أ. د. عادل الاسطة - كاتب عرف برواية واحدة فقط : أنطون شماس "عربسك"

لم تترجم رواية أنطون شماس الوحيدة " عربسك " التي ترجمت إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية ، لم تترجم إلى العربية ، وكان علي ، بعد تلقيها في النقد الأدبي العربي زمن صدورها ، أن أقرأها أنا الذي لا يتقن العبرية .
في العام ١٩٨٩ انتهزت فرصة ترجمتها إلى الألمانية فاقتنيتها وقرأتها ، وفضلت أن أشتري الترجمة الإنجليزية ، وهو ما تم حيث أحضرها لي من أمريكا والد شاب أمريكي معه ، حين زار ألمانيا لرؤية ابنه جاري في السكن الجامعي في ( بامبرغ ).
أهديت الترجمة الألمانية وترجمة كتاب ( ديفيد غروسمان ) " الزمن الأصفر " إلى صديقي الألماني ( برنارد / برنو في رواية " تداعيات ضمير المخاطب " ) ولعله ، هو الشغوف بالقراءة واقتناء الكتب ، قرأهما وما زال يحتفظ فيهما وعليهما خربشاتي - معاني المفردات الألمانية بالعربية .
في العقود الأخيرة عدت أكثر من مرة إلى الرواية التي ترجمتها ( فيفيان إيدن ) لأنظر في قسم منها .
في العام ١٩٩٧ ترجمت دراسة الأستاذة الألمانية ( أوتي بوهماير ) " صورة العربي في الرواية الإسرائيلية " ولاحظت أنها درستها على أنها رواية إسرائيلية ، لأن الدارسة تناولتها ، اعتمادا على معياري ؛ اللغة التي كتبت فيها والهوية السياسية لكاتبها ، فأنطون شماس فلسطيني يحمل جواز السفر الإسرائيلي وكتب روايته بالعبرية ، عدا أنه يعد نفسه مثقفا بالدرجة الأولى يحاور مثقفين مثل (عاموس عوز) و (الف . ب . يهوشع )و( ديفيد غروسمان) و( يورام كانيوك )وغيرهم ، والأسماء المذكورة هي أسماء روائيين يهود إسرائيليين درست ( بوهماير ) صورة العربي في رواياتهم .
عدت إلى الرواية ثانية وأنا أكتب عن رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " (٢٠١٦ ) ، فقد تناص معها إلياس وذكر راويه ما الذي أبهره في " عربسك " وأتيت عليها في مقالين " إدوارد سعيد وانطون شماس وسؤال الهوية "( ٢٧ / ١١ / ٢٠١٦ ) و " تلقيها في الأدب " ( ٢٤ / ٧ / ٢٠١٦ ) . لقد ذكرها إلياس في موطنين من روايته ؛ في صفحة ١٥٥ وصفحة ٢٣٤ ، وفي الثانية عبر مأمون الأعمى ، ومن ورائه إلياس خوري ، عن بلاغة الرقص في رواية شماس :
" بلاغة صمت الضحايا في ساحة الجامع الكبير في اللد أخذتني إلى بلاغة الرقص في ساحة قرية فسوطة الجليلية . رأيت غبار الصمت ينتشر ويغطي الجميع . غبار يشبه ذاك الذي تصاعد من تحت أقدام أهل فسوطة ، وهم يستسلمون للجيش الإسرائيلي عبر دبكتهم الشمالية ، فغطاهم الغبار الذي حجب معهم جنود الجيش ، فتساوى المنتصر والمهزوم في الغياب والاختفاء ، مثلما وصف أنطون شماس تلك اللحظة المهيبة في روايته الرائعة " أرابيسك " " .
في طوقان الأقصى التفت إلى طروحات إسحق موسى الحسيني في " مذكرات دجاجة " (١٩٤٣) وغسان كنفاني في روايتيه " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣) و " عائد إلى حيفا " (١٩٦٩) وإميل حبيبي في " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " (١٩٧٤) ، وهي طروحات مختلفة اختلافا كليا أتيت عليها في مقالي " ما بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " . أي الحلول ننهج : الهجرة كما رأت دجاجة الحسيني ، أم المقاومة بالسلاح كما اقترح سعيد . س في رواية كنفاني ، أم البقاء في الأرض قانعين بالخازوق الذي نجلس عليه متشبثين به كما فضل سعيد في متشائل حبيبي " باق في حيفا "؟. والطريف أنني لم آت على رواية شماس وموقف أهل قرية فسوطة في تشرين الأول ١٩٤٨ ، الموقف الذي سحر إلياس خوري كما كتب غير مرة ، ويتمثل الموقف في مقابلة قوات جيش اليهود كما ورد في الرواية بالدبكة الشمالية الجليلية معترفين بالدولة الناشئة مقابل بقائهم في أرضهم ، وهكذا وافقوا على تسليم الميجر الإسرائيلي نمر السلاح الذي بحوزتهم حتى المخبأ منه في أكوام القش .
في طوفان الأقصى اختلفت المواقف منه وتعددت ، فمن مؤيد له فرح به حامد الله إلى أنه شهد ذلك اليوم الذي دق فيه الفلسطينيون جدران حزان الدولة العبرية وهدموه - وهؤلاء منهم من ثبت على موقفه ومنهم أمام ما تبع الهجوم من غير موقفه - ، ومن معارض له رائيا فيه نكبة جديدة أقسى بعشرات المرات من نكبة العام ١٩٤٨ ، وهكذا تعددت الكتابات واختلفت كما تعددت مواقف سكان قطاع غزة وتباينت و ... .
مؤخرا عدت إلى الرواية أبحث عن مشهد استسلام أهل فسوطة ، ولما غاب رقم صفحة المشهد في الرواية عن ذهني فقد سألت الذكاء الاصطناعي ( ال Gemini ) ولما أعطاني أرقام صفحات عدت إليها ولم أعثر على المشهد ، فقد أعدت السؤال تلو السؤال وكان الذكاء يعتذر ويكرر اعتذاره ، حتى أن الروائية العكية حنان باكير المقيمة في دولة اسكندنافية ، حين قرأت مراسلاتي مع الذكاء الاصطناعي ، عقبت عليها :
" نشفت ريقه ".
في كتابه " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " تساءل فاروق وادي ، وهو يدرس رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ، إن كان المرء يغدو روائيا من خلال رواية واحدة ، ورأى أن هذا هو حال إميل حبيبي . وأعتقد أن هذا ما حققه أنطون شماس الذي صدر روايته بمقولة
Clive James
" أغلب الروايات الأولى هي سيرة ذاتية مقنعة . هذه السيرة الذاتية هي رواية مقنعة " .

" Most first novels disguised autobiographies. This autobiography is a disguised novel " .

١٦ / ٢ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى