السياسة واللغة الإنكليزية

جورج أورويل
ترجمة محمود الصباغ

يقر معظمنا، لاسيما من يضعون في اعتبارهم أهمية لهذا الموضوع، بسوء حال ما وصلت إليه اللغة الإنكليزية، بيد أننا نفترض، في العموم، عجزنا عن فعل ما يعالج هذا الأمر لتحسين وضعيتها. فها هي حضارتنا ما انفكت تتدهور وتتحلل، ويفترض مشاركة لغتنا هذا الانهيار العام لا محالة، مما يترتب عليه الإقرار ببؤس أية محاولة لردع من يسيء استخدام اللغة، وتغدو محاولتنا نوستالجيا بالية ممتزجة بالحمق والخبل، وتنبع من عواطفنا أكثر من عقولنا، مثل تفضيل استخدام الشموع على الكهرباء، وعربات الخيل على الطائرات. ويكمن خلف هذا الاعتقاد، شبه الواعي، إيمان يعيّن اللغة نمواً طبيعياً وليست مجرد وسيلة نشكّلها وفقاً لأغراضنا الخاصة.
ويبدو تدهور اللغة واضحاً، في نهاية المطاف، لأسباب سياسية واقتصادية، وليس للتأثير السيئ لهذا الكاتب أو ذاك، غير أن قابلية هذا التأثير ليكون سيباً بحد ذاته، يجعله سبباً معززاً للسبب الأصلي، فينتج الأثر ذاته على اللغة وإن بصورة مكثفة، وندور هكذا دواليك في الحلقة عينها من الأسباب والتأثيرات الناجمة عنها إلى ما لا نهاية. فمثلاً، قد يلجأ بعضنا إلى الشراب لشعوره بالفشل، ثم يزداد الأمر سوءً ويتحول إلى فاشل حقيقي لمعاقرته الخمر.. وهكذا، وهذا ما يحدث للغة الإنكليزية. فيصبح الأمر أكثر قبحاً ويخلو من الدقة لحماقة أفكارنا، فتهافت لغتنا ورثاثتها يسهلان علينا الوصول إلى تلك الأفكار الحمقاء. وما بهم هنا، أن هذه العملية عكوسية بعض الشيء.
فاللغة الإنكليزية الحديثة، لاسيما المستخدمة منها في الكتابة، مليئة بعادات سيئة انتشرت بيننا عن طريق التقليد والإرث المتبادل بين من يستخدمون الإنكليزية الحديثة لغة كتابة، وهذا أمر يمكن تفاديه متى امتلكنا الاستعداد لبذل جهد أكبر في تحمل المشاكل والصعاب التي تعترض طريقنا. فإذا تخلصنا من هذه العادات السيئة، أمكننا التفكير بوضوح أكثر؛ ويمثل هذا خطوة أولية ضرورية للمضي في عمليات التجديد السياسي، بمعنى لا ينبغي النظر إلى مواجهة سوء استخدام اللغة الإنكليزية بوصفها معركة تافهة تقف حدودها عند دور الكتّاب المحترفين. وهذه نقطة سأعود إليها لاحقاً، وآمل وضوح كلامي أكثر عند الحديث عنها.
وإلى أن نصل إلى تلك النقطة، سأطرح خمسة أمثلة من أساليب الكتابة السائدة الآن بالإنكليزية. علماً أن اختيارها لا يجعلها نماذج معيارية بالغة السوء -كان بوسعي اختيار أمثلة أسوء بكثير لو أردت- ولكني اخترتها لأنها توضح العديد من العيوب الذهنية التي نعاني منها اليوم، فهي تمثل، ببساطة، أدنى بقليل من المتوسط، رغم كونها مجرد نماذج تمثيلية نوعاً ما. ورقّمتها للرجوع إليها عند الحاجة:
المقطع رقم (1): لست متأكداً في الحق ما إذا كان من الصواب القول إن ميلتون الذي لم يبدُ يوماً ما غير شبيه بـ "شيلي" في القرن السابع عشر، لم يصبح، من خلال تجربة تزداد مرارة كل عام، أكثر غرابة (كذا بحسب النص) عن مؤسس تلك الطائفة اليسوعية الذي لا يستطيع أي شيء حثه على التسامح... البروفيسور هارولد لاسكي (مقال في حرية التعبير).
المقطع رقم (2): فوق كل شيء، لا يمكننا التعامل بدرجة من التراخي والتسرع مع مجموعة التعابير الاصطلاحية الأصلية التي تعرض تراكيب فظيعة للكلمات كحال كلمات أساسية مثل "التقبل" بديلاً عن "التحمل" أو "الحيرة" بديلاً عن "الإرباك".[1]... البروفيسور لانسلوت هوغبن (انترغلوسيا).
المقطع رقم (3): لدينا، في المبدأ، الشخصية الحرة: وهي بحكم تعريفها ليست شخصية عصابية، لافتقارها إلى أحلام أو صراعات. ورغباتها، بوصفها رغبات، من طبيعة شفافة، لأنها ليست سوى ما تحتفظ به الموافقة التأسيسية في الوعي المتقدم؛ وليست سوى نمط تأسيسي آخر من شأنه تغيير عددها وكثافتها؛ وثمة القليل فيها مما هو طبيعي أو غير قابل للاختزال أو خطير في الثقافة. لكن على الجانب الآخر، تبقى الرابطة الاجتماعية بحد ذاتها انعكاساً متبادلاً لهذه التكاملات الذاتية المضمونة. تذكر تعريف الحب. أليست هذه هي الصورة ذاتها للأكاديمي الصغير؟ هل يوجد ثمة مكان في قاعة المرايا هذه سواء للشخصية أو للأخوّة؟... مقال عن علم النفس في السياسة (نيويورك).
المقطع رقم (4): كان جميع من نصفهم بـ "أفضل الناس" من نوادي سادة المجتمع، وجميع القادة الفاشيين الهستيريين، متحدين في كراهيتهم المشتركة للاشتراكية ومتحدين في إظهار رعبهم الوحشي من المد المتصاعد للحركة الثورية الجماهيرية، ولجؤوا إلى أعمال استفزازية، وإلى إثارة أعمال تحريضية كريهة، وحرق الممتلكات وبث الإشاعات التي تعود لأساطير العصور الوسطى عن الآبار المسمومة، بغية شرعنة تدميرهم للمنظمات البروليتارية وحظرها، وإثارة الحماسة الشوفينية لفئات البورجوازية الصغيرة المهتاجة للوقوف الحاسم في وجه الطريق الثوري للخروج من الأزمة... (منشور شيوعي).
المقطع رقم (5): إذا أردنا غرس روح جديدة في هذا البلد القديم، فما علينا سوى إجراء إصلاح شائك ومثير للجدل، وهو تنشيط galvanization وأنسنة البي بي سي. فما هو مخجل هنا، ذلك الشعور بانحطاط الروح وما يصيبها من تقرح. قد يكون قلب بريطانيا سليماً معافى ويخفق بقوة، على سبيل المثال، لكن زئير الأسد البريطاني في الوقت الحاضر يشبه زئير "بوتوم" في مسرحية شكسبير حلم ليلة صيف، زئير لطيف مثل هديل حمامة ذليلة. لا يمكن لبريطانيا الجديدة المليئة بالقوة والمفعمة بالحيوية القبول بتعرضها للتشهير المستمر على مرأى ومسمع العالم بسبب ضعف وكسل لانغهام [أحد مقار البي بي سي- المترجم]، الذي يتنكر، بوقاحة، بزي "اللغة الإنكليزية القياسية". وعندما يُسمع صوت بريطانيا في الساعة التاسعة صباحاً، فمن الأفضل كثيراً وبلا حدود وبأقل قدر من التهكم الاستماع إلى الاسقاط الصادق للإذاعة بصوتها الهش بدلاً من النهيق المدرسي التافه المثبط، والذي يشبه مواء العذارى الخجولات هذا! (رسالة إلى تريبيون.)
يحتوي كل مقطع من هذه المقاطع على أخطائه، ولكن بغض النظر عن القبح الممكن تجاوزه، تشترك جميعها بصفتين: الأولى، فقر المخيّلة، والثانية غياب الدقة والتحديد. فيبدو الكاتب كما لو أنه يريد قول شيء معين لكنه لا يستطيع التعبير عنه، أو يقول شيئاً آخر عن غير قصد، أو يكاد يكون غير مكترث أكانت كلماته ذات معنى أم خالية منه في المطلق. ويشكل هذا المزيج من الغموض وعدم الكفاءة المطلقة السمة الأكثر وضوحاً للأدبيات الإنكليزية الحديثة، لاسيما الأدبيات السياسية. إذ سنلاحظ، فور تناول مواضيع معينة، تحول الأمور الملموسة إلى أفكار مجردة، ولن نبدو قادرين على التفكير في توظيف عبارات وأساليب غير مألوفة؛ ففي النثر، تنحسر الكلمات المختارة لمعانيها أكثر وأكثر مقابل ازدياد عبارات اصطلاحية مركبة فوق بعضها البعض مثل تجميع أقسام ديكور مسبق الصنع.
سأدرج أدناه، مع بعض الملاحظات والأمثلة، العديد من الحيل للتهرب من إنشاء أدب نثري احترافي مسبوك كما هي العادة.
الاستعارات الفاسدة.
تساعد الاستعارات المبتكرة في الوقت الحالي على التفكير باستحضارها صورة بصرية جديدة، وبينما تبدو هذه الاستعارة، من ناحية أخرى، "ميتة" من الناحية التقنية (كقولنا "قرار حديدي" على سبيل المثال) نراها ترتد، في الواقع، لتصبح كلمة عادية قابلة للاستخدام على العموم دون فقدان وضوحها وحيويتها. ويقع بين هاتين الحالتين قدر هائل من الاستعارات الرثة المستهلكة التي فقدت مخزونها التعبيري وقدرتها الإيحائية وباتت تستخدم فقط لأنها توفر على الناس عناء اختراع عبارات جديدة.
ومن الأمثلة على ذلك: تغيير الأساليب Ring the changes on، الدفاع عن قضية ما take up the cudgels for، الامتثال للقواعد toe the line، الاستباحة والاستغلال ride roughshod over، الوقوف كرجل واحد stand shoulder to shoulder with، اللعب لفائدة الغيرplay into the hands of، التصرف وفقاً لدوافع خفية no axe to grind، الإسهام في تحقيق الهدفgrist to the mill، الاصطياد في الماء العكرfishing in troubled waters، موضوع النقاش الرئيس on the order of the day، كعب أخيل (نقطة ضعف حاسمة) Achilles’ heel، العمل الأخيرswan song، بؤرة الاضطراب hotbed.. إلخ[2]. وتستخدم العديد من هذه الاستعارات دون معرفة معناها (ما هو "الصدع rift "[3]، على سبيل المثال؟)، وغالباً ما تخلط بطريقة غير متوافقة، استعارات متناقضة ومتنافرة، وهذه إشارة واضحة إلى عدم اهتمام الكاتب بما يقوله أو يكتبه.
لويت بعض الاستعارات الحالية عن معناها الأصلي دون إدراك مستخدميها هذه الحقيقة. فمثلاً، تُكتب استعارة الامتثال للقواعد [حرفياً: الالتزام بالخط toe the line] أحياناً على أنها تطلّعاً للخط tow the line[4]. ومثال آخر هو المطرقة والسندان the hammer and the anvil، الذي يشير إلى معنى ضمني يقر بتعرض السندان لأسوء ما تقوم به المطرقة. ولكن في الحياة الواقعية، لطالما كان السندان هو الذي يكسر المطرقة، وليس العكس؛ وعلى كل حال، سيتجنب الكاتب الذي يفكر فيما يقوله تحريف المعنى الأصلي للعبارة.
العوامل اللغوية، أو الأطراف اللفظية الزائفة
تسمح هذه الخاصية بتجنب عناء انتقاء أفعال وأسماء مناسبة، وتعمل، في الوقت ذاته، على ملء الجملة بمقاطع لفظية إضافية تمنحها مظهراً متناسقاً. وهذه العبارات المميزة هي: يعطّله [يترجمها البعض يجعله عاجزاً-المترجم] render inoperative، يناضل ضد [يترجمها البعض: يعرقل، يتعارض-المترجم] معmilitate against، يبرهن عدم القبول prove unacceptable، يتواصل مع make contact with، يكون عرضة لـ be subject to، بتسبب فيgive rise to، يعطي سبباً لـ give grounds for، يترك تأثيراً have the effect of، يؤدي دوراً رائداً play a leading part (role) in، يظهر توجهاً نحو exhibit a tendency to، يبدأ التأثيرtake effect، يظهر ذاته make itself felt، يخدم الغرض من serve the purpose of ،.. إلخ[5].
وتكمن الفكرة الرئيسة -كما يبدو- في التخلص من الأفعال البسيطة. فبديلاً عن استخدام كلمة واحدة، مثل كسر break، توقف stop، أفسد spoil، أصلح mend، قتل kill، تستخدم عبارات تتكون من اسم أو صفة مرتبطة ببعض الأفعال ذات الأغراض العامة مثل يبرهن prove، يخدم serve، يشكّل form، يؤدي play، يجعل render. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم صيغة المبني للمجهول كلما أمكن بديلاً عن صيغة المبني للمعلوم، وتراكيب أسمية بديلاً عن صيغ مصدرية gerund (على سبيل المثال by examination of بديلاً عن by examining)[6].
ويقلص نطاق الأفعال تقليصاً أكبر عن طريق اللاحقة -izeوالسابقة - de[7]، وتمنح العبارات المبتذلة مظهراً عميقاً باستخدام صيغة نفي المنفي - not un.
وتستبدل حروف العطف البسيطة وحروف الجر بتعابير مختلفة مثل: بالمراعاة with respect to، بالنظر إلى having regard to ، من خلال by dint of، في ضوء in view of، في مصلحة in the interests of، على فرض أن on the hypothesis that ؛ ويتم تحاشي التعابير المخيبة في ختام الجمل من خلال عبارات طنانة مشتركة مثل مرغوب بشدة as greatly to be desired، لا يمكن تجاهله cannot be left out of account، تطور متوقع في المستقبل القريب a development to be expected in the near future، يستحق النظر بجدية deserving of serious consideration، يصل إلى نتيجة مُرضية brought to a satisfactory conclusion، وهكذا دواليك.
استعمال أساليب متكلفة.
وتستخدم فيه كلمات مثل ظاهرةphenomenon، عنصرelement، فردindividual (بوصفها أسماء)، موضوعيobjective، قاطعcategorical، فعّالeffective، افتراضيvirtual، أساسيbasic، رئيسprimary، تعزيزpromote، تكوينconstitute، عرضexhibit،استغلالexploit،انتفاعutilize،إقصاءeliminate،تصفيةliquidate[8]،وتستخدم لكسو العبارات البسيطة زينتها ومنحها مسحة من الصبغة العلمية الحيادية لجهة الأحكام المنحازة.
وتُستخدم صفات مثل: ذو أهمية تاريخية epoch-making، ملحمي epic، تاريخي historic، لا يُنسى unforgettable، مظفر triumphant، عتيق age-old، حتمي inevitable، لا هوادة فيه inexorable، مطابق للحقيقة veritable، لتعظيم الأحداث التافهة في إطار السياسة الدولية؛ في حين تأخذ، الكتابة التي تهدف إلى تمجيد الحرب لوناً قديماً من خلال تعابير مميزة مثل: مملكة realm، عرش throne، عربة chariot، قبضة حديدية mailed fist، رمح ثلاثي الشعب trident، سيف sword، درع shield، ترس buckler، راية banner، بسطار jackboot، هتاف clarion.
وتُستخدم بعض الكلمات والتعابير اللغوية الأجنبية مثل طريق مسدود cul de sac، النظام القديم ancien régime،الإله الخارج من الآلة deus ex machina مع إجراء التعديلات اللازمة مثل الوضع الراهن status quo، التزامن Gleichschaltung، النظرة إلى العالم Weltanschauung لإضفاء جو من الثقافة والأناقة. وباستثناء الاختصارات المفيدة: e.g، وetc، تنتفي الحاجة الحقيقية للمئات من العبارات الأجنبية الموجودة حالياً باللغة الإنكليزية. ووحدهم الكتاب السيئون، وخاصة العلماء وكتّاب السياسة وعلم الاجتماع، من يشعرون دائماً بوجود فكرة تطاردهم تزعم عظمة منزلة الكلمات اللاتينية أو الإغريقية بأكثر مما هو حال الكلمات السكسونية، وتحقق بعض هذه الكلمات غير الضرورية -والمئات غيرها- مكاسب مازالت قائمة على حساب مثيلاتها الأنكلوسكسونية(1)، مثل: التعجيل expedite، التحسين ameliorate، التنبؤ predict، الدخيل extraneous، المشتت deracinated، السري clandestine، شبه المائي sub-aqueous[9].
وتتكون المصطلحات الخاصة بالكتابة الماركسية إلى حد كبير من الكلمات المترجمة من الروسية أو الألمانية أو الفرنسية (على سبيل المثال: الضباع hyena، الجلاد hangman، آكلي لحوم البشر cannibal، البرجوازية الصغيرة petty bourgeois، هؤلاء النبلاء these gentry، الخدم lackey، الفاسد الإمّعة flunkey، الكلب الهائج mad dog، الحرس الأبيض White Guard، إلخ)؛ لكن الطريقة العادية لصياغة كلمة جديدة هي استخدام جذر لاتيني أو إغريقي مع اللاحقة المناسبة، وعند الضرورة، استخدام اللاحقة ize-. وغالباً ما نجد سهولة في تكوين كلمات من هذا النوع (مثل إزالة الطابع الجغرافي deregionalize، غير مسموح به impermissible، خارج نطاق الزواج extramarital، غير مجزأ non-fragmentatory .. إلخ)[10] بدل التفكير في الكلمات الإنكليزية التي تصلح للمعنى. والنتيجة، بشكل عام، زيادة الغموض والتهافت والركاكة.
كلمات بلا معنى
في أنواع معينة من الكتابة، لا سيما النقد الفني والأدبي، من الطبيعي مصادفة مقاطع طويلة تفتقر تماماً إلى المعنى(2). كلمات مثل رومانسيromantic،لدن\مرن\مطاوع plastic، قيم values، إنساني human، ميت dead، عاطفي sentimental[11]، طبيعي natural، حيوي vitality، كما هي مستخدمة في النقد الأدبي، تفتقر للمعنى تماماً، بمعنى ليس لأنها لا تشير فقط إلى أي شيء يمكن اكتشافه ولكن لعدم توقع القارىء إيجاد ضالته فيها. وعندما يكتب أحد النقاد: "تتمثل السمة البارزة لعمل السيد "س" في كونه ينبض بالحياة"، بينما يكتب آخر: "لافت للنظر، منذ الوهلة الأولى، في عمل السيد "س" تمايزه بوصفه قاتماً بطريقة غريبة على نحو غير مألوف لا حياة فيها" سيقبل القارئ هذه الأقوال بصفتها مجرد اختلافات بسيطة في الرأي. وإذا تضمنت بعض الجمل كلمات معينة مثل أسود black وأبيض white، سنرى في الحال استخداماً غير صحيح للغة، بديلاً عن الكلمات الاصطلاحية السابقة (نابض بالحياة living، ميت أو لا حياة فيه dead).
وعلى نحو مماثل، يساء استخدام العديد من الكلمات السياسية. وتفقد كلمة فاشية Fascism للمعنى اليوم إلا في إشارتها إلى "شيء غير مرغوب فيه".
وتحمل كلمات مثل: ديمقراطية democracy، اشتراكية socialism، حرية freedom، وطنية patriotic، واقعية realistic، عدالة justice، معانٍ متعددة غير منسجمة مع بعضها البعض ولا يمكن التوفيق بينها. ولا يتوقف الأمر، في حالة الديمقراطية، عند غياب تعريف متفق عليه، بل يتعداه إلى محاولة جعل وجود مثل هذا التعريف غير مقبول لجميع الأطراف. ويكاد يداخلنا شعور عام بإشادتنا بدولة ما عندما إطلاق صفة الديمقراطية عليها، وسينتج عن ذلك خشية المدافعين عن أي نظام يزعم الديمقراطية من اضطرارهم إلى الكف عن استخدام هذه الكلمة إذا ربطت بمعنى محدد.
وتُستخدم مثل هذه الكلمات، عن وعي، بطريقة مخاتلة غير نزيهة غالباً. فمن يكثر من استخدامها يحتفظ لنفسه بتعريف خاص لها، ويجعل القارىء يعتقد قصده شيئاً مختلفاً تماماً في الوقت ذاته. وتعد بعض العبارات، مثل القول بوطنية المارشال بيتان الحقيقة والصادقة، أو تمتع الصحافة السوفيتية بأكبر قدر من الحرية بين صحف العالم، أو وقوف الكنيسة الكاثوليكية ضد العسف والاضطهاد.. إلخ، كلمات مستخدمة بقصد الخداع غالباً. أما الكلمات الأخرى المستخدمة بعدة معانٍ مختلفة بغرض الخداع إلى حد ما أيضاً فهي: الطبقة class، الشمولية totalitarian، العلم science، التقدمية progressive، الرجعية reactionary، البرجوازية bourgeois، المساواة equality.
والآن بعد عمل هذا الكتالوغ لحصر تعابير الاحتيالات والانحرافات، سأقدم مثالًا آخر على نوع الكتابة الناتج عن هذه التعابير. وسيكون المثال خيالياً هذه المرة. سأترجم مقطعاً من اللغة الإنكليزية الجيدة إلى لغة تمثل أسوأ ما تنتجه أنماط الكتابة الإنكليزية الحديثة، والنص عبارة عن مقطع معروف من سفر الجامعة:" فَعُدْتُ وَرَأَيْتُ تَحْتَ ٱلشَّمْسِ: أَنَّ ٱلسَّعْيَ لَيْسَ لِلْخَفِيفِ، وَلَا ٱلْحَرْبَ لِلْأَقْوِيَاءِ، وَلَا ٱلْخُبْزَ لِلْحُكَمَاءِ، وَلَا ٱلْغِنَى لِلْفُهَمَاءِ، وَلَا ٱلنِّعْمَةَ لِذَوِي ٱلْمَعْرِفَةِ، لِأَنَهُ ٱلْوَقْتُ وَٱلْعَرَضُ يُلَاقِيَانِهِمْ كَافَّةً" [سفر الجامعة 11: 9].
سيتحول هذا النص بلغتنا الإنكليزية الحديثة إلى ما يلي: "تدفعنا الاعتبارات الموضوعية للظواهر المعاصرة إلى استنتاج يفيد غياب النجاح أو الفشل في الأنشطة التنافسية ميلًا متناسباً مع القدرات الفطرية، إنما ينبغي النظر على الدوام إلى عنصر من العناصر لا يمكن التنبؤ به على نحو حتمي"[12].
لا يمثل هذا العمل إلا محاكاة ساخرة للأصل، لكنها محاكاة غير مبالغ فيها على كل حال. فمثلاً، يحتوي المقطع (3) المذكور آنفاً على عبارات عدة تشبه هذا النوع من اللغة. وسيلاحظ القارىء عدم تقصدي الترجمة كاملة، وبينما تتبع بداية الجملة ونهايتها المعنى الأصلي بدقة، تتلاشي المعاني المطروحة، في الأمثلة الملموسة، وسط الجملة: السعي، المعركة، الخبز، في عبارة غامضة مثل "النجاح أو الفشل في الأنشطة التنافسية". ويعود السبب في ذلك لعدم استطاعة أي كاتب ممن نستعرض أعمالهم هنا تصنيف أفكاره بهذه الطريقة الدقيقة والمفصلة ممن يستخدمون مصطلحات مثل "الاعتبارات الموضوعية للظواهر المعاصرة"
ويتجه المنحى العام للنثر الحديث نحو مسار بعيد كل البعد عن استخدام المعاني الملموسة، أي التحديد.
ولنحلل الآن هاتين الجملتين بمزيد من التفصيل: تحتوي الأولى على 49 كلمة و60 مقطعاً صوتياً، وجميع كلماتها مشتقة من المعيش اليومي. أما الجملة الثانية فتتكون من 38 كلمة و90 مقطعاً صوتياً، 18 كلمة منها تعود لأصل لاتيني وكلمة إغريقية واحدة. وتحتوي الجملة الأولى على ست صور حية، ومصطلح واحد فقط ("الوقت والصدفة") يمكن وصفه بالمصطلح الغامض. ولا تحتوي الجملة الثانية على أي مصطلح جديد لافت للنظر، ورغم مقاطعها اللفظية التسعين، لا تقدم سوى نسخة مختصرة من المعنى الوارد في الجملة الأول. وستهيمن الجملة الثانية وتنتشر في اللغة الإنكليزية الحديثة بلا شك.
لا أحبذ المبالغة هنا، فلم يصبح هذا النوع من الكتابة شائعاً بعد، وستظهر يعض الأمثلة البسيطة هنا وهناك في الصفحات السيئة. بيد أنه لو طُلب منا كتابة بضعة أسطر عن عدم اليقين بشأن أقدار البشر، فسنقترب كثيراً من الجملة التخيلية المترجمة أكثر من الجملة الواردة في سفر الجامعة. وكما حاولت التبيان، لا تتمثل الكتابة الحديثة، في أسوأ حالاتها، في انتقاء الكلمات لمعانيها ولا تبتكر الصور بغية توضيح المعنى؛ بل تعمل على تجميع خطوط طويلة من الكلمات مرتبة مع بعضها البعض مسبقاً بأيدي كتّاب سابقين، وتقدم ما ينتج عن هذا التجميع عن طريق الهراء المطلق.
وتكمن جاذبية هذه الطريقة في الكتابة في سهولتها. فمن الأسهل -بل حتى من الأسرع الاعتياد على هذه الطريقة- القول: "في رأيي أنه ليس افتراضاً غير مبرر" بدل من القول "على ما أعتقد". وإذا استخدمنا عبارات جاهزة، فلن نبحث عن الكلمات المناسبة فقط؛ بل لن نضطر إلى القلق بشأن اختيار الإيقاعات المناسبة لعباراتنا و جملنا، نظراً لترتيبها على وجه العموم لتكون ذات وقع حسن عند المستمع، وعندما نتسرع في إنشاء عباراتنا -كما نفعل عن طريق آلة التسجيل، أو إلقاء خطاب عام- فمن الطبيعي الوقوع في أسلوب مصطنع طنان ذي صبغة لاتينية: من المفيد تذكر مصطلحات الكلام المكرر حيث العثور على استنتاج أو اعتبار كهذا نوافق عليه جميعاً بسهولة، سيجعل الكثير من نهايات الجمل مقبولة.
لا يكلفنا استخدام الاستعارات والتشابيه والتعابير المتداولة الفاقدة للمعنى، الكثير من الجهد العقلي، ولكن الثمن سيكون على حساب غموض المعاني للقارئ ولنا أيضاً؛ ومن هذه النقطة تأتي أهمية الاستعارات المختلطة. والهدف الوحيد من الاستعارة هو استدعاء الصورة البصرية. وعندما تتعارض هذه الصور-كما في القول غنّى الأخطبوط الفاشي أغنية البجع [بمعنى عمله الأخير-المترجم]، رمي البسطار في وعاء الانصهار- نتيقن من عدم رؤية الكاتب أية صورة ذهنية للأشياء المسماة؛ وبعبارة أخرى، هو لا يفكر حقاً. [يضرب أورويل هذا المثال لتوضيح دمج الكُتّاب السياسيين استعارتين متناقضتين يعجز العقل عن جمعهما لتكوين صورة بصرية منطقية، وذلك عبر تفكيك الدلالتين البسطار كرمز للطغيان ووعاء الانصهار كرمز للدمج، والتذويب، وتوحيد العناصر المختلفة-المترجم].
لنعد مرة أخرى إلى الأمثلة المعروضة في بداية المقال. يستخدم البروفيسور لاسكي في المقطع (1) أدوات النفي خمس مرات في 53 كلمة. إحداها زائدة غير ضرورية، مما يجعل المقطع بأكمله بلا معنى وغير مفهوم، بالإضافة إلى وجود زلة في استخدام كلمة "غريب عن" بدلاً من "مقرّب"، مما يجعل النص غير منطقي ويحمل المزيد من الهراء، والعديد من الأجزاء الخرقاء الممكن تجنبها التي تزيد من درجة الغموض العام. ويتلاعب البروفيسور هوغبن في المقطع (2) بكلماته على نحو كسول ومتسرع مع المخزون المتسق لكتابة المشكلة التي يعالجها، ورغم عدم استحسانه لبعض العبارات اليومية المستخدمة مثل "تقبّل"، فهو لا يبدي أية رغبة عارمة في الظهور بمظهر مكشوف وهو يلقي نظرة على القاموس ليعرف ما تعنيه تلك العبارات من معانٍ "بغيضة"؛ وإذا ما اتخذنا موقفاً متشدداً من المقطع(3)، سنجده، ببساطة، بلا معنى: وربما نفهم المعنى المقصود بقراءة المقال برمته. ويعرّف الكاتب في المقطع (4) بدرجة ما، كثيرة أو أقليلة، ما يريد قوله، لكن تراكم العبارات التي لا معنى لها، تخنق المقال مثلما تسد أوراق الشاي المغسلة. أما في المقطع (5) سنجد كيف تفترق المعاني المقصودة عن الكلمات بحد ذاتها بصورة شبه تامة تقريباً.
يمتلك كتّاب هذا الأسلوب معنى عاطفياً عاماً -فهم يرغبون في شيء ويدعموه ولا يحبذون شيئاً آخر في المقابل، لكنهم غير مهتمين بتفاصيل ما يقولونه. ولا بد لأي كاتب يتوخى الدقة في كلامه، مساءلة نفسه في أربعة مواضع على الأقل في كل جملة يكتبها: ماذا أحاول قوله؟ ما الكلمات المعبرة عن هذا القول؟ ما الصورة أو المصطلح الذي سيجعل من أقوالي أكثر وضوحاً؟ وهل هذه الصورة جيدة بما يكفي لترك أثر معين؟.
ومن المحتمل سؤال نفسه سؤالين آخرين: هل يمكن التعبير عما يجول في خاطري بطريقة مختصرة؟ وهل ثمة ما هو قبيح في قولي ويمكن تجنبه؟. غير أن الكاتب ليس مضطراً لطرح جميع هذه الأسئلة. بل يمكنه الهروب عبر انفتاح ذهنه للعبارات الجاهزة ليملأ بها كتاباته، وستقوم، نيابة عنه، بتركيب الجمل المطلوبة، بل ستفكر عوضاً عنه، إلى حد معين، وتؤدي، عند الحاجة خدمتها المهمة المتمثلة في إخفاء المعنى جزئياً حتى عن الكاتب نفسه.
وهنا تتضح العلاقة الخاصة بين السياسة وانحطاط اللغة. ويصح الحديث، في العموم، عن سوء الكتابة السياسية في وقتنا الحاضر، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فسيكون الكاتب السياسي متمرداً بطريقة ما حين يعبر عن آرائه الخاصة، وليس عن "خط حزبي". ويبدو تطلب اتباع موقف أصولي محافظ من أي لون، أسلوباً تقليدياً لا حياة فيه ومحاكاة للآخرين. وتختلف، بطبيعة الحال، اللهجات السياسية التي نعثر عليها في الكتيبات والمقالات والخطابات الحكومية والبيانات والمنشورات وخطب وكلاء الوزارات من حزب لآخر، لكنها تتشابه تقريباً في افتقارها لأي تنويع أو محاولة حيوية ومبتكرة في الأسلوب لدرجة غياب أي جديد يذكر.
وعندما نعثر على كاتب أخرق يعتلي منصة خطابية مردداً على مسامعنا تلك العبارات المألوفة بصورة آلية فجة، من قبيل: الفظائع الوحشية، البسطار العسكري، الاستبداد الملطخ بالدماء، شعوب العالم الحر، الوقوف وقفة رجل واحد [حرفياً كتفاً إلى كتف-المترجم]- غالباً ما ينتابنا شعور ممتزج بالفضول لمعرفة ما إذا كان هذا المراهق السياسي الذي يحمل صفة الكاتب كائناً بشرياً أم دميه تطلق التفاهات، وتزداد حدّة هذا الشعور فجأة حين يسلط الضوء على نظارات المتحدث ويحولها إلى أقراص فارغة لا عيون خلفها. وهذا ليس تصوراً واهماً على كل حال. فالمتحدث الذي يستخدم هذه العبارات لابد أنه قطع شوطاً كبيراً لجهة تحويل نفسه إلى آلة تثير ضجيجاً صادراً من حنجرته، لكن دماغه لا يتدخل ولا يشارك في صنع تلك الأصوات كما لو كان هو من اختارها. وإذا ما كان هذا الخطيب قد اعتاد على إلقاء خطابه عدة مرات متكررة، سيكون غير مدرك نوعاً ما لما يقوله، كحال مردد الصلاة، وتبدو هذه الحالة الهزيلة من الوعي مواتية لا شك، إن لم تكن ضرورية للتوافق السياسي.
تعد الخطابة والكتابة في الحقل السياسي، في أيامنا هذه، دفاعاً عمّا لا يمكن الدفاع عنه. يمكننا بالفعل الدفاع عن أشياء عديدة مثل استمرار الحكم البريطاني في الهند، عمليات التطهير والترحيل الروسية، إلقاء القنابل الذرية على اليابان، وهذا لن يحدث إلا من خلال حجج وحشية فظيعة يصعب على معظم الناس مواجهتها، وهي حجج لا تتوافق مع الأهداف المعلنة للأحزاب السياسية. ولهذا ينبغي لهذا الأسلوب اللغوي الدفاعي التحلي بلغة سياسية تحمل في طياتها الكثير من الكنايات والتعابير الملطفة والحفاظ على غموضها الضبابي بالمطلق.
نرى قصف القرى الآمنة من الجو، ودفع السكان عل الفرار من المدن نحو الأرياف، وإطلاق النار على الماشية مصدر الرزق، وحرق الأكواخ بالقنابل؛ وكل هذا يسميه السياسيون إعادة الأمن والسلام والتهدئة. فتُسلب مزارع ملايين الفلاحين ويشردون من بيوتهم ويسيرون مشياً على أقدامهم يحملون ما خف وزنه: ويسمى هذا إعادة توطين [ترانسفير] السكان أو تصحيح الحدود. كما يزج الناس في السجون لسنوات دون محاكمة أو يطلق إطلاق النار عليهم من الخلف أو يُرسلون ليموتوا من داء الاسقربوط في معسكرات الأخشاب في القطب الشمالي، وكل هذا يدعى القضاء على العناصر غير الموثوقة.
تبرز الحاجة إلى مثل هذه العبارات إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها دون استحضار الصور الذهنية الحية لهذه الأحداث.
لنأخذ على سبيل المثال بعض ما يقوله بروفيسور إنكليزي، بطريقة تبدو مريحة ومطمئنة، في معرض دفاعه عن الشمولية الروسية؛ لا يستطيع هذا البروفيسور القول صراحة: "أؤمن بقتل الخصوم المعارضين عندما يؤدي هذا الفعل إلى نتائج جيدة"، بل سيقول شيئاً آخر مشابهاً من قبيل: "في الوقت الذي نعترف فيه بصورة واضحة بوجود سمات معينة في النظام السوفييتي قد نميل إلى استنكارها وإدانتها، يجب الاتفاق، كما أعتقد، على حتمية تقييد معين لحقوق المعارضة السياسية في المراحل الانتقالية، وتبرير القسوة التي تعرض لها الشعب الروسي لإخضاعه بما يطول من الحديث عند النظر إلى حجم المنجزات الملموسة المحققة".
يبدو هذا الأسلوب اللغوي المنتفخ والمبالغ فيه نوع من كناية خفيفة ملطفة، وثمة قدر كبير من الكلمات اللاتينية تنهمر على الحقائق مثل ندف الثلج الخفيف، الأمر الذي يؤدي لتشويش خطوط الأفكار المطروحة العريضة وتتستر على بقية التفاصيل.
يمثل النفاق أكبر عدو للغة الواضحة. فإن وجدت فجوة ما بين الأهداف الحقيقية والأهداف المعلنة، سيتحول الكاتب، في غريزته، إلى استخدام الكلمات الطويلة والتعابير الشائعة، مثلما يفعل الحبار عندما ينفث حبره.
ولا يوجد، في عصرنا، شيء يقال له "الابتعاد عن السياسة"، فجميع القضايا من حولنا هي قضايا سياسية، والسياسة ذاتها عبارة عن كتلة من الأكاذيب والمراوغة والحماقة والكراهية والفصام. وعندما يكون المناخ العام سيئاً، سينعكس هذا على اللغة المستخدمة لجهة معاناتها التعبيرية. ويجب توقع انطباق الأمر-وهذا تخمين لا أملك حياله معرفة كافية للتحقق منه- على بقية اللغات الأخرى كالألمانية والروسية والإيطالية وتدهورها في السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، بسبب الديكتاتورية.
ولكن إذا أفسد الفكر اللغة، فيمكن للغة بدورها إفساد الفكر أيضاً. ويمكن انتشار الاستخدام السيئ عن طريق التقليد والمحاكاة، حتى بين الأشخاص المتمتعين بنوع من الحذر. فاللغة المبتذلة التي ناقشتها هنا تبدو مريحة للغاية في بعض النواحي. كما أن عبارات: الافتراض غير المبرر، ترك الكثير مما هو مرغوب فيه، لن تخدم أي غرض نافع، أحد الاعتبارات التي ينبغي علينا أن نضعها في بالنا، تمثل إغراء مستمر، مثل عبوة الإسبرين الموجودة بجوارنا دائماً وفي متناول اليد.
ولو عدت [عزيزي القارئ] إلى النظر في هذا المقال من جديد فستجدني، بالتأكيد، اقترفت الأخطاء ذاتها التي حذرت منها عدة مرات واعترضت على استخدامها.
تلقيت هذا الصباح منشوراً يتناول الأوضاع في ألمانيا. أخبرني مؤلفه عن "شعوره المندفع" لكتابته. فتحت المنشور بطريقة عشوائية، ووقعت عيناي على جملة تقول: "(يملك الحلفاء) فرصة ليس فقط لتحقيق تحول جذري في البنية الاجتماعية والسياسية لألمانيا بطريقة يتجنبون فيها رد فعل قومي ألماني، بل ويملكون في الوقت ذاته، فرصة لوضع أسس بناء أوروبا متعاونة وموحدة". وكما نرى، فالكاتب "يشعر بالإكراه" على الكتابة -يشعر، على الأرجح، بامتلاكه شيئاً جديداً ليقوله- غير أن كلماته، تبدو مثل خيول الفرسان المتناغمة مع أصوات الأبواق حين تجمع نفسها تلقائياً في نمط مألوف مثير للضجر. لا يمكن وقف غزو العقل هذا من خلال بعض العبارات الجاهزة (وضع الأسس، تحقيق تحول جذري) إلا باستعدادنا الدائم للوقوف بحذر إزاء استخدامها، فكل عبارة من هذا القبيل بمنزلة مخدر يشل جزءً من أدمغتنا.
و ذكرت في موقع آخر هنا إمكانية معالجة تدهور لغتنا، أما معارضو هذا الطرح فقد يقدمون حججاً مضادة، في حال امتلاكهم حجة أصلاً، ترى تلك اللغة مجرد انعكاس للظروف الاجتماعية القائمة، وافتقارنا للقدرة على التأثير على تطورها عن طريق التدخل بعملية إصلاح مباشرة تتلاعب بالكلمات والتركيبات فقط. وفي حين قد يكون هذا صحيحاً عند الحديث عن الطابع العام للغة أو روحها، لكنه يجانب الصواب لو مضينا أعمق نحو التفاصيل.
غالباً ما تختفي الكلمات والتعابير السخيفة، ليس بسبب عملية تطورية ولكن بسبب فعل واعي للأقلية. وثمة مثالان حديثان على ذلك: البحث في كل السبل ولم يترك حجراً مقلوباً، وهما مثالان أشبعهما بعض الصحفيين قتلاً من كثرة استخدامها التهكمي. وهناك قائمة طويلة من الاستعارات المنفوخة التي يمكن، بالمثل، التخلص منها إذا توفر في وسطنا عدد كافٍ مهتماً للقيام بذلك؛ كما يمكن الاستهزاء بأسلوب نفي المنفي حتى نصل إلى مرحلة نتخلص فيها منه (3)، وتقليل استخدام هذا الكم الكبير من الكلمات اللاتينية والإغريقية في الجمل الشائعة والتخلص من العبارات الأجنبية والكلمات العلمية المضللة. وبوجه عام، جعل الأسلوب المزعوم غير عصري.
لكن كل هذا ليس سوى نقاطاً ثانوية. فالدفاع عن اللغة الإنكليزية يعني أكثر من ذلك، وربما يكون من الأفضل البدء بقول ما لا يعنيه هذا الدفاع.
بداية، تنتفي علاقة الدفاع عن اللغة الإنكليزية بالألفاظ العتيقة المهجورة، أو بإنقاذ تلك الأساليب اللغوية والكلمات التي عفا عليها الزمن، ولا البحث عن تشكيل "لغة إنكليزية قياسية" لا ينبغي التخلي عنها قط. على العكس من ذلك، يهتم الدفاع عن اللغة ،على وجه الخصوص، بنبذ أية كلمة أو عبارة فقدت فائدتها، ولا يعني هذا عقد صلة ما بين الدفاع عن اللغة والقواعد النحوية الصحيحة وبناء الجملة، وهما أمران لا أهمية لها طالما نوضح المعنى أو نتجنب التأثيرات الأمريكية على اللغة، كما لا يمثل امتلاك ما يسمى "أسلوب الكتابة الجيد" هدف الدفاع، ولا يتعلق حتى بالبساطة الزائفة ومحاولة جعل اللغة العامية لغة مكتوبة. ولا يعني في جميع الأحوال تفضيل الكلمة السكسونية على اللاتينية، رغم استعمال الأولى لكلمات أقل وأقصر لتؤدي المعنى المطلوب.
نحتاج ،قبل كل شيء، إلى السماح للمعنى باختيار الكلمة، وليس العكس. وأسوء ما يمكن فعله في النثر الاستسلام للكلمات. فعندما نفكر في ما هو ملموس، نفكر من دون كلمات، ومن ثم، لو أردنا وصف الشيء المتخيل، فمن المحتمل قيامنا بالبحث عنه حتى نجد الكلمات الدقيقة المناسبة له. وعندما نفكر في شيء مجرد، نكون أكثر ميلًا لاستخدام الكلمات منذ البداية، وما لم نبذل جهداً واعياً لمنع ذلك، ستندلق اللهجة المستخدمة الحالية وتؤدي المهمة نيابة عنا، مما يزيد الأمر تشويشاً وغموضاً أو حتى تغيير في المعنى المقصود أصلاً. وقد يكون من الأفضل لنا الامتناع عن استعمال الكلمات قدر الإمكان وجعل المعاني واضحة كلما أمكن بالصور والأحاسيس. ثم يمكن اختيار -وليس مجرد قبول- العبارات التي تقدم المعنى بصورة أفضل، ومن ثم البحث وتحديد الانطباع المحتمل الذي ستتركه الكلمات عند الغير، وتستبعد هذه الخطوة العقلية الأخيرة الصور القديمة أو المختلطة كافة، وجميع العبارات الجاهزة، والتكرار غير الضروري الذي لا طائل منه، وكل هذا الهراء اللغوي والغموض بوجه عام.
لكن غالباً ما نقع في حيرة تدفعنا إلى الشك في تأثير كلمة ما أو عبارة، ونحتاج هنا إلى قواعد يمكننا الاعتماد عليها لتوجيهنا عندما تفشل غريزتنا. وأعتقد بصلاحية هذه القواعد التالية لمعظم الحالات:
- لا تستخدم استعارة أو تشبيهاً أو أي شكل آخر من أشكال الكلام اعتدت رؤيته مطبوعاً.
- لا تستخدم كلمة طويلة قط، عندما تفي كلمة قصيرة بالغرض.
- إذا أمكن حذف كلمة ما، فافعل ذلك على الفور دون تردد.
- لا تستخدم المبني للمجهول حيث يمكنك استخدام صيغة المبني للمعلوم.
- لا تستخدم عبارة أجنبية قط أو كلمة علمية أو كلمة اصطلاحية إذا كان بإمكانك التفكير في مكافئ إنكليزي مستخدم في لغة المعيش اليومي.
- ما سبق ليس مقدساً، يمكنك مخالفة أيا من القواعد السابقة إذا ما كان اتباعها سيؤدي إلى لغة غير فصيحة بصريح العبارة.
تبدو النقاط السابقة قواعد أولية بسيطة، وهي كذلك بالفعل، لكنها تتطلب تغييراً عميقاً في عقلية أي شخص اعتاد الكتابة بأسلوب عصري شائع[13]. قد نلتزم بجميع القواعد المذكورة جميعها ومع ذلك نجد أنفسنا نكتب بلغة إنكليزية سيئة، رغم كتابتنا أشياء تنطبق عليها النماذج الخمسة المقتبسة في بداية المقال.
لم أتطرق هنا إلى الاستخدام الأدبي للغة، واقتصر الحديث عن الكتابة كوسيلة تعبير عن الفكر وليس لإخفائه أو إلغائه. وقد قارب ستيوارت تشيس وآخرون زعماً يرى افتقار جميع الكلمات المجردة للمعنى واستخدموا ذلك ذريعة للدعوة إلى نوع من الهدوء السياسي، بمعنى: بما أننا لا نعرف ما هي الفاشية، فكيف يمكننا النضال ضدها محاربتها؟
لسنا بحاجة إلى هضم مثل هذه السخافات، بل نحتاج إلى الإقرار بارتباط الفوضى السياسية الحالية بانحطاط اللغة وتدهورها، ومن المحتمل تحقيق بعض التحسن في معالجة الأمر بدءً من الجانب اللغوي. وإذا ما بسطنا لغتنا، سنتحرر من أسوأ الحماقات التقليدية الأصولية.
لا يمكننا التحدث بأي من اللهجات الضرورية، وعند إبدائنا ملاحظة حمقاء، ستكون حماقتنا أشد وضوحاً حتى لأنفسنا.
صممت اللغة السياسية -وإن باختلافات طفيفة تنطبق على جميع الأحزاب السياسية، من المحافظين إلى الفوضويين- لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل محترماً، ولإعطاء مظهر أكثر صلابة للرياح المحضة العادية. لا يمكننا تغيير كل هذا في لحظة، ولكن يمكننا تغيير عاداتنا الخاصة على الأقل؛ ويمكننا، من حين لآخر، إذا ما سخرنا بصوت عالٍ بما يكفي، إرسال بعض العبارات البالية وغير المجدية إلى سلة المهملات حين تنتمي مثل: بسطار، كعب أخيل، الاضطراب [حرفياً: مستنبت أو دفيئة- المترجم]، وعاء صهر، الاختبار بالأسيد [14]، جحيم حقيقي وغير ذلك من سقط الكلام.
.....
ملاحظات المترجم
(التشديد في النص يعود للمؤلف.)
[1]راجع النص الأصلي حيث يشدد أورويل هنا على صيغة معروفة باللغة الإنكليزية هي particular verbيتغير فيها معنى الفعل حسب حرب الجر الذي يليه؛ والحديث هنا عن الفعل put وتكون الحالة الأولى بصيغة put up with والثانية بصيغة put at a loss، وهما لا يحملان المعنى ذاته قطعاً، حيث تشير الحالة الأولى إلى معنى "التسامح، أو التقبل" بينما يذهب معنى التعبير الثاني إلى "الحيرة"
[2]أنصح بمراجعة النص الأصلي: في الحقيقة لا أعتقد أن الترجمة هنا قد أعطت المعنى المطلوب للعبارات والمصطلحات الإنكليزية، بل هي مقاربة تعميمية للمعنى ينقصها التأكيد العملي، فما يطرحه أورويل من أمثلة هي من صلب لغته ومجازاتها المحلية وتخضع بالتالي لاعتبارات ثقافية محددة وأمزجة محلية وجهوية وخبرات وتجارب متعددة لستُ على إحاطة تامة أو حتى جزئية بها، وللسهولة سأقوم أدناه بشرح ما استغلق منها بأمل التوفيق في ذلك:
-Ring the changes on ويعني حرفياً "قرع جرس التغيير" وهو مجاز مستمد من قرع أجراس الكنائس، ومعلوم تشابه صوت قرع الأجراس في العموم وتنوعه في بعض التفاصيل، وهكذا بات المصطلح يفيد معنى التغيير والتنويع، وظهر هذا التعبير في أوائل القرن السابع عشر.
- take up the cudgels for تعني حرفياً التقط الهراوات والاستعداد للقتال (دفاعاً عن شخص أو شيء)، وتحولت إلى معنى الجدال القوي لدعم أو دحض فكرة ما أو الوقوف ضد شخص ما. ولا يعرف كيف ظهر هذا التعبير وأين، ومن المرجح ظهوره في القرن الخامس عشر نظراً لاستخدم كلمة الهراوة أو النبوت cudgel وهي عصاة قصيرة وسميكة استخدمت قديماً كسلاح، ومشتقة من الكلمة الإنكليزية القديمة cycgel والتي تشير إلى عصا مستديرة الرأس (دبوس). ومازالت كلمة العصا تستعمل حتى الآن مجازاً للتعبير عن الاستعداد للقتال (بالمعنى المجازي وليس الحرفي طبعاً). للمزيد انظر،take up the cudgels
-toe the line والمعنى الحرفي له وضع إصبع القدم على الخط ويقصد به اصطفاف المتسابقين على نسق واحد قبل بدء السباق، وتحول ليعطي معنى الالتزام الفكري أو التوافق مع قاعدة أو معيار معين، واستخدمت العبارة منذ بداية القرن التاسع مع عبارات أخرى شبيهة تؤدي المعنى ذاته مثل: "toe the mark" و "toe the plank".
-ride roughshod over وتعني تلبيس الخيول حدوات ذات نتوءات بارزة تؤمن خشونة تمنع انزلاقها أثناء الجري (لاسيما في ميادين القتال). وتحول إلى معنى من يتجاهل تماماً حقوق وأراء ومشاعر ومصالح الآخرين، وصفة لمن يتعامل بخشونة مع الآخرين دون احترام وبطريقة متنمرة القصد منها إلحاق الضرر.
- stand shoulder to shoulder withوتعني حرفياً الاصطفاف أو الوقوف حيث يكون الكتف ملاصقاً للكتف كناية عن التعاضد والاتحاد لتحقيق الهدف المشترك، وظهر في بادىء الأمر للإشارة إلى تشكيلات الجيش في أواخر القرن السادس عشر، ثم أخذ المعنى المجازي مع نهاية القرن التاسع عشر، حين صار يفهم منه تقديم الدعم لشخص أو أشخاص عند الحاجة ومشاركتهم في العمل لتحقيق الأهداف المطلوبة (مثلما تعمل فرق الإنقاذ اثناء الكوارث مثلاً)
- play into the hands of ومعناها الحرفي "اللعب بأيدي أحدهم بمعنى الملامسة الرقيقة" ويعتقد أن هذا التعبير ظهير في القرن الثامن عشر وهو يحمل معنى سلبياً للشخص الموجّه إليه (بعكس المصطلح السابق "الوقوف كتفاً إلى كتف)، لأن القصد منه التحذير من قيادة تصرف الشخص إياه إلى مخاطر كمن "يلعب بالنار" أو "يرمي نفسه في أحضان عدوه" بمعنى العمل لصالح العدو أو القيام، عن غير قصد، بعمل ما يفيد الخصم أو المنافس
- no axe to grind وتعني حرفياً شحذ الفأس. ويعتقد أن العبارة مصدرها الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى بريطانيا. وتنسب في العادة إلى بنجامين فرانكلين حيث أشار إلى ما يشبه هذا المصطلح (ليس ذات الكلمات ولكن ذات المعنى) أكثر من مرة في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. كما ينسبها البعض إلى تشارلز مينر ويعتقد أنه أول من استخدمها بصيغتها المعروفة في مقالتين له بين عامي 1810 و1812 ويحدث الخلط بين مينر وفرانكلين لتشابه أسلوبهما الكتابي، والمجاز البلاغي هنا يعني "وجود دافع خفية"، أو "تأمل وجهة النظر (غير وجهة نظرنا طبعاً) في نزاع ما" وأخذها بعني الاعتبار، مثلما نقول في اللغة العربية " لأمر ما جدع قصير أنفه"، كما تحمل معاني متنوعة كاحتفاظك بوجهة نظر قوية إزاء أمر ما والطلب من الآخرين القبول بها.
- grist to the mill، بمعنى طحن محصول الذرة grist في الطاحونة وبيعها لتحقيق ربح أكثر من بيعها دون طحن، ويعود هذا المصطلح إلى أواخر الفرن السابع عشر للإشارة إلى تحقيق الفائدة من الأشياء بعد معالجتها (وكانت تبدو قبل المعالجة عديمة الجدوى)، وقد تأتي في سياق إفادة اقتراحك غرضاً معيناً أو تأييده وجهة نظر معينة، مانحاً هذا الاقتراح ميزة مفيدة، إذ يمكن تحقيق الربح بلا شك من الذرة أو الحنطة أو الشعير أو الحبوب بصورة عامة قبل معالجتها، لكن الفائدة والربح يعظمان عند طحنها. لافت للنظر هنا أن استعمال هذه العبارة قلّ كثيراً بين الناطقين بالإنكليزية في بريطانيا، وهذا من شأنه أن يكون خبراً مفرحاً لجورج أورويل حين اعتبرها في هذه المقالة "استعارة تحتضر"
- fishing in troubled waters تستخدم جملة الاصطياد في المياه العكرة في معناه المباشر للتعبير عن محاولة نيل مكسب أو ميزة في ظل ظروف صعبة أو باستغلال الظروف الصعبة أو المشاكل التي يمر بها الشخص الآخر، ورغم هذه الانتهازية يبقى الأمر "مجرد محاولة" محفوفة بالمخاطر، وينطبق الأمر على من يستغلون الطروف العامة مثل تجار السلاح والغذاء في الحروب أو الكوارث الطبيعية، ويعود أصل التعبير إلى فكرة قديمة ترى أن الأسماك تكون صعبة المراس وعصية على الصيد في البحار وسهلة الالتقاط في المياه الضحلة، واستخدم هذه المجاز لأول مرة في اللغة الإنكليزية سنة 1568. علماً أنه منتشر في لغات كثيرة مختلفة وإن بصيغ مختلفة ولكن بذات المعنى.
- on the order of the day أي بترتيب اليوم، وتعني أي نشاط خلال مدة زمنية محددة أو في موقف معين، وهذا يعني ما هو شائع الاستخدام خلال زمن معين أو في يوم معين ( كالأعياد والمناسبات.. أو حقبة زمنية محددة) فعلى سبيل المثال الوضع السائد في أيامنا هذه هو الجدل حول ظاهرة الذكاء الاصطناعي.. وتعود العبارة إلى أواخر القرن السابع عشر، وكان يقصد به في الأصل مناقشات الهيئة التشريعية في يوم معين، ثم صار يستخدم عند الحديث عن الأوامر المرسلة للقوات المسلحة، وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر حمل التعبير معناه المجازي الحالي، بما في ذلك الإشارة إلى برامج أو مخططات محددة تعرض في زمن محدد أو اجتماع أو احتفال أو مهرجان أو متابعة نشاط الأسواق المالية... إلخ
- Achilles’ heel وتعني حرفياً كعب أخيل والأصل في هذا المجاز يعود للأسطورة الإغريقية التي تقول أن البطل الإغريقي أخيل كان على وشك الموت بسبب نبوءة وهو مازال طفلاً رضيعاً، ولمنع ذلك قامت ثيتيس والدته بغمره في مياه نهر ستيكس على أمل تحصينه ضد الموت، ولكنها أمسكته من كعبيه كي لا يقع منها، ثم غفلت عن مسحهما بماء النهر، وكبر أخيل واصبح محارباً ماهراً نجا من الموت في معارك عديدة خاضها، وحارب في طروادة وانتصر هناك لكنه أصيب بجرح في كاحله لم يشفَ منه وكان سبب موته. وبالتالي يكون المقصود من تعبير Achilles’ heel أن كل شخص أو شيء لابد أن يكون له نقطة ضعفه يمكن النفاذ منها إليه وهزيمته ورغم قدم التعبير إلا أنه لم يصبح شائعاً بمعناه المجازي (أي نقطة الضعف) في الإنكليزية إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستخدمه كوليريدج ضمنياً في العام 1810 حين وصف بريطانيا بـ "كعب أخيل" (حسب قاموس أكسفورد 2019).
- swan song وتعني النشاط أو الأداء الأخير قبل النهاية أو الموت أو التقاعد أو التوقف عن العمل، لاعتقادهم أن البجعة تنشد أغنية وداع جميلة قبل موتها مباشرة (وقبل ذلك تبقى صامتة طيلة حياتها). والتعبير موجود في الإغريقية القديمة κύκνειον ᾆσμα واللاتينية carmen cygni، علماً أن هذا المجاز استخدمه الإغريق في القرن الثالث ق.م أو ربما قبل ذلك ويرمز البجع في مجمع الأساطير اليونانية القديمة إلى التناغم والجمال (وهكذا هو الغناء والرقص البشري كما يبدو) وذكرت حكاية الأغنية الأخيرة للبجع فيما ذكره إيسوب في قصة "البجعة والإوزة"، وتظهر العبارة في مسرحية إسخيلوس "أغاممنون" حين تقارن كليتمينيسترا كاساندرا الميتة ببجعة "غنت آخر نواح لها" ويذكر أفلاطون على لسان سقراط في Phaedo أنه على الرغم من غناء البجع في مراحل مبكرة من حياته، إلا أنه لا يفعل ذلك على تلك الصورة من الجمال الذي نراه في أغنيته قبل موته. واستفاد شكسبير من هذه الحكاية حين ذكرها في "تاجر البندقية" على لسان بورشيا (الفصل الثالث، المشهد الثاني) وكذلك في مسرحية "عطيل" على لسان إميليا (الفصل الخامس، المشهد الثاني). جدير بالذكر هنا ارتباط مصطلح Swan Song في التراث البروتستانتي بنبوءة شهيرة للمصلح التشيكي يان هوس Jan Hus في العام 1415. والمفارقة اللغوية تكمن في أن كلمة (Hus) تعني بالتشيكية "إوزة"؛ وحين سِيق إلى الحرق بتهمة الهرطقة، قال لجلاديه "اليوم تشوون إوزة، ولكن بعد مائة عام سيظهر بجع لن تستطيعوا شيه ولا غليه". وعندما ظهر مارتن لوثر بعد قرن تقريباً، اعتبر أتباعه أنه "البجع" المقصود، وارتبطت صورة البجع بلوثر كرمز لـ"الشهادة الأخيرة" والكلمة التي تُقال في وجه الموت لتغير وجه التاريخ.
تكتسب هذه الخلفية أهمية قصوى عند قراءة مسيرة أورويل؛ فبينما كان "البجع" تاريخياً رمزاً للمثقف الذي يضحي بنفسه لتحدي السلطة (كما في حالة هوس ولوثر)، نجد أن أغنية أو مأثرة " Swan Song أورويل (تمثلت في قائمته السرية) قد عكست مساراً معكوساً؛ حيث استخدم "رأسماله الرمزي' وأعماله الأخيرة لمهادنة السلطة والوشاية بخصومه (انظر التعقيب أدناه).
-Hotbed، وتعني حرفياً المستنبت الزراعي أو الدفيئة، وهي البيئة المنسبة للنمو السريع للنباتات، وتفيد مجازً معنى المرتع أو بؤرة الهيجان أي البيئة المناسبة للنمو السريع للأفكار غير المرغوبة وتطورها. كقولنا مؤسسات القطاع العام في دول العالم الثالث على وجه الخصوص مرتعاً وبؤرة للفساد والرشى.
[3]يشير المعنى الأصلي لكلمة rift إلى صدع أو شق، وتحمل المعنى ذاته من الناحيتين الجيولوجية و المجازية، وإن كان للصيغ المجازية استخدامات أخرى. ظهرت الكلمة لأول مرة في القرن الرابع عشر كاسم وفعل، ويبدو إسهام التصور الجيولوجي لشكل الصدع أو الشق في تطوير المعنى المجازي وتعدد استخداماته ليشمل معاني الانقسام والكسر والتشقق وعدم التوافق أو الاتفاق أو التفكك والانفصال الحقيقي والجاد بين شيئين أو شخصين أو مجموعة من الأفراد أو الدول أو المنظمات والهيئات والأحزاب (بمعنى اختلاف رفاق الحزب الواحد حول برنامج أو سياسة حزبية معينة مما يؤدي إلى توسع الشقة بينهم وبالتالي انفصالهم وتشظيهم في نهاية المطاف) .من الأهمية بمكان ملاحظة الاختلاف القليل الذي يفصل الانكسار عن الانشقاق، حيث يمكن لمجموعة ما أن تتصدع دون الانفصال التام، ويمكن رأب هذا الصدع في حال توفر ظرف مناسب، مثل شخصية كاريزمية أو خطر خارجي، في حين يحمل الكسر سمة الديمومة ويستعصي على الإصلاح والالتئام
[4]ثمة فرق بين toe the line و tow the line والخلط بينهما بالاستعمال التبادلي قد يغير المعنى المقصود، فضلاً عن الإشارة إلى الجهل في معنى المجاز وطريقة استخدامه. يشير التعبير الأول toe the line (وهو الأكثر شيوعاً) إلى التصرف المتوقع لجهة الالتزام بقانون أو التوافق مع خط ما أو منهج ما، فقد يطلب مسؤولك في العمل أو الحزب أو في المدرسة عودتك إلى رشدك والالتزام باللوائح حسب الأصول فيما لو لاحظ سوء تصرف منك. ويعبر، بالتالي، عن الوقوف عند الحدود الفاصلة بين شيئين مختلفين يحملان عناصر غير متوافقة مع بعضها البعض (مثل قصص الواقع والقصص الخيالية) ومهما كان المقصود من هذا المجاز فهو يستخدم تماماً بذات الدلالة التي يشير إليها إصبع القدم باعتباره آخر موضع في القدم. وهكذا سيضع سوء فهم سماع هذا التعبير وتحويله إلى toe the line المستمع في حيرة من أمره فهل أنت تتحدث فعلاً عن "سحب الخط"؟، وأي خط تقصد. ومن الواضح أن السحب هنا يعني سحباً ولا شيء آخر، وفي حين يفهم المستمع رغبتك في سحب حبل وهذا منطقي ولكنه لن يفهم قطعاً ما تقصد بسحبك للقانون أو الفكرة (على اعتبار السمع ،أو الاستعمال الكتابي، الخاطئ لـ tow بدلاً من toe ومن ثم سيميل لتجسيد معنى المحاذاة أو المحايثة لنقطة أو بداية، وليس التوافق)
[5]تبدو هذه العبارات جميلة من حيث السبك اللغوي غير أنها صعبة فعلاً حين نترجمها إلى لغة أخرى نظراً لصلتها الوثيقة بطابعها الثقافي والوظيفي والدلالي فعبارة render inoperative مثلاً (عطّله، أو جعله معطلاً) تعني عدم القدرة على العمل بفعالية كأن تتوقف الآلة عن العمل بسبب عطل في الكهرباء، بمعنى ينتج العطل من سبب خارجي وليس ذاتي (انقطاع الكهرباء هو المسبب وليس الآلة ذاتها). أما عبارة militate against (يناضل أو يكافح ضد) وتعني منع أو إعاقة حدوث شيء، وتشير عبارة prove unacceptable (يبرهن أنه غير مقبول) وهي تنويع لعدم قبول شيء ما.. ويمكن تتبع المعاني المعجمية والمعاني المتداولة لبقية الكلمات في مظانها المرجعية.
[6]لا يبالغ أورويل هنا كما يبدو للقارىء فإضفاء شيء من التنويع في استخدام كلمات تؤدي ذات المعنى لا يعد أسلوباً ذا قيمة في الخطاب، وفي الحقيقة من الصعوبة بمكان ترجمة التعبيرين by examination و by examining إلى اللغة العربية بمعنيين مختلفين وحتى متقاربين فكلاهما يعني (الفحص أو عن طريق الفحص) ولو أردنا التحذلق كما يفترض أورويل لذهبنا إلى التنويع التالي ( الفحص، عن طريق الفحص، بوساطة الفحص، بوسيلة الفحص.. إلخ ولعل هذا هو المقصد بالابتذال)، ويعود الفارق الوحيد لمصدر الاشتقاق لجهة بناء الاسم دون الرجوع للصيغة المصدرية. قد يبدو الأمر سهلاً للوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك لمن يشتغل في الترجمة، فاختلاف قواعد الاشتقاق بسبب اختلاف القواعد النحوية بين اللغات غير المتشابهة سوف يخلق مشكلة للمترجم في الوصول إلى فكرة النص الأصلي، لكن أورويل لا يتحدث هنا، بطبيعة الحال، عن الترجمة، بل عن "الابتذال" و"الشطارة" في "اختراع" كلمات يظن أصحابها أنهم يخاطبون جمهورهم بلغة قياسية راقية.
[7]يوجد في اللغة الإنكليزية العديد من اللواحق (مثل ize) والسوابق (مثل de) وغيرهما لصياغة أفعال جديدة وأسماء مشتقة بالأساس من أفعال (على طريقة "هذه أذني")، وينبغي لنا العلم بحمل هذه الأفعال الجديدة الناشئة معاني مختلفة الأفعال الأصلية، وإن تقاربت. فاللاحقة ize تفيد إضفاء صفة الفعل على الاسم بصورة قصدية كأن نقول legitimize أي يضفي الصبغة الشرعية على الفعل أو السلوك يعني "يشرعن" أو نضيف السابقة deنقولdelegitimize بمعنى "نزع الشرعية".
[8]يتحدث أورويل بلا شك عن اللغة الإنكليزية واستخدام هذه الكلمات التي يراها ذات مظهر زائف كما وردت في النص الأصلي، ولا يعني هذا انطباق هذه المزاعم عند ترجمتها إلى اللغة العربية حيث تبدو معانيها "طبيعية وأصيلة"
[9]في الحقيقة تبدو العديد من هذه الكلمات expedite, ameliorate, predict, extraneous, deracinated, clandestine, subaqueous غريبة بعض الشيء وصعبة الفهم ولعل هذا هو السبب في ندرة استخدامها، وربما تكون نشأت لحاجة معينة ثم استعيض عنها بتعابير أكثر سهولة وألفة. فمصطلح "sub-aqueous" يعني حرفياً "ما تحت الماء" أو "المغمور بالماء". ويكمن مغزى أورويل الحقيقي من إيراده في المقالة في أصله اللغوي واستخدامه المتكلف، وليس في دلالته المعجمية المجردة. فيوردها ليضرب مثلاً على ولع الكتّاب السيئين (لاسيما العلماء وكتّاب السياسة وعلم الاجتماع كما يسميهم) بالكلمات ذات الأصول اللاتينية أو الإغريقية، هرباً من الكلمات الإنكليزية (الأنكلوسكسونية) البسيطة والمباشرة. فبديلاً عن استخدام الكلمة الإنكليزية البسيطة والشائعة المألوفة "underwater" (تحت الماء)، يلجأ الكاتب المتكلف إلى "sub-aqueous" (المشتقة من الجذر اللاتيني: sub بمعنى تحت، وaqua بمعنى ماء) لإضفاء هالة من الرصانة العلمية، أو التعقيد المصطنع، أو الأناقة الزائفة على نصه. وهذه الآفة، أي "الهروب نحو اللاتينية"؛ تطمس -كما يرى أورويل الكلمات الحية الواضحة المستمدة من لغة المعيش اليومي لصالح مصطلحات تبدو في ظاهرها علمية ومحايدة، غير أنها تثقل النص في الجوهر، وتزيد ضبابيته، وتخلق مسافة مصطنعة وغير مبررة بين الكاتب والقارئ.
[10]يتحدث أورويل هنا عن كلمات محددة ذات استخدام اصطلاحي مثل deregionalize, impermissible, extramarital, non-fragmentary وتتضمن كلمات إنكليزية مضاف إليها لواحق لاتينية أو إغريقية لتوليد المعنى المقصود.
[11]يشن أورويل في هذا الموضع هجوماً شرساً على كلمة (Sentimental)، واضعاً إياها ضمن قائمة الكلمات الفاقدة للمعنى (Meaningless Words) المُستخدمة، على حد تعبيره، بنوع من الاحتيال اللغوي لتضليل القارئ أو الحط من قدر الخصم دون تقديم دليل موضوعي. وتكمن المفارقة التاريخية الصادمة، المكشوفة بجهود فرانسيس ستونور سوندرز وغابرييل روكهيل (انظر التعقيب)، في استخدام أورويل الكلمة ذاتها، الموصوفة بالاحتيال، كأداة إدانة أمنية في قائمته السرية المسلمة للاستخبارات البريطانية. فقد وصم زملاءه بصفة " الرقة العاطفية" لمنح انطباع بافتقارهم للموثوقية السياسية وقابليتهم للاختراق السوفييتي.
وتعني كلمة (Sentimental)، في سياق أورويل وقائمته السرية، الشخص المنساق وراء العاطفة المفرطة أو الرقة الزائفة على حساب المنطق والواقعية السياسية. واستخدمها أورويل في ملاحظاته كتهمة سياسية، وليس مجرد نعت أدبي، قاصداً بها الضعف أمام الدعاية، أو الشخص المغلوب بعواطفه تجاه قضايا معينة (مثل التضامن الإنساني أو السلام)، مما يجعله صيداً سهلاً للاختراق الشيوعي في منظوره. ورأى في هذا الضعف حاجزاً يمنع المثقف من رؤية "الحقائق القاسية" للصراع الدولي، وهي صفة ازدراها في بعض الليبراليين الإنكليز المعتبرين "مغفلين نافعين" حسبما يذكر روكهيل. ووضع أورويل هذا الوصف بجانب أسماء بعض المثقفين في قائمته للإشارة إلى تذبذب ولائهم السياسي أو خضوعه للمشاعر، مما يجعلهم، في نظره، غير موثوقين من الناحية الأمنية.
يمارس أورويل، بفعله هذا، "التفكير المزدوج" (Doublethink) بامتياز؛ فبينما يطالب القارئ هنا بالدقة وحذف الكلمات الجوفاء المفتقرة للإشارة إلى أي واقع موضوعي، يستند في ممارسته الواقعية إلى انطباعات مزاجية غامضة لتقرير مصير الآخرين المهني، محولاً "شرطي اللغة" القابع في داخله إلى مخبر إيديولوجي يستخدم الغموض اللغوي سلاحاً للاستخبارات والإقصاء. فوصف شخص بصفة "عاطفي" يمثل حكماً ذاتياً بحتاً، يستعصي قياسه أو إثباته، مما ينسف ادعاءه الوضوح والصدق اللغوي. ويرى غابرييل روكهيل في هذا التناقض إثباتاً لافتقار أورويل للاهتمام بنقاء اللغة لذاتها، وانصباب اهتمامه على نزع السلاح اللغوي من يد خصومه، محتفظاً لنفسه بحق استخدام أكثر الكلمات تضليلاً وغموضاً عند ارتباط الأمر بخدمة أجهزة الأمن.
[12]يشاع معرفة أورويل بهذا الأسلوب منذ أيام الدراسة المبكرة مما حفظه من السيدة سيسيلي فوغان ويليكس (وهي زوجة مدير مدرسة سانت سيبريان التي درس فيها) واستخدمت السيدة ويليكس في سياق تدرسيها اللغة الإنكليزية هذه الطريقة في الترجمة لتوضيح معنى الكتابة الجيدة للتلاميذ، حيث كانت تعمد إلى مقاطع بسيطة من نصوص الكتاب المقدس ثم "تترجمها" إلى الإنكليزية الضعيفة لإظهار وضوح وتألق النص الأصلي(للمزيد انظر، Pearce, Robert (August 1992). "Truth and Falsehood: Orwell's Prep School Woes". The Review of English Studies. New Series. 43 (171)
[13] يبحث أورويل في قواعده الست عن "الوضوح"، فحين يطلب عدم استخدام تشابيه واستعارات أو صور بلاغية اعتدنا رؤيتها مطبوعة في كل مكان فهو يدفع نحو نبذ استخدام "الاستعارات أو الكليشيهات الميتة" لأنها تجعل العقل يتوقف عن التخيّل ويتحول إلى آلة صب قوالب جاهزة.
كما يدعو إلى الهروب من الترهل اللفظي المستخدم غالباً لإخفاء ضعف الحجة، بقاعدة الإيجاز والاختزال والابتعاد عن استعمال كلمات طويلة كلما كانت الكلمة القصيرة تفي بالغرض. وإذا كان من الممكن حذف كلمة، فينبغي حذفها دائماً، فالاقتصاد في اللغة عند أورويل هو اقتصاد في الصدق؛ ويمثل الحشو ستاراً للدعاية غالباً. أما قاعدة المبنى للمجهول فيرى فيها أورويل وسيلة للتهرب من المسؤولية، مثل قولنا: "ارْتُكِبت أخطاء" بدل من "ارتكبنا خطأ. ويرى بضرورة الابتعاد عن استخدام عبارة أجنبية، أو مصطلحاً علمياً، أو لفظاً متخصصاً (Jargon)، لو كان البديل موجود في اللغة اليومية الدارجة. يرى أورويل أن المصطلحات المعقدة تُستخدم لتضليل (Bamboozle) وإرباك القارىء بكلمات جوفاء القارئ وإيهامه بعمق غير موجود. وكلمة Bamboozle في السياق الأورويلي تعني: الخداع عن طريق التعقيد اللفظي. أي إيهام القارئ بعمق النص لمجرد حشوه بمصطلحات تقنية أو أجنبية أشبه بذر الرماد في العيون ليتوقف القارئ عن النقد العقلي ويستسلم لسلطة "اللغة المتعالية".
ولعلي استخدمت تشبيه "ذر الرماد في العيون" هنا لأكسر هذه القواعد الأورويلية (كما طلب منا) بما يمنح كلامي مرونة ويمنع من تحول الوضوح إلى جمود لغوي.
[14]تؤدي معنى الاختبار الذي يعطي نتائج حاسمة
......
هوامش المؤلف [ينصح بمراجعة النص الأصلي]
(1). يبرز مثال مثير للاهتمام لشرح ذلك وأقصد به طريقة استبدال أسماء الزهور الإنكليزية المستخدمة حتى وقت قريب جداً بمثيلاتها الإغريقية، فتصبح الكلمة الإنكليزية snapdragon [نبتة أنف العجل، فم السمكة -المترجم] تقال بالمرادف الإغريقي antirrhinum ونبتة forget-me-not [اذكروني، أو أذن الفأر-المترجم] تتحول إلى myosotis، وما إلى ذلك. من الصعب رؤية أي سبب عملي لهذا التغيير: وقد يعود الأمر إلى الابتعاد الغريزي عن الكلمات العادية الأكثر خصوصية والشعور الغامض بأن الكلمة الإغريقية علمية بطريقة ما.
(2)على سبيل المثال: " يمثل التسامح المسيحي عن الإدراك والتصور بغرابة وايتمانية Whitmanesque في نطاقها، المقابل الموضوعي للإكراه الجمالي تقريباً، حيث يستمر في استحضار ذلك التلميح الطقسي المتراكم للأبدية القاسية الهادئة النافذة بآن معاً.. ويتجه "ويري غاردنر" Wrey Gardiner عندما يستهدف التركيز على الأهداف البسيطة بتلك الدقة. وهذه ليست على تلك الدرجة من البساطة، ويتدفق من خلال هذا الحزن المتضمن فيها ما هو أكثر من مجرد الحلاوة المريرة الظاهرية للاستسلام. (Poetry Quarterly).
(3)نستطيع الشفاء من خاصية استخدام أسلوب نفي المنفيnot un بحفظ هذه الجملة:" هناك كلب ليس بأسود كان يطارد أرنباً غير صغير في حقل ليس أخضر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى