قراءة فى نص شعرى للشاعر د عيد صالح بقلم مصطفى فودة

قراءة فى نص شعرى للشاعر د عيد صالح
بقلم مصطفى فودة
أولا النص:
أريد أن أبكي
لا علي صدر أحد
ولا بسبب خاص أو عام
كالبغل الذي فجر نفسه
في حافلة تضج بالحياة
ولا كالعشاق الذين يتبادلون قصائد الغزل
في الفالنتاين
ولا كاصطراع الشرق والغرب علي جثثنا
لأننا مشاريع سطوة ونفوذ
لسنا بشرا علي ما يبدو
لأننا لم نحصل علي الحد الأدني
من أوراق القبول
كأفراحنا الصغيرة
ومداعبات أطفالنا وأحفادنا
كقراءة محفوظ وماركيز
كمشاهدة أفلام ليلوش ويوسف شاهين
بعيدا عن ذواتنا التي دخلت في ذواتنا
وأنانا التي تضاجع نفسها
في لذة الألم
والصراخ المكتوم
في تيه النفس التي تأكل نفسها
في غيبوبة الرأس
والتلافيف التي نهشتها
مخالب "سرطان أليف"
١٩ فبراير ٢٠١٤
ثانيا القراة
يتميز شعر الشاعر د عيد صالح بسمة أساسية وهى المثاقفة وهى صيغة صرفية(مفاعلة) تشى بالتفاعل والتجادل بين عنصرين هما الشعر والثقافة، وتصح هذه الصيغة أن تكون مدخلا كبيرا فى قراءة كثير من شعره وأقصد بها أن شعره يحوى تفاعلا وجدلا خصبا وعميقا مع ثقافات متعددة من الشرق والغرب وكذا أنواع من الفنون مع كثير من السخط والغضب وربما الإحباط من حال أمته ووطنه ومجتمعه، ويرجع ذلك إلى ثقافته الواسعة والعميقة وحسه الدقيق والمرهف، ويظهر هذا فى نصه البديع المنشور فى 19 فبراير عام 2014 والذى أعيد نشره اليوم والذى هو بلا عنوان كسائر نصوصه وهى سمة أخرى فى شعره ترجع إلى نفوره من العنوان ربما لاحساسه بالقيد من العنوان فى مقابل البراح والاتساع فى النص ، وقد أقترح تسمية العنوان (فالنتاين).
بدأ الشاعر نصه بالبكاء مثل الشعراء العرب القدماء الذين كانوا يبدأون شعرهم بالبكاء على الأطلال
"أريد أن أبكى
لا على صدر أحد
ولا بسبب خاص أو عام "
وكأنه حشد للطاقة الشعرية وتهيئة وإعداد لجنى الشعر، يمضى الشاعر فى النص ويشير إلى الفالنتين وهو عيد الحب والعاطفة الذى يحتفى به العالم فى الغرب ثم انتقل إلي الشرق تقليدا أو مثاقفة، وبه مفارقة أنه يحمل اسم القديس فالنتين وما به من حمولة دينية وتاريخية، ويبدو أن النص قد كتب بتأثير ذلك العيد الذى نشر بعد عدة أيام من الاحتفال به يٌحتفل به فى 14 فبراير من كل عام ونشر النص بعده بعدة أيام كما هو مدون بالنص، ويحمل النص إشارات إلى نجيب محفوظ وماركيز وأفلام يوسف شاهين كما يشير النص إلى إسطورة إنانا ربة الحب والجمال والجنس فى بلاد الرافدين وكما نرى يحوى النص ثقافات عديدة شرقية وغربية وأسطورية فى مزيج محكم ومكثف لتعميق الحب والحياة ومناهضة القتل والقبح، كما يحوى النص ألما دفينا وحنانا على مجتمعه فى مواجهة الغرب
" لسنا بشرا على مايبدو
لأننا لم نحصل على الحد الأدنى
من أوراق القبول
كأفراحنا الصغيرة
ومداعبات أطفالنا وأحفادنا"
كما يحمل غضبا شديدا وسخرية مريرة من ثقافة القتل والتدمير الذى ينتهجها البعض فى مجتمعاتنا التعيسة به
"البغل الذى فجر نفسه
فى حافلة تضج بالحياة"
،وهى مفارقة لافتة مريرة بالنص إذ فى الوقت الذى يحتفل العالم بعيد الحب يلجأ حفنة إرهابية فى بلاد الشرق التعيسة بهم إلى ذلك الفعل البغيض بتفجير نفسه وقتل الأبرياء المسالمين ما أتعسه من بغل حقيقى كما وصفه النص، ولا أستطيع إلا أن أتوقف طويلا أمام ذلك المقطع الأخير والمدهش والصور البغيضة والمقززة لمجتمعاتنا والتى نطلق عليها (جمالية القبح) وهى الجماليات التى تصور الأشياء القبيحة والمنفرة وتشعرنا بالتقزز من الفعل القبيح فى مجتمعاتنا التى تحوى الإرهاب والقبح فى كثير من مناحى الحياة والتى شبهها النص بإسطورة إنانا التى تضاجع نفسها فى لذة الألم والاستعارة فى مخالب سرطان وكأنه ذئب ينهش فى الجسد، والنعت المدهش فى(سرطان أليف)
" بعيدا عن ذواتنا التى دخلت فى ذواتنا
وإنانا التى تضاجع نفسها
فى لذة الالم
والصراخ المكتوم
فى تيه النفس التى تأكل نفسها
فى غيبوبة الرأس
والتلافيف التى تنهشها
مخالب "سرطان أليف".
ونلاحظ الصورة الأخيرة أو النعت فى (سرطان أليف) وكأنه أصبح أليفا فى جسم هذه البلاد الذى لا يقاومه بل هو متصالح معه ، النص كتلة من المثاقفة والأسف والغضب فى ضفيرة فنية عميقة يحمل ظلالا كثيرة من الفن والصور الجمالية والدلالات الفية العميقة كشأن كل فن عظيم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى