يأتي هذا المقال استكمالاً للنقاش الجاد والرصين الذي فتحه الكاتب أسعد سليم في مقاله الأخير حول معارك الملكية الفكرية في الوسط الثقافي؛ ذلك المقال الذي وضع فيه النقاط على الحروف عبر قراءة فاحصة ومحايدة قارنت بين عملين أدبيين، وكشفت عن وجود نقل حرفي صارخ يجاوز حدود الاقتباس المشروع، منادياً بضرورة المساءلة الأخلاقية والمهنية بعيداً عن الانحيازات الشخصية. وإنني إذ أتفق تماماً مع هذا الطرح في مبدئه واتجاهه المنهجي، أجد لزاماً عليّ التأكيد على أن رؤيتي هذه تنطلق من ذات المساحة المستقلة التي يتحرك فيها أصحاب الضمائر العلمية؛ فأنا لستُ محسوبة على تيار أو "شلة" ثقافية بعينها، ولا تحكم قناعاتي حسابات المجاملات التي قد تعيق قول الحق أو تجمّل الواقع، وإنما يحركني الانتباه الخالص لقيمة العلم وقدسية الكلمة.
ولا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن حالة الارتباك التي خلفتها تلك الاتهامات بالنقل غير المشروع التي طالت قمة الهرم الإداري للثقافة في مصر، وهي واقعة لم تكتفِ بإثارة الجدل المجتمعي، وإنما وضعت نزاهة المنتج الفكري للمسؤول تحت اختبار القضاء والقواعد الأكاديمية الصارمة. ورغم أن الكلمة الفصل تظل للمنصات القضائية، إلا أن واجبنا الثقافي يملي علينا عدم التوقف عند حدود الوقائع العينية، وإنما يتطلب الأمر النفاذ إلى "الظاهرة" في أبعادها البنيوية والمنهجية، بعيداً عن صخب الأسماء. إن ما يواجهنا اليوم يمثل تجلياً لأزمة أعمق تتعلق بمنطق النقل والتوثيق في محافلنا العلمية والإبداعية، حيث تكمن المعضلة الأولى في "ثقافة النقل" التي طغت على "منطق البحث". ففي كثير من الأوساط، غدا البحث العلمي وسيلة للحصول على الدرجة أو المنصب عوضاً عن أن يكون غاية لإنتاج المعرفة، وهذا المناخ أنتج نوعاً من "الاستسهال" الذي يخلط بين الاقتباس المشروع وبين الاستحواذ على جهد الآخرين. فالاقتباس في جوهره هو اعتراف بفضل السابقين وبناء على ما قدموه، ولا ينبغي أن يكون ستراً لعجز الباحث عن الصياغة، في حين أن غياب الصرامة في تدريس مناهج البحث العلمي جعل من "السهو" مبرراً جاهزاً، ومن "عدم المعرفة بقواعد التوثيق" عذراً واهياً لا يستقيم مع أبجديات العمل الأكاديمي.
وقد آن الأوان لنتساءل بجدية: لماذا تظل بعض أعمالنا حبيسة النطاق المحلي ولا تجد طريقها إلى الدوريات العالمية المرموقة؟ إن الإجابة تكمن في "المعيارية"؛ فالعالم اليوم لا يعترف بالإنتاج الكمي، بقدر ما يعتد بمدى الالتزام بمعايير الجودة التي تبدأ من نزاهة المصدر وتنتهي بجدة الطرح. إن إهمال تدوين الاقتباس بدقة ليس مجرد خطأ شكلي، وإنما هو خلل يضرب مصداقية المؤسسة العلمية ككل، ويعيق اندماجنا في الحراك العلمي العالمي الذي يطبق قواعد صارمة في مراجعة الأقران وتدقيق الملكية الفكرية. وهنا تبرز التطورات التكنولوجية الحالية، وخاصة برمجيات كشف الانتحال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بمثابة طوق نجاة يجب أن يتحول من أداة تخويف يخشاها الباحثون إلى معيار جودة أساسي؛ شريطة أن يكون هذا الحضور التكنولوجي فاعلاً وحقيقياً ومؤثراً في جوهر العملية البحثية، لا مجرد غطاء صوري أو إجراء شكلي يُستغل لتجميل الواجهة دون المساس بعمق المشكلة المنهجية. فلا عيب في أن تخضع المسودات للتدقيق الآلي قبل النشر؛ إذ يكمن العيب والضرر الحقيقي في خروج العمل إلى النور مشوباً بشبهة السطو أو النقل غير الموثق.
لذلك، يتحتم على الجامعات المصرية، ودور النشر، والهيئات الثقافية الكبرى كالهيئة العامة للكتاب، تبني بروتوكولات إجبارية لاستخدام هذه التقنيات قبل إجازة أي عمل للنشر، مع ضمان أن تكون هذه الرقابة حقيقية ونافذة لا تكتفي بالنتائج السطحية. فالهدف من كشف الاقتباس ليس "الفضيحة" أو التشهير، وإنما المقصود هو "الضبط المنهجي" الذي يمنح العمل شرعيته العلمية والانتشار العالمي. ومطالبة صاحب العمل بتوثيق فقرة ما أو إعادة صياغة فكرة منقولة قبل الطباعة هي "خدمة علمية" جليلة تحمي الكاتب والمؤسسة من السقوط في فخ المساءلة لاحقاً. إن ما يعطلنا حقيقة ليس نقص الإمكانيات التقنية، وإنما يتمثل العائق الحقيقي في "ثقافة المجاملة" والخشية من المواجهة النقدية، في حين أن بناء نهضة ثقافية حقيقية يتطلب شجاعة فائقة في مراجعة الذات وترسيخ وعي جديد لدى الباحث والكاتب بأن "نسبة الفضل لأهله" هي أسمى آيات الرقي الفكري.
في الختام، إن الأزمات العابرة يجب أن تكون دائماً نقطة انطلاق لتصحيح المسار وتطوير المعايير بما يتناسب مع معايير القبول العالمي. إن تطوير وسائل الكشف عن الاقتباس في الكليات ودور النشر ليست مجرد إجراءات إدارية، وإنما تفرض نفسها كضرورة وجودية لاستعادة بريق العقل المصري، على أن تُمارس هذه الأدوات بفاعلية تامة تقطع الطريق على كل محاولات الالتفاف المنهجي. الاحترام الحقيقي للبحث العلمي يبدأ من احترام قدسية الفكرة في مهدها، والاعتراف الصريح بأن الكلمة أمانة، وأن التوثيق المنهجي الصارم هو الركيزة التي تحمي أعمالنا من الزلل وتضعها في مصاف الأعمال العالمية المقدرة.
ولا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن حالة الارتباك التي خلفتها تلك الاتهامات بالنقل غير المشروع التي طالت قمة الهرم الإداري للثقافة في مصر، وهي واقعة لم تكتفِ بإثارة الجدل المجتمعي، وإنما وضعت نزاهة المنتج الفكري للمسؤول تحت اختبار القضاء والقواعد الأكاديمية الصارمة. ورغم أن الكلمة الفصل تظل للمنصات القضائية، إلا أن واجبنا الثقافي يملي علينا عدم التوقف عند حدود الوقائع العينية، وإنما يتطلب الأمر النفاذ إلى "الظاهرة" في أبعادها البنيوية والمنهجية، بعيداً عن صخب الأسماء. إن ما يواجهنا اليوم يمثل تجلياً لأزمة أعمق تتعلق بمنطق النقل والتوثيق في محافلنا العلمية والإبداعية، حيث تكمن المعضلة الأولى في "ثقافة النقل" التي طغت على "منطق البحث". ففي كثير من الأوساط، غدا البحث العلمي وسيلة للحصول على الدرجة أو المنصب عوضاً عن أن يكون غاية لإنتاج المعرفة، وهذا المناخ أنتج نوعاً من "الاستسهال" الذي يخلط بين الاقتباس المشروع وبين الاستحواذ على جهد الآخرين. فالاقتباس في جوهره هو اعتراف بفضل السابقين وبناء على ما قدموه، ولا ينبغي أن يكون ستراً لعجز الباحث عن الصياغة، في حين أن غياب الصرامة في تدريس مناهج البحث العلمي جعل من "السهو" مبرراً جاهزاً، ومن "عدم المعرفة بقواعد التوثيق" عذراً واهياً لا يستقيم مع أبجديات العمل الأكاديمي.
وقد آن الأوان لنتساءل بجدية: لماذا تظل بعض أعمالنا حبيسة النطاق المحلي ولا تجد طريقها إلى الدوريات العالمية المرموقة؟ إن الإجابة تكمن في "المعيارية"؛ فالعالم اليوم لا يعترف بالإنتاج الكمي، بقدر ما يعتد بمدى الالتزام بمعايير الجودة التي تبدأ من نزاهة المصدر وتنتهي بجدة الطرح. إن إهمال تدوين الاقتباس بدقة ليس مجرد خطأ شكلي، وإنما هو خلل يضرب مصداقية المؤسسة العلمية ككل، ويعيق اندماجنا في الحراك العلمي العالمي الذي يطبق قواعد صارمة في مراجعة الأقران وتدقيق الملكية الفكرية. وهنا تبرز التطورات التكنولوجية الحالية، وخاصة برمجيات كشف الانتحال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بمثابة طوق نجاة يجب أن يتحول من أداة تخويف يخشاها الباحثون إلى معيار جودة أساسي؛ شريطة أن يكون هذا الحضور التكنولوجي فاعلاً وحقيقياً ومؤثراً في جوهر العملية البحثية، لا مجرد غطاء صوري أو إجراء شكلي يُستغل لتجميل الواجهة دون المساس بعمق المشكلة المنهجية. فلا عيب في أن تخضع المسودات للتدقيق الآلي قبل النشر؛ إذ يكمن العيب والضرر الحقيقي في خروج العمل إلى النور مشوباً بشبهة السطو أو النقل غير الموثق.
لذلك، يتحتم على الجامعات المصرية، ودور النشر، والهيئات الثقافية الكبرى كالهيئة العامة للكتاب، تبني بروتوكولات إجبارية لاستخدام هذه التقنيات قبل إجازة أي عمل للنشر، مع ضمان أن تكون هذه الرقابة حقيقية ونافذة لا تكتفي بالنتائج السطحية. فالهدف من كشف الاقتباس ليس "الفضيحة" أو التشهير، وإنما المقصود هو "الضبط المنهجي" الذي يمنح العمل شرعيته العلمية والانتشار العالمي. ومطالبة صاحب العمل بتوثيق فقرة ما أو إعادة صياغة فكرة منقولة قبل الطباعة هي "خدمة علمية" جليلة تحمي الكاتب والمؤسسة من السقوط في فخ المساءلة لاحقاً. إن ما يعطلنا حقيقة ليس نقص الإمكانيات التقنية، وإنما يتمثل العائق الحقيقي في "ثقافة المجاملة" والخشية من المواجهة النقدية، في حين أن بناء نهضة ثقافية حقيقية يتطلب شجاعة فائقة في مراجعة الذات وترسيخ وعي جديد لدى الباحث والكاتب بأن "نسبة الفضل لأهله" هي أسمى آيات الرقي الفكري.
في الختام، إن الأزمات العابرة يجب أن تكون دائماً نقطة انطلاق لتصحيح المسار وتطوير المعايير بما يتناسب مع معايير القبول العالمي. إن تطوير وسائل الكشف عن الاقتباس في الكليات ودور النشر ليست مجرد إجراءات إدارية، وإنما تفرض نفسها كضرورة وجودية لاستعادة بريق العقل المصري، على أن تُمارس هذه الأدوات بفاعلية تامة تقطع الطريق على كل محاولات الالتفاف المنهجي. الاحترام الحقيقي للبحث العلمي يبدأ من احترام قدسية الفكرة في مهدها، والاعتراف الصريح بأن الكلمة أمانة، وأن التوثيق المنهجي الصارم هو الركيزة التي تحمي أعمالنا من الزلل وتضعها في مصاف الأعمال العالمية المقدرة.