الجزء الرابع:
كيف نعيد السياسة إلى مكانها…
وما شكل الدولة التي نريد؟
القسم الأول: إعادة السياسة إلى مكانها قبل كتابة النص
إذا كان الخلل في غياب المُوقّع، فالسؤال لم يعد: كيف نحسّن المسودة؟ بل: كيف نُعيد استدعاء المُوقّع؟
لكن، ما معنى أن “نعيد السياسة إلى مكانها”؟
السياسة هنا لا تعني الخلافات اليومية، ولا المناكفات الفصائلية، ولا صراع المواقع والمناصب. السياسة، في معناها الأول، هي قدرة الشعب على أن يقول كلمته في اللحظة التأسيسية. حين تتحول السياسة إلى مجرد إدارة، يتحول الشعب من مصدر للشرعية إلى متلقٍ للقرارات. وهنا تبدأ الأزمة.
إعادة السياسة لا تبدأ بخطاب، ولا بمؤتمر عابر، ولا ببيان دعوة.
إنها تبدأ بإعادة ترتيب السؤال.
فبدلاً من أن نسأل:
"من سيكتب الدستور؟"،
يجب أن نسأل:
"من يملك حق تكليف من يكتب الدستور؟".
الفارق قد يبدو لغوياً، لكنه في الحقيقة جوهري؛ لأن الذي يملك حق التكليف هو الذي يملك الشرعية التأسيسية.
إذا أردنا مساراً واضحاً، فلا بد من ثلاث خطوات لا يمكن تجاوزها:
1. الاعتراف الصريح بأن الشعب
— بكل تجمعاته —
هو السلطة التأسيسية.
2. إيجاد صيغة تمثيل شاملة تعيد تشكيل مرجعية جامعة لتحديد من يملك التفويض.
3. الفصل بين إدارة الحياة اليومية ولحظة التأسيس، فكتابة العقد الأعلى تحتاج إطاراً وتفويضاً مختلفين.
عندها، يصبح الدستور نتيجة لعملية تأسيسية، لا محاولة لتثبيت واقع قائم. الشرعية لا تُستأذن، بل تُنتَج بإرادة داخلية. وإعادة تشكيل المرجعية الجامعة قد تكون المدخل الوحيد لتجاوز الانقسام.
القسم الثاني: أيُّ دولةٍ نريد بعد استعادة التفويض؟
بعد أن حسمنا سؤال “مَن يوقّع؟”، وبعد أن قلنا إن الدستور لا يُكتب قبل أن تستقر الشرعية، يظهر سؤالٌ جديد لا يقل خطورة. ليس سؤال السلطة، بل سؤال الدولة.
أيُّ دولةٍ نريد، إذا استُعيد التفويض فعلاً؟ أيُّ شكلٍ يصلح لشعبٍ عاش كل هذا التمزق؟
الدولة ليست قالباً جاهزاً. هي صورةٌ مكثفة لكيف يريد الناس أن يعيشوا ويحكموا أنفسهم. البداية ليست في تحديد شكل الحكم
(رئاسي أم برلماني)،
بل في تحديد ما الذي يجب أن تحميه الدولة الفلسطينية؟
هناك أركان أساسية، إذا لم تُصمَّم الدولة لحمايتها، ستتحول إلى "دولةٍ على الورق":
أولاً: دولة لا تنسى أنها وُلدت من جرحٍ مفتوح.
يجب أن يُكتب الدستور كتعهّد أخلاقي قبل أن يكون نظام حكم. هل نريد دولة تكتفي بتوصيف نفسها "ديمقراطية" على الورق، أم دولة تعترف صراحةً بأنها تقوم في ظل احتلال وتفكك وشتات، فتبني مؤسساتها على هذا الوعي حتى لا تصير الإدارة بديلاً عن التحرر؟
ثانياً: شكل حكم يمنع عودة الاستبداد وفوضى المؤسسات.
التجارب الانتقالية تخاف من شيئين: عودة "الرجل الواحد"، أو انزلاق الدولة إلى شللٍ دائم. وفي فلسطين، حيث اختلطت السياسة بالإدارة طويلاً، فإن النظام الأنسب هو الذي يضعف احتكار القرار، ويقوي الرقابة البرلمانية والقضائية، ويمنع الاستثناء من أن يتحول إلى قاعدة.
ثالثاً: دولة تعترف بوحدة الشعب، لا بوحدة الجغرافيا فقط.
لا يكفي أن نكتب "الشعب واحد". الشرعية تُصنع عبر المشاركة. كيف نُحوّل الشتات من "ضمير" إلى "مؤسسة"؟ يمكن تحقيق ذلك عبر آليات انتخابية تضمن تمثيل الشتات في مجلس وطني واحد، أو عبر إنشاء مجلسين، أو "غرفة وطنية" تُعنى بالحقوق غير القابلة للتصرف.
الهدف هو منع الدستور من أن يصبح "دستور الداخل فقط".
رابعاً: دولة توازن بين الحقوق الفردية والجماعية.
الحالة الفلسطينية لا تقوم على حقوق الأفراد فقط، بل على حقوق جماعية تاريخية: تقرير المصير، العودة، وحدة الشعب. نريد دولة تحمي الفرد من السلطة، لكنها أيضاً تحمي المجتمع من فقدان قضيته في ثنايا لغة "محايدة".
خامساً: دولةٌ تعرف أن الأمن عقد ثقة، وليس سلاحاً.
يجب أن يكون السلاح في قبضة قرار شرعي واضح، وأن تخضع أجهزة الأمن للقانون والرقابة. القاعدة الذهبية: لا سلطة فوق القانون، ولا أمن خارج الرقابة.
سادساً: دولةٌ لا تبيع روحها باسم "الواقعية".
"الواقعية" التي تبتلع الثوابت ليست واقعية، بل إدارة هزيمة. يجب أن نفصل بين السياسة كتحرير للمعنى، والإدارة كتشغيل يومي.
إذا ابتلعت الإدارةُ السياسةَ، عادت السلطة إلى وظيفتها القديمة: إدارة شعبٍ تحت سقفٍ منخفض.
بعد استعادة التفويض، لن يكون السؤال الأول: كيف نكتب مواداً أجمل؟ بل: كيف نكتب دولة لا تعيد إنتاج ما كسرنا؟
نريد دولة تُحاسَب ولا تُقدَّس. تَسَعُ الداخل والشتات لا بعبارة، بل بكرسيّ في القرار. تحمي الفرد دون أن تنسى أن القضية ليست قضية أفراد فقط. وتعترف بطبيعة لحظتها حتى لا تتحول إلى نص يسبق الواقع ثم يخسره.
وحين تُصاغ الدولة بهذه الروح، لن يكون الدستور نهاية الحكاية…
بل بدايتها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
16/2/2026
كيف نعيد السياسة إلى مكانها…
وما شكل الدولة التي نريد؟
القسم الأول: إعادة السياسة إلى مكانها قبل كتابة النص
إذا كان الخلل في غياب المُوقّع، فالسؤال لم يعد: كيف نحسّن المسودة؟ بل: كيف نُعيد استدعاء المُوقّع؟
لكن، ما معنى أن “نعيد السياسة إلى مكانها”؟
السياسة هنا لا تعني الخلافات اليومية، ولا المناكفات الفصائلية، ولا صراع المواقع والمناصب. السياسة، في معناها الأول، هي قدرة الشعب على أن يقول كلمته في اللحظة التأسيسية. حين تتحول السياسة إلى مجرد إدارة، يتحول الشعب من مصدر للشرعية إلى متلقٍ للقرارات. وهنا تبدأ الأزمة.
إعادة السياسة لا تبدأ بخطاب، ولا بمؤتمر عابر، ولا ببيان دعوة.
إنها تبدأ بإعادة ترتيب السؤال.
فبدلاً من أن نسأل:
"من سيكتب الدستور؟"،
يجب أن نسأل:
"من يملك حق تكليف من يكتب الدستور؟".
الفارق قد يبدو لغوياً، لكنه في الحقيقة جوهري؛ لأن الذي يملك حق التكليف هو الذي يملك الشرعية التأسيسية.
إذا أردنا مساراً واضحاً، فلا بد من ثلاث خطوات لا يمكن تجاوزها:
1. الاعتراف الصريح بأن الشعب
— بكل تجمعاته —
هو السلطة التأسيسية.
2. إيجاد صيغة تمثيل شاملة تعيد تشكيل مرجعية جامعة لتحديد من يملك التفويض.
3. الفصل بين إدارة الحياة اليومية ولحظة التأسيس، فكتابة العقد الأعلى تحتاج إطاراً وتفويضاً مختلفين.
عندها، يصبح الدستور نتيجة لعملية تأسيسية، لا محاولة لتثبيت واقع قائم. الشرعية لا تُستأذن، بل تُنتَج بإرادة داخلية. وإعادة تشكيل المرجعية الجامعة قد تكون المدخل الوحيد لتجاوز الانقسام.
القسم الثاني: أيُّ دولةٍ نريد بعد استعادة التفويض؟
بعد أن حسمنا سؤال “مَن يوقّع؟”، وبعد أن قلنا إن الدستور لا يُكتب قبل أن تستقر الشرعية، يظهر سؤالٌ جديد لا يقل خطورة. ليس سؤال السلطة، بل سؤال الدولة.
أيُّ دولةٍ نريد، إذا استُعيد التفويض فعلاً؟ أيُّ شكلٍ يصلح لشعبٍ عاش كل هذا التمزق؟
الدولة ليست قالباً جاهزاً. هي صورةٌ مكثفة لكيف يريد الناس أن يعيشوا ويحكموا أنفسهم. البداية ليست في تحديد شكل الحكم
(رئاسي أم برلماني)،
بل في تحديد ما الذي يجب أن تحميه الدولة الفلسطينية؟
هناك أركان أساسية، إذا لم تُصمَّم الدولة لحمايتها، ستتحول إلى "دولةٍ على الورق":
أولاً: دولة لا تنسى أنها وُلدت من جرحٍ مفتوح.
يجب أن يُكتب الدستور كتعهّد أخلاقي قبل أن يكون نظام حكم. هل نريد دولة تكتفي بتوصيف نفسها "ديمقراطية" على الورق، أم دولة تعترف صراحةً بأنها تقوم في ظل احتلال وتفكك وشتات، فتبني مؤسساتها على هذا الوعي حتى لا تصير الإدارة بديلاً عن التحرر؟
ثانياً: شكل حكم يمنع عودة الاستبداد وفوضى المؤسسات.
التجارب الانتقالية تخاف من شيئين: عودة "الرجل الواحد"، أو انزلاق الدولة إلى شللٍ دائم. وفي فلسطين، حيث اختلطت السياسة بالإدارة طويلاً، فإن النظام الأنسب هو الذي يضعف احتكار القرار، ويقوي الرقابة البرلمانية والقضائية، ويمنع الاستثناء من أن يتحول إلى قاعدة.
ثالثاً: دولة تعترف بوحدة الشعب، لا بوحدة الجغرافيا فقط.
لا يكفي أن نكتب "الشعب واحد". الشرعية تُصنع عبر المشاركة. كيف نُحوّل الشتات من "ضمير" إلى "مؤسسة"؟ يمكن تحقيق ذلك عبر آليات انتخابية تضمن تمثيل الشتات في مجلس وطني واحد، أو عبر إنشاء مجلسين، أو "غرفة وطنية" تُعنى بالحقوق غير القابلة للتصرف.
الهدف هو منع الدستور من أن يصبح "دستور الداخل فقط".
رابعاً: دولة توازن بين الحقوق الفردية والجماعية.
الحالة الفلسطينية لا تقوم على حقوق الأفراد فقط، بل على حقوق جماعية تاريخية: تقرير المصير، العودة، وحدة الشعب. نريد دولة تحمي الفرد من السلطة، لكنها أيضاً تحمي المجتمع من فقدان قضيته في ثنايا لغة "محايدة".
خامساً: دولةٌ تعرف أن الأمن عقد ثقة، وليس سلاحاً.
يجب أن يكون السلاح في قبضة قرار شرعي واضح، وأن تخضع أجهزة الأمن للقانون والرقابة. القاعدة الذهبية: لا سلطة فوق القانون، ولا أمن خارج الرقابة.
سادساً: دولةٌ لا تبيع روحها باسم "الواقعية".
"الواقعية" التي تبتلع الثوابت ليست واقعية، بل إدارة هزيمة. يجب أن نفصل بين السياسة كتحرير للمعنى، والإدارة كتشغيل يومي.
إذا ابتلعت الإدارةُ السياسةَ، عادت السلطة إلى وظيفتها القديمة: إدارة شعبٍ تحت سقفٍ منخفض.
بعد استعادة التفويض، لن يكون السؤال الأول: كيف نكتب مواداً أجمل؟ بل: كيف نكتب دولة لا تعيد إنتاج ما كسرنا؟
نريد دولة تُحاسَب ولا تُقدَّس. تَسَعُ الداخل والشتات لا بعبارة، بل بكرسيّ في القرار. تحمي الفرد دون أن تنسى أن القضية ليست قضية أفراد فقط. وتعترف بطبيعة لحظتها حتى لا تتحول إلى نص يسبق الواقع ثم يخسره.
وحين تُصاغ الدولة بهذه الروح، لن يكون الدستور نهاية الحكاية…
بل بدايتها.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
16/2/2026