يحيى بركات - الدستور بلا حامل… دولة بلا روح الجزء الخامس: كيف نمنع اختطاف اللحظة التأسيسية؟

الجزء الخامس:

كيف نمنع اختطاف اللحظة التأسيسية؟



إذا استُعيد التفويض…
إذا تشكّل مجلس وطني منتخب…
إذا جلس ممثلو الداخل والشتات في قاعة واحدة…
فهل نكون قد وصلنا؟
ليس بعد.
أخطر ما في التاريخ السياسي ليس غياب اللحظة التأسيسية،
بل سرقتها.

كم من شعبٍ انتخب…
ثم اكتشف أن النص كُتب باسمه لا بإرادته؟
كم من هيئة تأسيسية تحولت إلى سلطة دائمة؟
وكم من تفويضٍ شعبي انتهى في يد دائرة ضيقة أعادت إنتاج النظام ذاته بلغة جديدة؟
السؤال الآن ليس: كيف نكتب دستوراً؟
بل: كيف نمنع أن يُختطف وهو يُكتب؟

أولاً: السلطة التأسيسية… من يملكها فعلاً؟
في الفقه الدستوري هناك فرق حاسم بين:
السلطة التأسيسية الأصلية: الشعب حين يكتب عقده الأول.
السلطة التأسيسية المشتقة: جهة تُعدّل دستوراً قائماً وفق قواعده.
ما نحتاجه ليس ترميماً.
نحتاج لحظة تأسيس أصلية.
ولا يجوز — قانونياً ولا سياسياً — أن تتحول سلطة نشأت باتفاق مرحلي إلى سلطة تأسيسية كاملة ما لم يُمنح لها تفويض مباشر جديد.

في تشيلي، لم يقل البرلمان القائم: “نحن نكتب الدستور الجديد.”
بل سأل الشعب أولاً: هل تريدون دستوراً جديداً؟
ثم انتُخبت هيئة منفصلة خصيصاً لذلك.
لماذا؟
لأن من يكتب قواعد اللعبة لا يجوز أن يكون مستفيداً منها.
هذه ليست مثالية.
هذه ضمانة.

ثانياً: القضاء الدستوري… من يحمي العقد بعد توقيعه؟
اللحظة التأسيسية قد تكون نزيهة.
لكن ماذا بعد؟
الدستور بلا قاضٍ دستوري مستقل يتحول إلى نص أدبي.
في جنوب أفريقيا، لم يُكتفِ بكتابة نص متقدم.
أُنشئت محكمة دستورية قوية، أبطلت قوانين وقرارات حكومية عندما خالفت العقد الأعلى.
في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تصميم المحكمة الدستورية كحارس للنظام الديمقراطي، لا كجزء من السلطة التنفيذية.
في حالتنا، إذا استُعيد التفويض، فلا بد أن يترافق ذلك مع:
محكمة دستورية مستقلة تماماً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
آلية تعيين تضمن التوازن لا الاحتكار.
صلاحية حقيقية لإلغاء أي قانون أو قرار يخالف الحقوق الأساسية أو يتجاوز حدود السلطة.
لأن اختطاف اللحظة التأسيسية لا يحدث فقط عند الكتابة.
قد يحدث بعد سنوات… بقرار إداري صغير.
القضاء الدستوري ليس رفاهية.
هو شبكة أمان العقد.

ثالثاً: العلاقة بين المقاومة والمؤسسات
هذا سؤال لن يهرب منه أحد.
إذا كانت فلسطين تعيش تحت احتلال،
فكيف تُنظَّم العلاقة بين المقاومة والدولة؟
في تجارب التحرر، كان هناك مساران:
دمج حركات التحرر في مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، كما في الجزائر.
إعادة تعريف دورها ضمن إطار دستوري واضح، كما في جنوب أفريقيا.
الخطر أن يبقى هذا السؤال خارج النص.
إذا تُرك خارج الدستور،
يتحول إلى صراع مفتوح بين “الشرعية الثورية” و”الشرعية المؤسسية”.
وإذا قُمِع بالكامل باسم الدولة،
تفقد الدولة جزءاً من سياقها التاريخي.
المطلوب ليس نصاً عاطفياً،
بل تحديد مبدأ واضح:
احتكار الدولة لقرار استخدام القوة.
خضوع أي قوة مسلحة لقرار شرعي منتخب.
تعريف المقاومة في سياق قانوني منضبط، لا فوضوي.
الدولة لا تعادي حق الشعب في الدفاع عن نفسه.
لكنها لا يمكن أن تقوم بسلاحين خارج قرار واحد.
هذه معادلة حساسة… لكنها ضرورية.

رابعاً: الاقتصاد السياسي للدولة الجديدة
الدولة ليست فقط مؤسسات حكم.
هي نموذج توزيع للموارد.
إذا استُعيد التفويض،
لكن بقي الاقتصاد تابعاً بالكامل،
أو خاضعاً لشبكات احتكار،
أو مرتهناً لمساعدات مشروطة،
فإن السيادة تصبح شكلية.
في جنوب أفريقيا، رغم الدستور المتقدم، بقيت بنية الاقتصاد غير متكافئة، ما خلق فجوة بين النص والواقع.
في دول أخرى، أدت برامج “الإصلاح” المفروضة دولياً إلى إضعاف قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية.
في حالتنا، لا بد من تحديد:
هل نريد اقتصاداً يعتمد على المعونات؟
أم اقتصاداً إنتاجياً قدر الإمكان؟
كيف نحمي المال العام؟
كيف نمنع تشكّل طبقة مستفيدة من بقاء الوضع كما هو؟
الدستور يجب أن يضع مبادئ واضحة:
الشفافية.
محاسبة الإنفاق العام.
حماية الموارد الطبيعية.
ضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية.
لأن الدولة التي لا تضمن العدالة،
تتحول إلى إدارة مصالح.

خامساً: الفلسفة… هل الدولة نهاية الصراع أم أداته؟
هناك سؤال فلسفي عميق لا بد من مواجهته:
هل نكتب دستوراً لنعلن نهاية الصراع؟
أم لننظّم استمرار معناه؟
الدولة قد تكون تتويجاً لنضال طويل.
لكنها ليست بديلاً عنه.
إذا تحولت الدولة إلى هدف بحد ذاتها،
قد تنسى لماذا وُجدت.
وإذا ظلت أسيرة خطاب دائم الطوارئ،
قد تفشل في بناء حياة مستقرة.
التوازن صعب.
الدستور يجب أن يعترف بطبيعة اللحظة:
لا سلام كامل.
ولا حرب شاملة.
بل واقع معقّد يحتاج وضوحاً لا إنكاراً.
من الفكرة إلى الضمانة
لكي لا تُختطف اللحظة التأسيسية، لا يكفي انتخاب هيئة.
يجب أن تتحقق ضمانات متوازية:
هيئة تأسيسية منتخبة بتمثيل شامل قدر الإمكان.
فصل كامل بين التأسيس والإدارة التنفيذية.
محكمة دستورية مستقلة تحمي العقد.
تنظيم العلاقة بين المقاومة والمؤسسات ضمن قرار شرعي واحد.
مبادئ اقتصادية تمنع احتكار السيادة عبر المال.
استفتاء شعبي يمنح النص حياته النهائية.
إذا غاب أحد هذه العناصر،
سنكون أمام نص جديد…
وبنية قديمة.

في النهاية،
ليست المسألة أن نصل إلى لحظة تأسيس.
بل أن نصل إليها ونحن نعرف لماذا وصلنا.
أن لا نجلس حول الطاولة لأننا تعبنا،
بل لأننا قررنا.
أن لا نكتب لأن الخارج ينتظر نصاً،
بل لأن الداخل استعاد صوته.
اللحظة التأسيسية ليست قاعةً مكتظة بالكلمات.
هي لحظة صمتٍ عميق
يسأل فيها الشعب نفسه:
هل هذا نحن؟
الدستور ليس أوراقاً تُوقَّع.
هو صورة الشعب حين يرى نفسه للمرة الأولى بلا وسيط.
إن لم نحمه بقضاءٍ مستقل،
سيُفسَّر حسب مزاج السلطة.
إن لم نضبط علاقة القوة بالسلاح،
سيبقى القرار منقسماً.
إن لم نُحصّن الاقتصاد من الارتهان،
ستظل السيادة معلّقة بسقف المانحين.
وإن لم نفهم أن الدولة ليست بديلاً عن القضية،
سنستيقظ يوماً فنجد أننا حافظنا على المؤسسات…
وأضعنا المعنى.
الدساتير لا تسقط فجأة.
تذبل بصمت.
تُفرَّغ من روحها مادةً بعد مادة،
حتى يبقى الغلاف…
وتضيع الإرادة.
لهذا،
حماية اللحظة التأسيسية ليست إجراءً قانونياً فقط.
هي حماية لذاكرة النضال من أن تتحول إلى ديكور.
حماية لفكرة الشعب من أن تُختزل في إدارة.
حماية للسياسة من أن تعود وظيفةً لا قراراً.
إذا استعدنا التفويض،
فعلينا أن نحرسه.
أن نضع له مؤسساتٍ لا تتغول.
قضاءً لا يخضع.
اقتصاداً لا يُبتز.
وسلطةً تعرف أنها مؤقتة أمام الشعب،
دائمة أمام القانون،
وخادمة أمام العقد الذي وقّعه الجميع.
عندها فقط،
لن يكون الدستور ورقة إعلان.
بل مرآة اتفاق.
وعندها،
لن نخشى اختطاف اللحظة…
لأن الشعب سيكون حاضراً فيها،
لا شاهداً عليها.

ومن هنا يبدأ سؤال الجزء السادس:
كيف تبقى الدولة قريبة من شعبها بعد أن تهدأ لحظة التأسيس؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي


18/2/2026

1771401431360.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى