د. أحمد الحطاب - التملق السياسي

عنوان هذه المقالة يفرض عليَّ، أولا وقبل كل شيء، أن أُعرِّفَ القارئَ على ما أقصده ب"التَّملُّق". "التَّملُّق" هو نوعُ من النفاق l'hypocrisie، الفردي أو الجماعي، يتمثَّل في إغْدَاقُ شخصٍ ما بالمديح المبالغ فيه، الهدف منه هو إرضاؤه أو إغواؤه أو من أجل الحصول على مصلحةٍ أو فضلٍ une faveur ما. أما التَّملُّق المُستعمل في مجال السياسة، أي "التَّملُّق السياسي"، ففيه الإرضاء والإغواء والحصول على مصلحة أو مصالح، لكنه يبقى نوعا من المُناورة la manipulation مخطَّطٌ له ومدروس مُسبقا.

علما أن الهدفَ من هذه المناورة، هو الحصول على فضل une faveur من الأفضال أو التَّأثير على قرارٍ une décision من القرارات أو إغراق "الأنا" l'ego لِمَن بيده السلطة لتعزيز سلطتِه وتقويتِها.

ولا داعيَ للقول أن "التَّملُّق السياسي"، هو الآخر، كلُّه نفاق، أي كلُّه مخالِف لما يُضمِره المُتملِّقُ من نوايا سيئة ولا أخلاقية. وهذا النوع من "التَّملُّق السياسي" أو من المناورات يُسيء للأحزاب السياسية التي، من المفروض، أن تكونَ الديمقراطية هي الخيط الناظم le fil conducteur لأفكارها وأعمالها. والآن، سأطلِع القارئَ على السبب الذي دفعني لأُحرِّرَ هذه المقالة تحت عنوان "التَّملُّق السياسي".

السَّبب الرئيسي، بالنسبة لي، أي الأول والأخير، هو الآتي : عندما يوجِّه صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، خطابا إلى الشعب المغربي في المناسبات الرسمية، على الخصوص، يقوم السياسيون المنتمون للأحزاب السياسية، بصفة عامة، وزعماء الأحزاب، بصفةٍ خاصةٍ، بالثناء (مدح محتوى الخطاب) على هذا الخطاب وتقدير محتواه. بل إن بعض السياسيين وزعماء الأحزاب يعتبرونه خارطةَ طريق une feuille de route يُعتَمَد عليها في رسم سياسة البلاد.

والحقيقة، كل الحقيقة أن ثناءَ السياسيين وزعماء الأحزاب على خُطب ملك البلاد ليس إلا نفاق، تعوَّدت الأحزاب السياسية على ممارسته ليس فقط، بعد خُطب ملك البلاد، ولكن في كل خطوة يخطوها جلالتُه من أجل مصلحة المغرب. والدليل على ذلك أنه، بمجرد انتهاء خُطب ملك البلاد ، تعود حليمة (الأحزاب السياسية) إلى عادتِها القديمة، أي الجمود وعدم إنتاج الأفكار السياسية. والأدلَّة في هذا الشأن كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :

1.لما تحدَّث ملك البلاد على الثروة التي تُنتِجها البلاد وطرح سؤالَ "أين الثروة"، فهل تحرَّكت الأحزاب السياسية واستَجَابت لهذا السؤال بتقديم تقريرٍ للديوان الملكي يُبيِّن في ماذا تُصرَف الثروة التي تُنتِجها البلاد. لا ثم لا ولا شيءَ غير لا! لن تجرؤَ الأحزاب السياسية على تقديم هذا النوع من التَّقارير. لأنها تعرف، وبحكم تدبيرها للشأن العام، أن ثروةَ البلاد تستفيد منها أقليةٌ une oligarchie تستحوِد على السلطة المال.

2.لما تحدَّثَ ملك البلاد في إحدى خُطَبِه عن جدِّية الأحزاب السياسية وقالَ إنه لا يثق في هذه الأحزاب مادام الشعبُ المغربي فَقَدَ ثقتَه فيها. فهل تحرَّكت الأحزاب السياسية وتجنَّدت للاستجابة لهذه الملاحظة؟ لا ثم لا ولا شيءَ غير لا! عادت حليمة إلى عادتِها القديمة. هل أدخلت تغييراتٍ على أفكارِها وخطِّها السياسي؟ وهل غيَّرت قياداتها وفتحت البابَ لتشبيب هذه القيادات. لا، لم تفعل شيئا من هذا القبيل. لماذا؟

لأن أحزابَنا السياسية، وخصوصا، قياداتُها لا ترى في وجودِها ضمنَ أحزابها إلا إمكانيةَ الوصول إلى كراسي السلطة. وهذا يعني أن الوصولَ إلى كراسي السلطة أغلى وأولى من أي عملٍ آخرَ. علما أن الأحزاب السياسية هي امتدادٌ لإرادة الشعب، حيث أنه، من واجب هذه الأحزاب أن تُمثِّلَ الشعبَ المغربي أحسن تمثيل. وأحسنُ تمثيلٍ يبدأ باحترام أصوات الناخبين. واحترام أصوات الناخبين، إما أن تَشملَه الديمقراطية، وإما أن يشملَه النسيان. والنسيان يفرضه التَّسابقُ إلى كراسي السلطة.

وفي ختامِ هذه المقالة، التَّملُّق وسيلةٌ من والوسائل التي تلجأ لها الأحزاب السياسية لحاجاتٍ في نفس يعقوب. وهذه الحاجات كثيرة، وعلى رأسها، يوجد الوصول إلى كراسي السلطة من أجل السلطة، سواءً لتدبير الشأن العام أو لتدبير الشأن المحلي. وهذه الحاجات التي يُضمِرها السياسيون تتحوَّل، مع مرور الوقت، إلى اختلالات لها علاقة بمشروعية وجود الأحزاب السياسية و وظائفِها المحددة دستوريا وقانونياً والتي يُخرِجها إلى الوجود ملاحظاتُ المواطنين والمُحلِّلين السياسيين.

وأهم هذه الاختلالات، نسيان احترام أصوات الناخبين، أي أن هذه الأصوات ليست إلا مطية تركبها الأحزاب السياسية للوصول إلى الحاجات في نفس يعقوب. وما تنساه أو تتناساه الأحزاب السياسية، هو أنها تمثِّل الشعبَ المغربي بجميع أطيافه. وما تنساه أو تتناساه الأحزاب السياسية هو إنتاج الأفكار التي من شأنها أن تنفعَ البلادَ والعبادَ.

إضافة إلى ما تنساه أو تتناساه الأحزاب السياسية، هناك اختلالاتٌ أخرى بنيوِية، أذكر من بينها ما يلي :

-نقصٌ أو غيابٌ في الديمقراطية الداخلية la démocratie interne
-البيروقراطية وغياب النقاش
-غياب تجديد الأفكار
-غياب النزاهة والشفافية
-تشكيك المواطنين في مشروعية وجود الأحزاب السياسية
-عدم تجذُّر الأحزاب السياسية في المجتمع المغربي
-التَّقديس المبالغ فيه للقيادات الحزبية
-اختلاف الأحزاب السياسية، فقط وحصريا، بالتَّسميات الرنانة والفارِغة، من حيث إنتاج الأفكار والنضال
-عدم القدرة على تأطير المواطنين سياسياً وبالتالي، عدم تعبئتِهم من أجل المساهمة في بناء الوطن
-اللجوء إلى استعمال وسائل غير أخلاقية لتحقيق الصدارة في الانتخابات، وعلى رأسها، استعمال المال لتغيير إرادة المواطنين (الناخبيِن)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى