عادةُ، ما تسعى إلى تحقيقِه السياسات العمومية، هو خدمةُ الوطن وإسعادُ سكان ِهذا الوطن. فما هي خِدمة الوطن وما معنى إسعادُ سكان الوطن ومَن يقوم بهذه الخدمة وهذا الإسعاد؟
خدمة الوطن تعني جعلُه بلدا قويا وله جبهة داخلية يُقام لها ويُقعد في جميع المستويات والمجالات. فمن أين تأتي هذه القوة وكيف تتكوَّن هذه الجبهة؟
القوة، بمعناها الحقيقي والمعنوي لا تأتي لا من أقوى الاسلِحة ولا من أقوى الجيوش. القوة تأتي وتنبع من العقول البشرية النيِّرة والمستنِيرة. والعقول البشرية هي التي تصنع أقوى الأسلِحة والجيوش. وأعني بالعقول البشرية، العقولَ المُنتِجةَ أو المُبدِعة للافكار في جميع المجالات والمُسلَّحة بالفكر النقدي la pensée critique، أي العقول المُتفتِّحة والمُتحرِّرة فكرياً واجتماعياً. فكرياً كونُها لا تؤمن إلا بما يفرٍضه العقل والمنطق. اجتماعياً كونُها لا تؤمِن إلا بما هو مُتلائمٌ علمياً مع الواقع.
أما تكوين الجبهة الداخلية، هناك طريق واحِد يؤدِّي له. وهذا الطريق لا ثانيَ له. إنه الاستثمار في الرأسمال البشري. والاستثمار في الرأسمال البشري يتحقَّق من خلال منظومة تربوية وتعليمية من الطِّراز العالي، أي ذات جودةٍ ومردودِيةٍ عاليتين، وكذلك، من خلال منظومة صحية تستجيب لتطلَّعات وطموحات الشعب المغربي.
بينما إسعادُ الناس، هو تمكِينُهم من كرامة العيش. والأحزاب السياسية التي وصلت إلى البرلمان وإلى الحكومة، أي إلى تدبير الشأن العام، عن طريق الانتخابات، هي التي تقوم، بواسِطة السياسات العمومية، بهذه الخدمة وبهذا الإسعاد.
وعندما قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إن الحكومات، المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام، يجب أن "تُعطِ قيمةً للمواطنين"، فالمقصود هو بناء الإنسان المغربي بناءً يستجيب لتطلُّعات البلاد والعباد، أي الإنسان الذي يُساهم، بفكره في تطوُّر وازدهار الوطن. فكيف يُبنَى هذا الإنسان؟ هذا البناء تشترِك فيه منظومتان أساسِيبان، هما ألمنظومة التربوية/التَّعليمية والمنظومة الصحية. الأولى تهتمُّ ببِناء شخصية المُتعلِّمين، فكرياً وتربوياً والثانية تهتمُّ بصحتهم طبقا للمَقولة الشهيرة، "العقل السليم في الجسم السليم".
لاحِظوا معي أنني قلتُ "المنظومة التربوية /التعليمية". لماذا؟ لأنه، عادةً، التعليم ليس هو التربية والتربية ليست هي التعليم. هذا الأخير يّبلِّغ المعرفة، وبالتالي، يُغني الرصيدَ المعرفي للمتعلِّمين. وهذه المعارف، من المفروض، أن تمكِّنَ المُتعلمين من فهم وإدراك ما يحيط بهم من أشياء ومٌكوِّنات الحياة (وسط العيش) بجميع مظاهِرها البيولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية، الطبيعية، البيئية…
أما التربية، فهدفُها الأول والأخير، هو بناءُ شخصية المُتعلِّمين. ولهذا، فالمُدرِّس عندما يكون مُنشغِلاً في إلقاء درسٍ ما، فإنه، في نفس الوقت، يُعلِّم، من خلال تبليغ المعرفة، ويُربِّي، مساهمةً منه في بناء شخصية المتعلِّمين. إذن، التعليم بدون تربية، هو نوعٌ من ترديد ما يبلِّغه المدرِّس من معارف بدون فائدة، أي نوع من الببغائية le psittacisme. والتربية، مفعولُها يحدث أثناء تبليغ المعرفة. وهذا هو ما نُسميه، عادةً، "جودة التعليم"، أي التعليم الذي يكون مقترِنا بالتربية، أي ببناء شخصية المُتعلِّمين. وهذا هو التعليم الذي يجب أن يكون جوهرَ السياسات العمومية التعليمية/التربوية. وأهم العناصر التي لها علاقة ببناء شخصية المتعلمين، هي المواطنة المشفوعة بالقِيم الإنسانية السامية والأعراف الاجتماعية التي، من شأنِها أن تساعدَ المُتعلِّمين على التّنشِئة ألاجتماعية la socialisation والاندماج في المجتمع والاستِقلالية l'autonomie، أي الاعتِماد على النفس، والشعور بالمسئولية ونمو الفكر النقدي développer l'esprit critique وحل المشكلات la résolution des problèmes وتكافؤ الفرص l'égalité des chances…
أما المنظومة الصحية، فلا تقل أهميةً عن المنظومة التربوية والتعليمية. إنها تُساهم في الحفاظ على الوحدة l'intégrité الجسدية physique والعقلية mentale. وهي واحدة من العناصر التي تُساهٍم في توفير كرامة العيش la dignité humaine. وإذا اقترن الحفاظُ على الوحدة الجسدية والعقلية بتربية وتعليم جيِّدين، فإن المتعلمين يعرفون ويتعلَّمون كيف يحافظون على صحَّتهم بأنفسِهم ويتعلَّمون طرقَ الوقاية من الأمراض. وبصفة عامة، الاعتناء بالصحة له علاقة بالرفاهية والاستقرار النفسي (المعنوي) والجسدي، علماً أن كل شخصٍ يتمتَّع بصحة جيدة ومستوى تعليمي وتربوي عالي الجودة، له القدرة على المساهمة، بكيفية أو أخرى، في تطوُّر البلاد وازدهارِها، وكذلك، في الالتئام الاجتماعي la cohésion sociale.
ولهذا، فأيةُ سياسة عمومية اجتماعية لا تضع ضمنَ أولوياتها توفيرَ كرامة العيش ومستوى عالي من التربية والتعليم وتوفير صحة جيِّدة، فإنها، كما جاء في عنوان هذه المقالة، وهمٌ على وهمٍ. وهذا يعني، بصفةٍ عامةٍ، أن السياسات العمومية، إن لم يكن من ضمنِ أهدافِها، بناءَ الإنسان المغربي، فلا جدوى منها. لماذا؟
لأن توفيرَ كرامة العيش ومستوى عالي من التربية والتعليم وتوفير صحة جيِّدة لهما ارتباطٌ وثيقٌ بحقوق الإنسان. وحقوق الإنسان مضمونةٌ دستورياً. وكل ما تُخطِّطه الحكومات من سياساتٍ عموميةٍ يدخل في هذه الحقوق. وحتى البنيات التَّحتِية التي هي إنجازات ملموسة على أرض الواقع، تُساهِم، هي الأخرى، في تعزيز كرامة العيش. وهو ما تضمنُه البنيات التَّحتِية التي لها علاقة مثلا بالاستفادة من الخدمات الأساسية كالتَّزويد بالماء والطاقة والتَّطهير وتلك التي تضمن النقل والتِّنقُّل وتلك التي تضمن الاستفادة من التربية والتعليم والصحة…
ولهذا، فأيَّة حكومة، كيفما كانت توجُّهاتُها الإيديولوجية، أي كانت يسارية، يمِينة وسطية، ليبرالية، اشتراكية، ذات مرجعية إسلامية…، إن لم يكن من ضمن أهداف سياساتها العمومية بناء الإنسان المغربي، فهي ضياعٌ للمال العام وللطاقة البشرية وبدون فائدة تعود بالنفع على البلاد والعباد. مثلا، عندما تكون إحدى السياسات العمومية مخطَّطٌ لها للقضاء على الفقر، والفقر لا يزال موجوداً في المجتمع المغربي، فهذا دليلٌ قاطعٌ على أن هذه السياسة العمومية فشلت في أداء مهامها. لماذا؟
لأن هذه السياسة ألعمومية، عوض أن تتصدى للفقر كآفةٍ اجتماعية تتطلب، أولا وقبل كل شيء، بناءَ الإنسان المغربي، فإنها تقضي على علامات (أعراض) symptômes الفقر، لفترة معيَّنة، ثمَّ يعود هذا الفقر عندما ينتهي العملُ بالسياسة العمومية. وما لا يجب نِسيانُه، هو أن بناءَ الإنسان المغربي، إن كانت له بداية، فهو سياق مستمر ويتطوَّر حسب ما يفرضُه الواقع un processus continu et évolutif، أي لا يتوقَّف ما دام الإنسانُ حياًّ. علما أن السببَ الأساسي الذي يكون وراء الفقر، هو عدم توزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد بغدلٍ وإنصافٍ. فما هو المعنى الحقيقي ل"بناء الإنسان"، في هذه الحالة، أي القضاء على الفقر؟
أول خطوة يجب اتخاذُها للقضاء على الفقر، هي التوزيع العادِل والمُنصِف للثروة التي تنتجها البلاد. ثاني خطوة هي أن الشخصَ هو الذي يُغيِّر ظروفَ عيشه وليس جهة أخرى. بمعنى أن خروجَه من دائرة الفقر مرتبطٌ بإرادته. ثالث خطوةٍ هي، إن كان أمِّياً، من الضروري إخراجه من دائرة الأمِّية. والباقي متعلِّقُ بالأرادة القوية للتَّغيير. حينها، يمكن أن يتعلَُمَ كيف يبحث عن شغل وكيف ينمِّي قدراتِه الفكرية والمِهنية عن طريقِ التَّكوين المهني أو كيف يُنشئ مقاولةً أو كيف يُنمِّي كفاءاتِه أو كيف يُحصِّل على قروض أو كيف يدير مواردَه المالية أو كيف يستفيد من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو كيف يصل إلى الاستقلال المالي l'indépendance financière… واللائحة طويلة.
هكذا يجب أن تكون السياسات العمومية التي تسعى إلى تحسين ظروف العيش، إذ يجب أن يكونَ هدفُها هو بناء الإنسان المغربي وليس سياسات عمومية عابرة ينتهي مفعولُها بانتهاءِ العمل بها. ولهذا، فبعض الآفات الاجتماعية لا تزال قائمة الذات إلى يومنا هذا، أذكر، من بينها، مثلاً، الفقرَ والأمِّيةَ والعُزلةَ القرويةَ وجودةَ المنظومتَين التربوية/التَّعلبيمية والصحية واستمرار الفوارق الاجتماعية والتُّرابية والهجرة القروية… وهي آفاتٌ ناتِجة عن سوء تدبير الشأن العام الذي هو من مهامِّ الأحزاب السياسية التي تعاقبت وتتعاقب وستتعاقب على تدبير هذا الشأن. وإلا كيف نُفسِّر استمرار هذه الآفات إلى يومِنا هذا.
ولا داعيَ للقول أن بلداناً كثيرةً استطاعت، في عقودٍ معدودة، أن تقضيَ على هذه الآفات، أو على الأقل، التخفيف من تأثيرها السلبي على اقتصاد البلاد. من بين هذه البلدان، أذكر، على سبيل المثال، البرازيل، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، سنغافورة، ماليزيا… علما أن بلادَنا استقلَّت من قبضة الاستعمار منذ سنة 1956، أي ما يناهز سبعةَ عقود، ولا تزال الآفات المذكورة أعلاه موجودة وتنهك اقتصادَ البلاد وتؤثِّر، سلباً، على حجم الثروة التي تُنتِجها البلاد. مثلاً، كوريا الجنوبية وسنغافورة احتاجتا، فقط، إلى ما بين عقدين وثلاثة للخروج من فئة البلدان السائرة في طريق النمو pays en développement والانتماء إلى فئة البلدان النامية pays développés. وهذا يعني أن الأحزاب السياسية التي أُسنِدَ لها تدبير الشأن العام، كانت تتوفَّر على إرادة سياسية قوية. والإرادة السياسية القوية تفتح الأبواب للقضاء على كل ما من شأنه أن يُعرقلَ مَسيرةَ البلاد نحو التَّقدُّم والتَّطوُّر والازدهار.
خدمة الوطن تعني جعلُه بلدا قويا وله جبهة داخلية يُقام لها ويُقعد في جميع المستويات والمجالات. فمن أين تأتي هذه القوة وكيف تتكوَّن هذه الجبهة؟
القوة، بمعناها الحقيقي والمعنوي لا تأتي لا من أقوى الاسلِحة ولا من أقوى الجيوش. القوة تأتي وتنبع من العقول البشرية النيِّرة والمستنِيرة. والعقول البشرية هي التي تصنع أقوى الأسلِحة والجيوش. وأعني بالعقول البشرية، العقولَ المُنتِجةَ أو المُبدِعة للافكار في جميع المجالات والمُسلَّحة بالفكر النقدي la pensée critique، أي العقول المُتفتِّحة والمُتحرِّرة فكرياً واجتماعياً. فكرياً كونُها لا تؤمن إلا بما يفرٍضه العقل والمنطق. اجتماعياً كونُها لا تؤمِن إلا بما هو مُتلائمٌ علمياً مع الواقع.
أما تكوين الجبهة الداخلية، هناك طريق واحِد يؤدِّي له. وهذا الطريق لا ثانيَ له. إنه الاستثمار في الرأسمال البشري. والاستثمار في الرأسمال البشري يتحقَّق من خلال منظومة تربوية وتعليمية من الطِّراز العالي، أي ذات جودةٍ ومردودِيةٍ عاليتين، وكذلك، من خلال منظومة صحية تستجيب لتطلَّعات وطموحات الشعب المغربي.
بينما إسعادُ الناس، هو تمكِينُهم من كرامة العيش. والأحزاب السياسية التي وصلت إلى البرلمان وإلى الحكومة، أي إلى تدبير الشأن العام، عن طريق الانتخابات، هي التي تقوم، بواسِطة السياسات العمومية، بهذه الخدمة وبهذا الإسعاد.
وعندما قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إن الحكومات، المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام، يجب أن "تُعطِ قيمةً للمواطنين"، فالمقصود هو بناء الإنسان المغربي بناءً يستجيب لتطلُّعات البلاد والعباد، أي الإنسان الذي يُساهم، بفكره في تطوُّر وازدهار الوطن. فكيف يُبنَى هذا الإنسان؟ هذا البناء تشترِك فيه منظومتان أساسِيبان، هما ألمنظومة التربوية/التَّعليمية والمنظومة الصحية. الأولى تهتمُّ ببِناء شخصية المُتعلِّمين، فكرياً وتربوياً والثانية تهتمُّ بصحتهم طبقا للمَقولة الشهيرة، "العقل السليم في الجسم السليم".
لاحِظوا معي أنني قلتُ "المنظومة التربوية /التعليمية". لماذا؟ لأنه، عادةً، التعليم ليس هو التربية والتربية ليست هي التعليم. هذا الأخير يّبلِّغ المعرفة، وبالتالي، يُغني الرصيدَ المعرفي للمتعلِّمين. وهذه المعارف، من المفروض، أن تمكِّنَ المُتعلمين من فهم وإدراك ما يحيط بهم من أشياء ومٌكوِّنات الحياة (وسط العيش) بجميع مظاهِرها البيولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية، الطبيعية، البيئية…
أما التربية، فهدفُها الأول والأخير، هو بناءُ شخصية المُتعلِّمين. ولهذا، فالمُدرِّس عندما يكون مُنشغِلاً في إلقاء درسٍ ما، فإنه، في نفس الوقت، يُعلِّم، من خلال تبليغ المعرفة، ويُربِّي، مساهمةً منه في بناء شخصية المتعلِّمين. إذن، التعليم بدون تربية، هو نوعٌ من ترديد ما يبلِّغه المدرِّس من معارف بدون فائدة، أي نوع من الببغائية le psittacisme. والتربية، مفعولُها يحدث أثناء تبليغ المعرفة. وهذا هو ما نُسميه، عادةً، "جودة التعليم"، أي التعليم الذي يكون مقترِنا بالتربية، أي ببناء شخصية المُتعلِّمين. وهذا هو التعليم الذي يجب أن يكون جوهرَ السياسات العمومية التعليمية/التربوية. وأهم العناصر التي لها علاقة ببناء شخصية المتعلمين، هي المواطنة المشفوعة بالقِيم الإنسانية السامية والأعراف الاجتماعية التي، من شأنِها أن تساعدَ المُتعلِّمين على التّنشِئة ألاجتماعية la socialisation والاندماج في المجتمع والاستِقلالية l'autonomie، أي الاعتِماد على النفس، والشعور بالمسئولية ونمو الفكر النقدي développer l'esprit critique وحل المشكلات la résolution des problèmes وتكافؤ الفرص l'égalité des chances…
أما المنظومة الصحية، فلا تقل أهميةً عن المنظومة التربوية والتعليمية. إنها تُساهم في الحفاظ على الوحدة l'intégrité الجسدية physique والعقلية mentale. وهي واحدة من العناصر التي تُساهٍم في توفير كرامة العيش la dignité humaine. وإذا اقترن الحفاظُ على الوحدة الجسدية والعقلية بتربية وتعليم جيِّدين، فإن المتعلمين يعرفون ويتعلَّمون كيف يحافظون على صحَّتهم بأنفسِهم ويتعلَّمون طرقَ الوقاية من الأمراض. وبصفة عامة، الاعتناء بالصحة له علاقة بالرفاهية والاستقرار النفسي (المعنوي) والجسدي، علماً أن كل شخصٍ يتمتَّع بصحة جيدة ومستوى تعليمي وتربوي عالي الجودة، له القدرة على المساهمة، بكيفية أو أخرى، في تطوُّر البلاد وازدهارِها، وكذلك، في الالتئام الاجتماعي la cohésion sociale.
ولهذا، فأيةُ سياسة عمومية اجتماعية لا تضع ضمنَ أولوياتها توفيرَ كرامة العيش ومستوى عالي من التربية والتعليم وتوفير صحة جيِّدة، فإنها، كما جاء في عنوان هذه المقالة، وهمٌ على وهمٍ. وهذا يعني، بصفةٍ عامةٍ، أن السياسات العمومية، إن لم يكن من ضمنِ أهدافِها، بناءَ الإنسان المغربي، فلا جدوى منها. لماذا؟
لأن توفيرَ كرامة العيش ومستوى عالي من التربية والتعليم وتوفير صحة جيِّدة لهما ارتباطٌ وثيقٌ بحقوق الإنسان. وحقوق الإنسان مضمونةٌ دستورياً. وكل ما تُخطِّطه الحكومات من سياساتٍ عموميةٍ يدخل في هذه الحقوق. وحتى البنيات التَّحتِية التي هي إنجازات ملموسة على أرض الواقع، تُساهِم، هي الأخرى، في تعزيز كرامة العيش. وهو ما تضمنُه البنيات التَّحتِية التي لها علاقة مثلا بالاستفادة من الخدمات الأساسية كالتَّزويد بالماء والطاقة والتَّطهير وتلك التي تضمن النقل والتِّنقُّل وتلك التي تضمن الاستفادة من التربية والتعليم والصحة…
ولهذا، فأيَّة حكومة، كيفما كانت توجُّهاتُها الإيديولوجية، أي كانت يسارية، يمِينة وسطية، ليبرالية، اشتراكية، ذات مرجعية إسلامية…، إن لم يكن من ضمن أهداف سياساتها العمومية بناء الإنسان المغربي، فهي ضياعٌ للمال العام وللطاقة البشرية وبدون فائدة تعود بالنفع على البلاد والعباد. مثلا، عندما تكون إحدى السياسات العمومية مخطَّطٌ لها للقضاء على الفقر، والفقر لا يزال موجوداً في المجتمع المغربي، فهذا دليلٌ قاطعٌ على أن هذه السياسة العمومية فشلت في أداء مهامها. لماذا؟
لأن هذه السياسة ألعمومية، عوض أن تتصدى للفقر كآفةٍ اجتماعية تتطلب، أولا وقبل كل شيء، بناءَ الإنسان المغربي، فإنها تقضي على علامات (أعراض) symptômes الفقر، لفترة معيَّنة، ثمَّ يعود هذا الفقر عندما ينتهي العملُ بالسياسة العمومية. وما لا يجب نِسيانُه، هو أن بناءَ الإنسان المغربي، إن كانت له بداية، فهو سياق مستمر ويتطوَّر حسب ما يفرضُه الواقع un processus continu et évolutif، أي لا يتوقَّف ما دام الإنسانُ حياًّ. علما أن السببَ الأساسي الذي يكون وراء الفقر، هو عدم توزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد بغدلٍ وإنصافٍ. فما هو المعنى الحقيقي ل"بناء الإنسان"، في هذه الحالة، أي القضاء على الفقر؟
أول خطوة يجب اتخاذُها للقضاء على الفقر، هي التوزيع العادِل والمُنصِف للثروة التي تنتجها البلاد. ثاني خطوة هي أن الشخصَ هو الذي يُغيِّر ظروفَ عيشه وليس جهة أخرى. بمعنى أن خروجَه من دائرة الفقر مرتبطٌ بإرادته. ثالث خطوةٍ هي، إن كان أمِّياً، من الضروري إخراجه من دائرة الأمِّية. والباقي متعلِّقُ بالأرادة القوية للتَّغيير. حينها، يمكن أن يتعلَُمَ كيف يبحث عن شغل وكيف ينمِّي قدراتِه الفكرية والمِهنية عن طريقِ التَّكوين المهني أو كيف يُنشئ مقاولةً أو كيف يُنمِّي كفاءاتِه أو كيف يُحصِّل على قروض أو كيف يدير مواردَه المالية أو كيف يستفيد من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو كيف يصل إلى الاستقلال المالي l'indépendance financière… واللائحة طويلة.
هكذا يجب أن تكون السياسات العمومية التي تسعى إلى تحسين ظروف العيش، إذ يجب أن يكونَ هدفُها هو بناء الإنسان المغربي وليس سياسات عمومية عابرة ينتهي مفعولُها بانتهاءِ العمل بها. ولهذا، فبعض الآفات الاجتماعية لا تزال قائمة الذات إلى يومنا هذا، أذكر، من بينها، مثلاً، الفقرَ والأمِّيةَ والعُزلةَ القرويةَ وجودةَ المنظومتَين التربوية/التَّعلبيمية والصحية واستمرار الفوارق الاجتماعية والتُّرابية والهجرة القروية… وهي آفاتٌ ناتِجة عن سوء تدبير الشأن العام الذي هو من مهامِّ الأحزاب السياسية التي تعاقبت وتتعاقب وستتعاقب على تدبير هذا الشأن. وإلا كيف نُفسِّر استمرار هذه الآفات إلى يومِنا هذا.
ولا داعيَ للقول أن بلداناً كثيرةً استطاعت، في عقودٍ معدودة، أن تقضيَ على هذه الآفات، أو على الأقل، التخفيف من تأثيرها السلبي على اقتصاد البلاد. من بين هذه البلدان، أذكر، على سبيل المثال، البرازيل، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، سنغافورة، ماليزيا… علما أن بلادَنا استقلَّت من قبضة الاستعمار منذ سنة 1956، أي ما يناهز سبعةَ عقود، ولا تزال الآفات المذكورة أعلاه موجودة وتنهك اقتصادَ البلاد وتؤثِّر، سلباً، على حجم الثروة التي تُنتِجها البلاد. مثلاً، كوريا الجنوبية وسنغافورة احتاجتا، فقط، إلى ما بين عقدين وثلاثة للخروج من فئة البلدان السائرة في طريق النمو pays en développement والانتماء إلى فئة البلدان النامية pays développés. وهذا يعني أن الأحزاب السياسية التي أُسنِدَ لها تدبير الشأن العام، كانت تتوفَّر على إرادة سياسية قوية. والإرادة السياسية القوية تفتح الأبواب للقضاء على كل ما من شأنه أن يُعرقلَ مَسيرةَ البلاد نحو التَّقدُّم والتَّطوُّر والازدهار.