يحيى بركات - الدستور بلا حامل… دولة بلا روح الجزء السابع دستورٌ تحت الاحتلال

الدستور بلا حامل… دولة بالجزء السابع
دستورٌ تحت الاحتلال



كيف نكتب عقدًا لسيادةٍ منقوصة دون أن ننكر الواقع… أو نُقنّن النقص؟
في المساء، حين يهدأ الضجيج،
ويُغلق الحاجز أبوابه،
ويعود الناس إلى بيوتهم،
يبقى السؤال معلّقًا فوق المدينة:
نحن نكتب دستورًا…
لكن لأي واقع نكتبه؟

لسنا أمام دولة مكتملة السيادة.
ولا أمام حركة تحرر بلا مؤسسات.
نحن أمام شعبٍ يعيش تحت احتلال استيطاني،
يحاول أن يجعل المؤقت دائمًا،
وأن يحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
فكيف نكتب عقدًا سياسيًا في هذا المشهد دون أن نكذب على أنفسنا؟
ودون أن نُحوّل النقص إلى قدر؟

أولاً: خطر إنكار الواقع
تخيل دستورًا يقول:
“فلسطين دولة ذات سيادة كاملة”.
عبارة جميلة.
مطمئنة.
لكن المعبر ليس بيدك.
والمجال الجوي ليس تحت سيطرتك.
والجندي على الحاجز لا يقرأ دستورك.
إذا تجاهل النص هذا الواقع،
فإنه لا يُضعف الاحتلال،
بل يُضعف نفسه.
لأن النص الذي لا يعترف بوجود القيد،
لا يستطيع أن ينظّم مواجهته.
الاعتراف بأننا نعيش سيادة منقوصة مؤقتة
ليس تنازلاً.
هو توصيف قانوني صادق.
الدستور الواعي يجب أن يقول بوضوح:
نحن تحت احتلال.
السيادة منقوصة.
واستكمالها هدف دستوري ملزم.
بهذا يصبح النص مرآة للواقع،
لا ستارةً تُخفيه.
ثانيًا: خطر تقنين النقص
لكن هناك فخًا أخطر.
أن نعترف بالنقص…
ثم نُطيله.
أن نكتب “مرحلة انتقالية”
من دون سقف زمني واضح،
ولا شروط موضوعية تنهيها.
المؤقت الذي لا يُحدّد،
يتحوّل إلى نظام.
تخيل شابًا يُنتخب برلمان في ظل دستور انتقالي.
ثم يُنتخب برلمان آخر بعد عشر سنوات تحت النص نفسه.
ثم ثالث.
هل ما زلنا في مرحلة انتقالية؟
أم أصبحنا في نظام دائم باسم الانتقال؟

لهذا يجب أن تُكتب المرحلة الانتقالية بصيغة مزدوجة:
مدة زمنية محددة.
وشروط موضوعية واضحة لاكتمال السيادة:
سيطرة فعلية على الإقليم.
وحدة قرار استخدام القوة.
ولاية قضائية كاملة.
قدرة مستقلة على التشريع والتنفيذ.
بدون ذلك،
قد يصبح الدستور نفسه أداة لتثبيت المؤقت.
ماذا تعني السيادة فعليًا؟
السيادة ليست علمًا فوق مبنى.
وليست وزارة تُنشأ بقرار.
السيادة تعني:
أن يكون قرار استخدام القوة واحدًا.
أن لا يُعتقل مواطن بأمر خارج منظومة قضاء بلده.
أن لا يُعطَّل قانون بضغط خارجي.
أن لا تُفرض ترتيبات أمنية دائمة دون إرادة شعبية.
إذا لم تتحقق هذه العناصر،
فمن الأمانة أن نسميها:
سيادة منقوصة مؤقتة.
لا عيب في التسمية.
العيب في الوهم.

القانون الدولي… لماذا هو مهم هنا؟
قد يسأل المواطن البسيط:
وما علاقة قرارات الأمم المتحدة بدستوري اليومي؟
العلاقة واضحة.
حين ينص الدستور على أن حق تقرير المصير غير قابل للتصرف،
فهو لا يكرر شعارًا.
هو يضع قيدًا دستوريًا يمنع أي سلطة من التنازل عن هذا الحق دون تفويض شعبي مباشر.
حين ينص على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني،
فهو يحصّن المدنيين في زمن المواجهة.

الدستور هنا لا يخاطب الداخل فقط.
بل يخاطب العالم أيضًا.
ومن يحمل التفويض في هذه المرحلة؟
في ظل سيادة منقوصة،
لا يكفي وجود حكومة وبرلمان.
يجب أن يبقى الحامل السياسي الوطني حاضرًا
إطار جامع يعبر عن الشعب كله،
داخل الأرض وخارجها.
الدولة الانتقالية تُدير الحياة اليومية.
لكن الحامل الوطني يحمل التفويض التحرري العام.
إذا ذاب هذا البعد داخل الجهاز الإداري،
فقد نفقد المعنى الذي من أجله نكتب الدستور.
وحين تكتمل السيادة،
تُعاد صياغة العلاقة بين الحامل والدولة بإرادة شعبية مباشرة.

المواطن… هل يُعاقَب لأنه يعيش تحت احتلال؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت واضح:
إذا كانت السيادة منقوصة،
فهل تُصبح حقوق المواطن منقوصة أيضًا؟
الجواب يجب أن يكون حاسمًا:
لا.
الاحتلال قد يقيّد سيادة الدولة خارجيًا،
لكنه لا يمنح الدولة حق تقييد مواطنيها داخليًا بلا حدود.
حرية التعبير،
الحق في محاكمة عادلة،
حظر التعذيب،
الكرامة الإنسانية
هذه لا تُعلّق بحجة
“الظرف الاستثنائي”.
الدستور الذي لا يضع قيودًا صارمة على الطوارئ،
قد يُستخدم لتقييد المجتمع باسم حمايته.

بين الإنكار والاستسلام
الإنكار يقول: نحن دولة كاملة الآن.
والواقع يكذّب النص.
الاستسلام يقول: نحن عاجزون.
والنص يُخلّد العجز.
أما الدستور الواعي،
فيقول:
نحن شعب تحت احتلال.
نمارس سيادة منقوصة مؤقتة.
نُدير حياتنا بقدر الممكن.
ونربط عقدنا الدستوري بأفق التحرر الكامل.
بهذا لا ننكر الواقع،
ولا نُقنّن النقص.

الدستور لا يُحرّر الأرض.
لكنه يمنع أن نُخطئ الطريق ونحن نسير نحوها.
والنص لا يصنع السيادة.
لكنه يحمي معناها من أن يذوب قبل أن تكتمل.
وحين تُطرح أي مسودة أمام الناس،
فالسؤال ليس: هل هي جميلة الصياغة؟
بل:
هل تعترف بالواقع كما هو؟
هل تحمي الحقوق كما يجب؟
هل تربط المؤقت بأفق التحرر؟
وهذا ما سنضعه تحت قراءة هادئة،
لا لنهاجم النص،
بل لنقيسه بمعاييرنا نحن.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
2026 /23/2


FB_IMG_1771803135497.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى