: أن هذا النوع من التحليل يقود إلى الانسداد واليأس. لكن ما تكشفه التفاعلات هو العكس تمامًا: الانسداد الحقيقي هو الاستمرار في البحث عن الفعل داخل شروط النظام ذاته.
الفعل السياسي، كما يوحي النص، لا يبدأ حين يسمح النظام به، ولا حين تتغير موازين القوى، بل حين يُسحب الصراع من اللغة التي تجعل إدارته ممكنة. وهذا لا يعني تبني رومانسية ثورية، ولا الدعوة إلى مغامرة انتحارية، بل إعادة تعريف الفعل بوصفه إخراج السياسة من موقع الإدارة.
هنا تتقاطع أطروحة السلسلة مع سؤال عملي شديد الإلحاح:
ما العمل في ظل استمرار القتل، واستنزاف القدرة على الاحتمال، وغياب أفق سياسي تقليدي؟
الجواب الذي يلمح إليه الجزء السادس – دون أن يصوغه كبرنامج – هو أن السياسة لا تُستعاد دفعة واحدة، ولا عبر إعلان كبير، بل عبر تفكيك شروط إدارتها اليومية: في اللغة، في الزمن، في تمثيل الألم، وفي رفض تحويل الحياة إلى ملف إنساني طويل الأمد.

أخيرًا: ما الذي يطالبنا به هذا النص؟
الجزء السادس لا يقدّم خلاصة، بل يضع القارئ أمام مسؤولية. مسؤولية أن لا يكتفي بفهم كيف يعمل النظام، بل أن يسأل: كيف نمنع أنفسنا من العمل داخله دون وعي؟
هذا النص لا يدعونا إلى انتظار انهيار النظام، ولا إلى التعويل على بديل جاهز، بل إلى إعادة بناء السياسة من موقع هشّ، غير مكتمل، لكنه صادق: من داخل المجتمع، لا من فوقه؛ من داخل التجربة، لا من قاعات الإدارة؛ ومن داخل السؤال المفتوح، لا من وهم الحل النهائي.

بهذا المعنى، الجزء السادس لا يُغلق السلسلة، بل يضعها في أخطر مراحلها:
مرحلة ما بعد الفهم، حيث يصبح التفكير نفسه فعلًا سياسيًا، أو جزءًا من إدارة الصمت.
وهنا، لا يعود السؤال:
هل كشفنا النظام؟
بل: هل نملك الشجاعة لنفكّر ونتكلم ونتحرّك خارج اللغة التي تجعله ينجح؟
هذا هو الامتحان الحقيقي الذي يتركنا عنده هذا النص .

بقلم: خالد صالح عطية
١٣ فبراير ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى