د. سيد شعبان - الصفحة السابعة عشرة! نتوء في الذاكرة

في كفرنا بل كل قرى المحروسة تسودها تلك الحالة فهذه عائلة الميت وتلك ليمونة وثالثة بلوزة بل وهؤلاء قوم شردح وفرع أبو نبوت؛ يطلقون على ناسهم ودوابهم بل وأرضيهم حتى جرائهم ألقابا ومسميات عدة، بعضها يحمل فألا حسنا يبتهج به أهله: فهذه أم الخير وتلك أم السعد وهذا أبوزور مما يعنون به مدحة الكرم غير آبهين بمن يتندر عليهم وآخر السبعة عشر وقد عرفت كم يتباهى به أحد أصهارهم ممن يعتلون المنابر ويصر أن يأتي بهذا العدد المركب في بيان فضائل السور والآيات وقد يغرب فيقول رواه السبعة عشر، وتلك عادة تدفع السأم وتستروح معها النفس مما ابتليت به من عناء وما قد يعتريها من ضجر بل هؤلاء لهم ألقاب يتنادون بها فقد يلبسونها أسماء الحيوانات مما يستحى من سرده.
درج الفتى بين هؤلاء القوم ولا هم له إلا أن يكتشف دلالات ذلك وأسباب تواضعهم عليهم؛ يسأل أباه فيمده حينا وينصرف عنه أحايين أخرى.
حتى لتجد في البيت الواحد مسميات تختلف وتتعاور فيما بينها؛ ينشب عراك وتدور مناوشات حول لقب عيروا به أو أحسوا فيه ضعة.
وقديما كان العرب يطلقون زيد الخيل وأنف الناقة سواء مدحا أو قدحا.
وما أقسى لقب قوم جاءتهم معرة من أنثى ارتكبت جناية فلا يغفرونها لهم ولا يرون في رفعها غير بذل من دم أو إفراط في جلب المحمدة علهم يبرأون من تبعة ما وصموا به.
كل ذلك قد ترك في خيال الفتى ومضات سرعان ما استلهمها في كتاباته وحكاياته عن كفره والبلاد التي تجاوره؛ عجب كيف يتفق لقب لقوم سود البشرة في أكثر من موضع يعرفون بآل سعيد أو الجمل والنجار والحداد بل وصل بهم أن يطلقوا ألقابا لا تحمل معنى؛ المناويشي والهلهلي وبلبوص وورك النملة أو أبو ذيل منتوف؛ يتحاشى أن يعدد كثير مما درجوا عليه يفسره الجهل وتحييه الخرافة والعصبية يتنابزون بها.
خلص الفتى من هذا كله أنه لا محالة واقع في شرك الرموز والمعميات فبدا له أن ينأى بنفسه عن مظان السخرية والتندر مما يتكلم به القوم في محافلهم ومنتدياتهم؛ يلزم كتابه ويطوي صدره على أوراده يلهج بها لسانه وحديث نفسه: سلم يارب سلم!
تراه الآن حين يسرد تعاوده تلك الآفة فيعمي ويلغز بشخصيات حملت تلك الألقاب فهذا أبو طيفة وتلك الزغبية وثالثة أرض السبعة.
إنه كفر مليء بالمعميات التى تصلح لأية معالجة درامية مما يبدعه كتاب السينما في بلادنا؛ رأيتم كيف كان الحلوبي مثار التندر بحكاياته أو الزغبي بحيله ودهائه.
كان الطيب رحمة الله عليه يحيك من تلك الخيوط التي تلتقي في مخيلته أجمل ثوب يفصله حائك ماهر في صنعة لا تخلو من دعابة.
عرفه فما وجده يعيب امرأة أو يذكرها في موضع تتأذى منه؛ فهي لديه مكرمة لا تمتهن وذات حياء وخفر، أي حياة تلك التي عاشها ولم تغره بأوضارها أو تعلق شوائبها بذات نفسه.
وقد توارثت أسر تلك الألقاب فيما تفتخر به من محامد يعلون بها بين أقرانهم، حدث مرة أن تفاخر رجل بآخر أوشك أن يتزوج بإحدى بنات تلك الأسر مما تعرف بآل الأفندي؛ رأيت مدى تباهيه بصاحبه وهو ليس له في العير ولا في النفير.
كان يحلو له أن يداعبه بسيد قشطة إذ سمن واحمرت منه الوجنات وخايله من رغد العيش ما جعل أثره يظهر على الفتى يلتهم السمن والقشدة وقد يخلو بنفسه فيلتهم من حلة الطعام ما يربو على نصف الدجاجة سعيدا بما أوتي من خير؛ يسأل أمه أين عشاءنا فتخبره بأن المصبح قد فرغ لتوه من حصته والتي ما تذر من شيء إلا أتت عليه.
يبتسم وتغمره سعادة أن ولده سيكون فتى يمسك بخناق لداته ويضرب سابقا بعصا العز التى لم تهن بين يديه يوما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى