رسائل الأدباء 3 رسائل بين الدكتورة غانية ملحيس والمخرج والكاتب السينمائي يحيى بركات

- رسالة غانية ملحيس

إلى الصديق العزيز يحيى بركات، بعد قلبك… الذي علمنا معنى الحياة

قراءة مقالك الأخير يا يحيى كانت تجربة مختلفة هذه المرة، تجربة تحمل مزيجا من القلق والاطمئنان، ومن الألم والفكر العميق.
بداية، دعني أهنئك بالسلامة بعد هذه الرحلة الصعبة بين التشخيص والقسطرة والجراحة. ليست مجرد تهنئة عابرة، بل اعتراف بما اختبره قلبك، وما تعلمناه نحن من خلال كلماتك: أن القلب ليس مجرد عضلة، بل ذاكرة حيّة، ومساحة تجمع الحرب والسلام، الوطن والمنفى، الألم والضحك، الحياة والموت.
لقد افتقد متابعوك - وأنا منهم - مقالاتك الفكرية والسياسية والإبداعية خلال الفترة الماضية، وقلنا لأنفسنا ربما كان رمضان وانشغالاته سببا في تأخير كتاباتك كما عودتنا دوما على التفاعل العميق. إلا أن مقالك الأخير جاء ليذكرنا أن لا شيء يمكن أن يمنعك من تحويل تجربة شخصية إلى درس. قلبك، رغم كل التعب، ما زال يكتب ويبتكر ويغذي عقولنا كما يروي التاريخ والواقع.
في مقالك، هناك لحظات صامتة لكنها صاخبة في معناها: من الألم المفاجئ في صالة الرياضة، إلى وجود الأبناء حولك، ورؤية نجوان ومناف وعمر، وصولا إلى اللحظة التي يُفتَح فيها قلبك في غرفة العمليات… كلها مشاهد لم تقتصر على الجانب الطبي، بل كشفت فلسفة الحياة نفسها: أن الموت ليس عدوا، بل حقيقة، وأن الحياة ليست وعدا طويلا، بل سلسلة من اللحظات التي تحتاج من الإنسان أن يختار فيها الاستمرار.
نحن يا يحيى أبناء جيل صادق الموت وألفه، وعاش حياة مضافة كما كان يقول لي زوجي كلما أبديت خوفي من الفقدان، لكثرة اختبارات الموت التي عايشناها على مدى نصف قرن، حيث يحمل الفلسطيني الذي سكنه الوطن روحه على راحته.
ما لفتني في مقالك هو قدرتك على نسج تجربة شخصية مع سياق سياسي وفلسفي: اعتقالك المبكر، المنفى، الحرب، التشرد، أوسلو، والمواجهة اليومية مع الواقع الفلسطيني، كلها تجارب أثرت في قلبك وعقلك، وجعلت منك كاتبا مبدعا يرى الحياة بعين من يمتلك معرفة حقيقية بالوجود.
وعندما قلت: “الإنسان لا ينجو لأنه أقوى من الموت… بل لأنه في كل مرة يجد سببا صغيرا آخر ليؤجل استسلامه”، لم تكن هذه مجرد جملة مؤثرة، بل فلسفة كاملة عن الصمود الإنساني، وعن القدرة على تحويل المعاناة إلى معرفة، والتحدي إلى حياة. لقد جعلت يا يحيى من لحظة ضعف جسدي - الجلطة، القسطرة، الجراحة - فرصة لطرح سؤال أكبر: ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟ وما هي القيمة الحقيقية للحياة، للزمن، للوطن؟
أكثر ما شدني في مقالك البعد الإنساني: العلاقة بين الأبناء والوالد، الحضور الزوجي، ووفرة الحب والدعم. كل ذلك يُظهر أن الإنسان لا يبني حياته على القوة الفردية فقط، بل على الروابط التي تربطه بالآخرين. قلبك، كما قلت، ليس عضلة فقط، بل وطن صغير، ومساحة سلام داخلها الحرب والحنان، الألم والفرح، الحياة والموت.
أخيرا، يا يحيى، أود أن أؤكد لك أن متابعيك كانوا في شوق دائم لمقالاتك، وما كتبته الآن لم يكن مجرد عودة، بل درس مهم لكل قارئ: أن القوة الحقيقية تكمن في مواجهة الواقع، وأن الفن والفكر يمكنهما أن ينقلا تجربة شخصية إلى معرفة مشتركة.
شكراً لك على هذا البُعد الإنساني والفكري، وشكرا لتذكيرنا بأن كل قلب يحكي قصة، وأن قصتك تظل مصدر إلهام لنا جميعا.
سلامتك، واستمر في الكتابة، فقلوبنا بحاجة إلى كلماتك، وعقولنا إلى فلسفتك، ووطننا إلى رؤيتك.

غانية ملحيس


***


- رسالة يحيى بركات


الصديقة العزيزة الدكتورة غانية ملحيس
قرأت رسالتك كما يقرأ المخرج فيلمًا صُوِّر من زاوية لم يكن يتوقعها.
كنت أظن أنني كتبت نصًا بسيطًا عن القلب:
جلطة، قسطرة، وغرفة عمليات.
لكن قراءتك أعادت ترتيب المشهد كله.
لم تتوقفي عند الجراحة،
بل ذهبتِ إلى ما قبلها:
إلى الحرب، والمنفى، وذاكرة جيلٍ تعلّم مبكرًا أن يحمل حياته كما لو أنها حياة مضافة.
ما كتبتهِ لم يكن تعليقًا على مقال،
بل جراحة هادئة للنص نفسه.
أنتِ لم تقرئي الكلمات فقط،
بل فتحتِ الشرايين التي تختبئ بينها.
لهذا احتجت في البداية أن أقرأ رسالتك أكثر من مرة.
ليس لأن الكلمات غامضة،
بل لأنك تفعلين ما يفعله علماء النفس أحيانًا:
تفككين الجملة لتري ما تخبئه من طبقات.
الكلمة عندك لا تمر كما هي.
الكلمة قد تصبح خمس كلمات،
وحين تدخل الجملة
تصبح عشرات المعاني.
لكن دعيني أقول لك شيئًا لم أكتبه في المقال.
حين أجرى لي طبيب القسطرة الفحص
جعلني أنظر إلى شاشة تظهر شبكة الشرايين.
رأيت بعضها مغلقًا،
وبعضها بالكاد يسمح بمرور الدم.
سألته بدهشة:
كيف بقيت حيًا كل هذا الوقت؟
ابتسم وقال:
انظر إلى هذه الشرايين الصغيرة.
قال إن القلب، حين تضيق الطرق الرئيسية،
يبدأ بالاعتماد على شعيرات صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
سنوات طويلة
كان القلب يستخدم تلك الطرق الخفية
كي يبقى الدم جاريًا.
ثم قال جملة توقفت عندها طويلًا:
لقد عاش قلبك سنوات طويلة
على هذه الطرق الالتفافية.
ثم أضاف، وهو يعرف أنني فلسطيني:
أنتم تعرفون هذه الفكرة جيدًا…
حين تُغلق الطرق الرئيسية
تفتحون طرقًا التفافية
كي تستمر الحياة.
لكن القلب، كما قال،
وصل إلى لحظة
لم تعد فيها تلك الشعيرات تكفي.
كان لا بد من طرق جديدة.
حينها فهمت شيئًا آخر.
القلب لا يتعب فجأة.
القلب، مثل الإنسان،
يستخدم كل ما لديه من حيل.
كل طريق جانبي،
كل شعيرة صغيرة،
كل احتمال للحياة.
لكن هناك لحظة
يصل فيها القلب إلى حدوده.
ليس لأنه ضعيف.
بل لأنه
استخدم كل ما لديه.
حينها
لا يستقيل القلب لأنه عاجز.
بل لأنه
يحترم نفسه.
وربما لهذا
لم يكن غريبًا أن تفتح الأنطولوجيا هذا الباب الجميل:
«رسائل الأدباء».
لأن النص أحيانًا لا ينتهي عند كاتبه،
بل يبدأ حين يقرأه كاتب آخر
بقلب مختلف.
وربما لهذا أيضًا
حين كنت في المستشفى هنا في دبي
اكتشفت أن الحرب يمكن أن تلحق بالإنسان أينما ذهب.
تركت الحرب في فلسطين… لكنها لحقتني إلى هنا.
ربما لهذا
حين قرأت رسالتك
شعرت أن النص لم يعد نصي وحدي.
لقد أصبح مساحة أوسع
يتقاطع فيها القلب مع التجربة،
والجسد مع التاريخ،
والألم مع معنى الحياة.
أنا كتبت المشهد كما يكتبه المخرج:
أضع الكاميرا
وأترك للمتفرج أن يرى ما يستطيع أن يراه.
أما أنتِ
فدخلتِ إلى داخل الكادر نفسه.
أخرجتِ من جراحة القلب
سيرة جيلٍ كامل.
جيلٍ تعلّم أن يمشي في الحياة
كما يمشي الفلسطيني في الطرق الالتفافية…
كي تستمر الحياة.
أما القلب
الذي كتب تلك الكلمات
فما زال يتعلم شيئًا بسيطًا:
أن القلوب
مثل الأوطان…
كلما ضاقت طرقها
بحثت عن طريق آخر للحياة.
ولهذا
فإن للقلب…
كما للحياة…
بقية.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



***



***


الصديق العزيز يحيى بركات
رسالتك الجوابية أسعدتني كبشارة للتعافي، ولأنها تواصل الكتابة التي أعادتك إلينا. فلا تكتفي بما قيل، بل تفتح أبوابا جديدة للفهم. كنت أظن أن حكاية القلب انتهت عند غرفة العمليات، لكنك أعدت تشكيل المشهد، حين أخذتنا إلى تلك الشعيرات الصغيرة التي أبقت الدم جاريا لسنوات طويلة دون احتجاج.
ما قاله طبيب القسطرة عن الطرق الالتفافية ليس وصفا طبيا فقط، بل استعارة عميقة لحياة كاملة. فالفلسطيني، كما قلت، يعرف هذه الحيلة جيدا: حين تُغلق الطرق الكبرى، لا يتوقف عن السير، بل يبتكر طريقا آخر، ضيّقا وخفيا، لكنه حقيقي… وكأنه روح لا تنكسر.
ربما لهذا بدت لي صورة القلب على الشاشة، كما وصفتها، أقرب إلى خريطة حياة، لا إلى خريطة شرايين. شبكة من الطرق التي صنعتها التجارب: حرب، ومنفى، وعودة، وذاكرة جيل عاش حياته حياة مضافة. تلك الشعيرات الصغيرة التي تحدث عنها الطبيب تشبه كثيرا ما يبقي الإنسان واقفا: صداقة، كلمة، فكرة، لحظة معنى لا يراها أحد، لكنها تمنح الحياة القدرة على الاستمرار.
ما لفتني في رسالتك أنك لم تتحدث عن حدود القلب بوصفها نهاية، بل بوصفها لحظة صدق مع الذات. فالقلب الذي استخدم كل ما لديه من طرق للحياة ليس قلبا منهكا، بقدر ما هو قلب عاش تجربته كاملة.
ربما لهذا لم يعد النص نصك وحدك، كما قلت، النصوص الصادقة تفعل ذلك دائما، تخرج من صاحبها لتصبح مساحة مشتركة بين التجربة والقراءة، بين الكاتب ومن يقرأه.
أما القلب الذي يتعلم المشي من جديد في ممرات المستشفى، فهو يعلمنا شيئا مهما: أن الحياة ليست الطرق الواسعة فقط، بل تلك المسارات الصغيرة التي تفتحها الإرادة حين تضيق الجغرافيا، حين يختفي الأمان، وحين يبدو المستحيل أقرب من الممكن.
سلامتك مرة أخرى يا يحيى،
ولعل أجمل ما في الحكاية أن القلب الذي تحدّثت عنه بهذا العمق ما زال يفعل أهم ما خُلق له: أن يواصل الحياة… وأن يواصل الحكاية.
غانية ملحيس
10/2/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى