د. أحمد الحطاب - وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

عنوان هذه المقالة هو الآية رقم 106 من سورة يوسف. ما أُدركُه، أنا شخصيا، وما قد يُدركُه، كذلك، ناسٌ آخرون من هذه الآية، هو أن كثيرا من الناس، رغم إيمانهم بالله وبوحدانيتِه وبوَحيِه وبرسالاتِه…، قد يُحسَبون من المشركين.

ونحن تعوَّدنا، حسب ما تلقيناه من تعليمٍ في المدرسة وحسب ما يدور من أحاديث بين عامة الناس، أن الشِّركَ هو أن يعبُدَ بعضُ الناس أشياءَ مادية وغير حية من دون الله. وتعوَّدنا، حسب نفس المصادر، أن الأشياء هي الأصنام والأوثان. لكن لا أحد قال لنا ما هو الفرق بين الصَّنم والوثن، إلى درجة أن الصَّنم أصبح عبارة عن كلمةٌ مرادفة للوثن. هذا ما علَّمتنا إياه المدرسةُ. بينما هناك فرق، من حيث المعنى، بين الصَّنم والوثن.

الصَّنم هو ما يُعبَد من دون الله، لكن له صورة إنسان أو حيوان، وفي غالب الأحيان، يكون منحوتاً على الخشب أو على أي معدنٍ آخرَ. بينما الوثن هو كل شيءٍ يُعبد من دون الله. وهذا الشيءُ يمكن أن يكونَ مكوِّناً من مكوِّنات الطبيعة كالشجر والحجر والكواكب والقبور وقطعة خشب… ولهذا، فكل صنم هو، في الحقيقة، وثنٌ، لكن كل وثنٍ ليس صنماً.

وبصفةٍ عامة، كل ما يُعبد من دون الله، فهو خارجٌ عن الدين الواحد الذي سنَّه، سبحانه وتعالى، للناس، منذ نوحٍ، عليه السلام، إلى آخر الأنبياء والرسل، محمد (ص).

غير أنه، إذا تدبَّرنا بعض آيات القرآن الكريم، سنجد أن الشِّركَ لا يقتصر فقط على عبادة الأصنام والأوثان. بل كثيرٌ من الناس، وبالأخص، الأميون منهم، الشِّرك، بالنسبةِ لهم، انتقل من عبادة الأصنام والأوثان إلى تقديس البشر وجعلهم أولياءَ لهم من دون الله، كما تُشير إلى ذلك الآية رقم 31 من سورة التوبة: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ".

في هذه الآية الكريمة، الأحبار (جمع حَبْر) هم كهنوتُ les rabbins اليهودية le judaïsme. أما الرهبان (جمع راهب) ، فهم كهنوت les moines المسيحية le christianisme أو المتعبِّدون المسيحيون الذين اعتزلوا الحياة الدنيوية وكرَّسوا حياتَهم لعبادة الله.

وما يُستشفُّ من الآية، هو أن بعض اليهود (بنو إسرائيل) والنصارى (المسيحيين)، عوض أن يعبدوا اللهَ، كما أُمِروا بذلك، أصبحوا يعبدون الأحبارَ والرهبانَ ("اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ…"). بل إن منهم مَن أصبح يعبد عيسى بن مريم، الرسول، عليه السلام.

هذا هو ما حدث في عَصرَي موسى وعيسى، عليهما السلام. والشركُ، بمعناه العام، أي عبادة أشياء أخرى مادية من دون الله، كان موجودا في جميع العصور القديمة. بل كان، قديماً، سبباً في بعث الرسل والأنبياء لهداية البشر إلى توحيد الله والإيمان به وبوحدانيتِه وبقدرتِه… ورغم ذلك، فالشِّرك بالله، بجميع أنواعه، أي عبادة الأشياء المادية أو عبادة البشر من طرف البشر، لا يزال موجودا وقائمَ الذات إلى يومنا هذا.

فمثلاً، عندما يُقال إن "صحيحَ البخاري" هو أصحُّ كتابٍ بعد القرآن الكريم، ألا يُعتبر هذا التَّصنيفُ تقديساً للبخاري كشخصٍ اهتمَّ بالأحاديث النبوية؟ ومَن قال إن "صحيحَ البخاري أصحُّ كتابٍ بعد القرآن الكريم"؟ قالها علماء وفقهاء الدين القدامى، وسار على نهجهم علماء وفقهاء الدين الحاليون. فهل يُعقَل أن يُقارنَ كلامٌ بشري الذي هو ظنِّيُ التبوث بكلام إلهي الذي هو قطعي التبوث؟

وعندما يصبح "صحيح البخاري" هو المرجع الأساسي في ممارسة الشعائر الدينية، ويصبح ما كتبه البخاري في صحيحه، هو الإسلام عوض ما نصَّ عليه القرآن الكريم، في هذا الشأن، أليس هذا نوعٌ من الشرك؟

وعندما يتَّجه عددٌ غير قليل من عامة الناس إلى مَن يعتبرونهم من الأولياء الصالحين، الأحياء منهم والأموات، من أجل أن يقضوا لهم حاجاتٍ كثيرةً، كطلب الرزق وفك السحر وإنجاب الأطفال…، أليس هذا نوع من الشرك؟

عندما يعتمد عددٌ غير قليل من عامة الناس، فقط وحصرياً، على أقوال وفتاوى علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، ويتركون جانباً الإسلام الحقيقي الذي جاء به القرآن الكريم عن طريق الوحي الذي أنزله اللهُ، سبحانه وتعالى، على رسوله (ص)، أليس هذا نوع من الشرك؟

لهذا قال، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 3 من سورة الأعراف : "اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ".

في هذه الآية الكريمة، كلامُ الله مُوجَّهٌ للناس، يَنْهاهُم (وَلَا تَتَّبِعُوا)، من خلاله، عن الشرك به. والملاحظ أن فعل "اتَّبَعَ" جاء في صيغة الأمر (اتَّبِعُوا). وفعلُ الأمر، لُغوياً ونَحوِياً، يُستَعمل عندما نريد أن يحصلَ شيءٌ من الأشياء، بكيفيةٍ إلزاميةٍ. "اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ". و "مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ"، هو القرآن الكريم عن طريق الوحي المنزَّل على الرسول (ص).

ولهذا قلتُ في إحدى مقالاتي، هناك فرقٌ بين المسلم والمؤمِن. المُسلم هو كل شخصٍ التزم ويلتزِم بأركان الإسلام ويُمارِسها. بينما المُؤمِن هو الشخص الذي يلتزم بأركان الإسلام، وفي نفس الوقت، يتوفَّر على إيمانٍ قوي، أي صادِرٍ من عمق النفس البشرية، ويُترجِمُ هذا الإيمانَ على أرض الواقع بالتَّقوى، أي بالأعمال الصالِحة. وهذا يعني أن المؤمِن، بالإضافة إلى التزامِه بأركان الإسلام، يُؤمِن بالله وبملائكتِه وكتبه ورسله والقدر خيره وشره واليوم الآخِر. ولهذا، فالمؤمِن لا يكون إسلامُه كامِلا إلا إذا مزج إيمانَه بالتقوى.

وفي الختام، المنطِق يقول، ليس "كل مسلمٍ مُؤمِنا". لماذا؟ لأن المُسلمَ قد يعصى اللهَ، سبحانه وتعالى، أو قد يُظهِر للناس أنه مؤمِن وإيمانُه لا ينبع من عمقِ نفسه. في هذه الحالة، فإن المُسلمَ قد يكون، أحباناً، منافِقاً، أي إسلامَه لا يتوافق مع إيمانِه وإذا أردنا أن نكونَ أكثرَ وضوحاً ودقَّّةً، سنقول : "الإسلام، كمفهوم، أوسَع وأشمل من الإيمان" الذي يُشتَرَط فيه أن يكون نابعاً، كما سبق الذكرُ، من عمق النفس البشرية، أي أن يكونَ فيه التَّصديق عالِياً. ولهذا، فالمُؤمِن قد يحتل درجةً عليا بالنسبة للمُسلم الذي قد يختلُّ إيمانُه من حينٍ لآخرَ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى