يحيى بركات - حين يغيب بعض الناس، لا ينطفئ الضوء…

حين يغيب بعض الناس،
لا ينطفئ الضوء…
بل نفهم فجأةً من أين كان يأتي.
ليلى شهيد لم تبدأ من منصةٍ ولا من علمٍ خلف مكتب.
بدأت من المخيم.
من الأزقّة التي لا تُدرَّس في كتب الدبلوماسية،
بل في دفاتر الأنثروبولوجيا…
حيث الإنسان نصّ،
والحكاية وثيقة،
والهوية ليست شعارًا بل تفاصيل يومية:
امرأة تنتظر خبزًا،
طفل يحفظ اسم قريته كما لو كان يحفظ نشيده الأول.
درست الأنثروبولوجيا،
ولم تدرسها كترفٍ أكاديمي.
درستها لأنها أرادت أن تفهم:
كيف يتحوّل المنفى إلى بنية نفسية؟
كيف يُعاد إنتاج الذاكرة جيلاً بعد جيل؟
كيف تبقى القرية حيّة في المخيم؟
هناك، قبل أن تُعرَف في باريس وبروكسل،
كانت تعمل بين اللاجئين،
تكتب وتُنصت،
تُحلّل لا لتُبرّر،
بل لتكشف البنية العميقة للوجع الفلسطيني.
الكثيرون يعرفونها كصوتٍ في الإعلام الأوروبي.
لكن قلّة يعرفون أنها لم تتعامل مع الإعلام كمنبرٍ دعائي،
بل كحقلٍ ثقافي.
كانت تفهم أن المعركة ليست فقط على القرار السياسي،
بل على الصورة.
على اللغة.
على السردية.
كانت تعرف أن أوروبا تقرأ قبل أن تُصوّت،
وتشاهد قبل أن تُقرّر.
لهذا دخلت من باب الثقافة والفنون،
من الندوات، من المعارض، من الجامعات،
من الحوارات الطويلة التي لا تُبثّ كاملة،
لكنها تترك أثرًا عميقًا في وعي من سمعها.
لم تكن ترفع صوتها.
كانت ترفع المعنى.
ولأنها أنثروبولوجية في الجوهر،
لم ترَ فلسطين كقضية سياسية فقط،
بل كبنية مجتمع،
كثقافة،
كطبقات من الذاكرة المتراكمة.
كانت تقول — في حضورها قبل كلماتها —
إن الفلسطيني ليس ضحية فقط،
بل حامل حضارة.
وأن المخيم ليس مساحة فقر،
بل مساحة صمود معرفي.
حين انتقلت إلى أوروبا،
لم تذهب لتطلب تعاطفًا.
ذهبت لتفرض اعترافًا.
كانت تفهم المزاج الأوروبي،
تفهم حساسيته تجاه اللغة،
وتعرف كيف تُحوّل الخطاب من احتجاج إلى إقناع،
ومن انفعال إلى حجة،
ومن شعار إلى فكرة قابلة للعيش.
لهذا أثّرت.
ليس لأنها كانت سفيرة.
السفارات عناوين بريد، وهي لم تكن عنوانًا.
كانت سؤالًا مفتوحًا.
بل لأنها كانت مثقفة تحمل فلسطين كوعي،
لا كوظيفة.
رحيلها ليس خسارة منصب.
المناصب تُملأ.
لكن خسارة عقلٍ جمع بين المخيم والجامعة،
بين الثقافة والسياسة،
بين الصورة والفكرة…
تلك خسارة وطنية حقيقية.
في زمنٍ اختُزل فيه العمل الدبلوماسي إلى بيانات،
بقيت هي ابنة المخيم التي درست الإنسان،
وحملت قضيته إلى قاعات أوروبا
بهدوء العارف
لا بصراخ المتهم.
نمضي.
لكن بعض الأسماء لا تُغلق صفحتها بالوفاة.
تبقى هامشًا مضيئًا في كتاب القضية.
تمضي الأجساد،
لكن من تعلّم أن يقرأ الإنسان…
لا يغيب.
ليلى…
لم تكن مجرد ممثلة لفلسطين.
كانت قارئةً عميقةً لها.
لروحها النبيلة الرحمة والسلام.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

1771438126200.png 1771438154043.png 1771438177782.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى