العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - الاكتفاء بالغناء باسم “المحافظة”، فذلك لا يحفظ التراث… بل يؤجل ضياعه.

أستاذي الفاضل مصطفى برادي، عضو جمعية عبد الله الشليح لهواة الملحون المحترمة،
يسعدني ويشرفني أن أتقدم إليكم بخالص عبارات الشكر والامتنان على تفضلكم بإهدائي ديوان الشيخ محمد بن الطاهر الشاوي، هذا العمل القيم الذي يضم إحدى وخمسين قصيدة من عيون الملحون.
وإنه لمن دواعي الاعتزاز أن يكون هذا الديوان ثمرة جهد علمي مشترك، جمعًا وتحقيقًا لكل من الأساتذة الأفاضل: ذ. عبد الإله تابت، ذ. عبد الجليل الكريفة، وذ. مصطفى برادي؛ وهو جهد يُحسب لكم جميعًا في خدمة تراث الملحون، وتوثيق نصوصه، وصونها من الضياع والتحريف.
لقد كان لتوصلي بهذا السفر النفيس أثر بالغ في نفسي، لما يمثله من إضافة نوعية إلى خزانة الملحون، ومن لبنة جديدة في مسار التأصيل والتحقيق العلمي لهذا الفن العريق.
فلكم مني جزيل الشكر، وعظيم التقدير، مع صادق الدعاء لكم بالتوفيق والسداد، ومزيد من العطاء في خدمة الثقافة المغربية وتراثها الأصيل.
علما في عدد من مدننا المغربية العريقة، تتكاثر الجمعيات التي ترفع شعار “المحافظة على الملحون”، وتتصدر المشهد باسم خدمته وصونه. غير أن الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح: أن الحفاظ على الملحون لا يختزل في السهرات، ولا في الغناء والتسلية وتنشيط المنصات. فالملحون علم قبل أن يكون أداء، وبناء معرفي قبل أن يكون فرجة.
الملحون منظومة متكاملة: لغة مخصوصة، ونظام عروضي دقيق، ورموز وإشارات، وحمولة تاريخية واجتماعية وتربوية عميقة. فيه التوعية، وفيه القيم، وفيه الفقه، وفيه التاريخ، وفيه البلاغة الشعبية الرفيعة. فمن لا يعرف من الملحون إلا اللحن والصوت، فقد أمسك بالقشرة وترك اللباب.
إن بعض العمل الجمعوي – مع كامل الأسف – تحول إلى نشاط مناسباتي أقرب إلى مورد للاسترزاق منه إلى مشروع ثقافي مؤصل. يُستهلك فيه التراث بدل أن يُخدم، وتُكرر فيه القصائد دون فهم علومها، ولا تفكيك شفراتها، ولا تحقيق نصوصها، ولا صونها من التحريف.
ولو أن كل جمعية من هذه الجمعيات جعلت ضمن برنامجها السنوي إصدار ديوان واحد محقق، أو جمعت شعر أحد رواد مدينتها، أو وثقت تجربة شيخ من شيوخها توثيقًا علميًا مضبوطًا، لَشهدنا نهضة حقيقية في خزانة الملحون. تصوروا لو أن كل سنة تُثمر عشرات الدواوين المحققة عبر ربوع الوطن؛ يومها لن ننتظر دعم الوزارة، ولا مبادرات الأكاديمية، لأن الفعل الثقافي سيكون قد انطلق من القاعدة، من غيرة صادقة وعمل علمي جاد.
الملحون مسؤولية جماعية، لكنه لا يُصان بالتصفيق، ولا يُخلّد بالإنشاد وحده، بل يُصان بالبحث، والتحقيق، والتوثيق، والتعليم. فمن أراد خدمة الملحون، فليخدم نصوصه، وليحترم علومه، وليُخرج كنوزه للناس في كتب رصينة تليق بتاريخه.
أما الاكتفاء بالغناء باسم “المحافظة”، فذلك لا يحفظ التراث… بل يؤجل ضياعه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى