١
الشاعر الدكتور رمضان عمر :
تحية وبعد
فقد قرأت قصيدتك في هجاء إدارة جامعة النجاح .
أتمنى لك التوفيق في المكان الذي ارتحلت إليه ، ولكني أعلمك أن قسم اللغة العربية هو من يعين في القسم والإدارة لا تتدخل في هذا ( لاحقا فرضت علينا الإدارة عضو هيأة تدريس لمدة فصل ثم لصق بالكرسي على سنة الحكام العرب ) .
أساتذة القسم يقررون ولا أدري إن كنت تدري أن القسم ليس بحاجة إلى أعضاء هيأة تدريس في الأدب الحديث والفلسطيني ، فهناك أستاذان يدرس أحدهما مواد تذوق ا لنص الأدبي ، ثم إنك كتبت عن محمود درويش وأنت تدري أن هناك من هو متخصص في أشعاره . لو كنت كتبت في ظاهرة أو في روائي عربي لربما اختلف الأمر . ( الأستاذ الزائر غالبا ما يدرس مواد اللغة العربية )
تحياتي لك .
٢٠١٣
٢
يوم الكرامة :
في مثل هذا اليوم في العام 1968 كنا شيئا آخر . فلم نكن نصغي إلى خلاف أبناء فتح مع بعضهم للحديث عن الرئاسة والخلافة والتعامل مع العدو ، ولم نكن نتحدث عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه . هل كان شيء مثل هذا يحدث دون أن ندري ؟
لست أدري .
لا أنا أدري ولا ايليا أبو ماضي أيضا يدري ، وكما قال الشاعر اليمني عبدالله البردوني :
" فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعا من المستعمر السري ؟ "
في مثل هذا اليوم ، قبل 46 عاما كنا أطفالا في المدارس ، ننام على صوت الفدائيين ونصحو على أغاني الثورة وأخبارها ، وكنا نلتصق بالمذياع ، لنعرف آخر أخبار العدو وآخر عمليات الفدائيين ، وفي مثل هذا اليوم كنا نتابع أخبار انتصار الفدائيين في الكرامة .
هل يذكر أبناء فتح يوم الكرامة ؟
كنا نتابع المذياع وكنا نقرأ قصص الفدائيين وبطولاتهم ، ولم نكن ندري أنه سيأتي يوم نتوسل فيه الصدقات . كان الشعراء يغنون للثورة ، وكانت أغانيها تلعلع :
" دبوا النار بهالخيام وارموا كروتة التموين ، لا صلح ولا استسلام إلا بتحريرك فلسطين ".
أمس شاهدت على الجزيرة الفلسطينيين في غزة يتوسلون صدقات ( الاونروا ) ، وكانت النسوة يتحدثن بصوت عال ، يطلبن الإعانات وكروتة التموين .
قبل 46 عاما كانت مطالبنا مختلفة ، على الرغم من أننا كنا خارجين من الهزيمة . هل كنا بشرا آخرين ؟ هل كنا سذجا ؟
هل كنا مخدوعين ومراهقين ؟
لقد كنا أطفالا ومراهقين ، ولكن هل كانت قيادتنا حكيمة ؟
نحن الآن كبرنا ، فهل كبرت قيادتنا أم أنها عادت إلى فترة المراهقة ، لأننا نحن الأطفال كبرنا ؟
قبل 46 عاما كنا مختلفين ، وكان أدبنا مختلفا ، وكانت مطالبنا مختلفة ، وكانت أسعار البندورة والخيار والبطاطا أيضا مختلفة ، ولم تكن ثمة ربطات عنق وتلفازات ومكياجات ، فقد كنا فقراء معدمين ، ينام كل عشرة في غرفة ، ولم تكن لنا مكاتب . ما الصواب ما الخطأ ؟
إن هي إلا خربشات تملى علي بكرة وأصيلا
إن هي الا أساطير الكبر والهبل واختلاط الحابل بالنابل والهزيمة العربية ، ورحم الله الشاعر علي فودة الذي قال :
بقلبي أريحا وكنا نحن ولو لحظة لانتصار .
٢٠١٤
٣
تعطيل الدوام اليوم لاستقبال الرئيس :
وأنا أفتح الرابط الذي أرسله إلي السيد محمد شريم ، وجدت نفسي أمام تلفاز نابلس أقرأ خبرا يقول إن الدوام سيعطل اليوم لاستقبال الرئيس .
يا سيدي زكارنة الرئيس على الرأس والعين ، ولكن هل من ضرورة لتعطيل الدوام ؟ هل سيذهب مليون فلسطيني لاستقبال الرئيس ؟ ماذا يحدث عادة عندما يتعطل الدوام ؟
يذهب الموظفون لدفع الفواتير ، والذين دفعوها والذين لم يدفعوا يذهبون الى المقاهي للعب طاولة النرد او أوراق الشدة ، وأنا أتسكع في الشوارع ، والعشاق يذهبون إلى الأماكن المتفق عليها من كافتيريا أو ...أو ... أو ... الله وحده يعلم . وهذه فرصة ممتازة لهم تضاف إلى المواعيد المتفق عليها . إنها لقاء إضافي مثل العمل الإضافي .
ومع احترامي للرئيس ومواقفه وجهوده و .. و ... و... وخلافه مع دحلان وصعدان وهبطان وزعلان وغضبان ، فهل مجرد عودته من سفره ، وأسفاره كثيرة ، تستحق أن نعلق الدوام ؟
يا ناس ، يا ناس فكروا بعقولكم !
هل لقاء الرئيس مع ( اوباما ) حرر فلسطين ؟
أعتقد أن اليوم الوحيد الذي يستحق أن نعطل الدوام فيه هو فقط ذلك اليوم الذي يكنس فيه الاحتلال ويعود فيه اللاجئون .
أكتب هذا وأمري لله ، فأنا لا أريد وظيفة ، لأفعل ما فعله زميل لي أخذ يكيل المديح للمؤسسة ولرئيسها وللزملاء ، لأنه بحاجة الى وظيفة ، وكان شكله مضحكا وخطابه خطاب مثقف بائس .
صباح الخير يا رئيسنا ، وآمل أن تقولها أنت :
" لا ضرورة لتعليق الدوام ، فالمتقاعدون الذين يأخذون رواتبهم ولا يفعلون شيئا سوى الاستفسار عن العلاوة وموعد صرف الراتب ، يمكن أن يقوموا بهذه المهمة ، وهم يملأون المقاطعة وقد تضيق بهم .
2014 .
٤
( نيرون ) الجديد :
( نيرون ) يولد من جديد . إنه تموز الصهيوني الذي يولد في الربيع - نحن الآن في بداية الربيع تقريبا و .
كان محمود درويش ، وهو في فلسطين ، كتب :
" نيرون مات
وروما لم تمت
روما بعينيها تقاتل "
ولو بعث درويش من جديد ، وأصغى إلى أخبار الصباح ، لربما قال شيئا مختلفا . لربما كتب عن نيرون / تموز الصهيوني .
لم تحتمل اسرائيل زيارة الطفل أحمد دوابشة إلى ( مدريد ) ، فآثرت أن تقتل الشاهد الوحيد على المحرقة السابقة .
نيرون يولد من جديد ، ونحن على أبواب الربيع . والاسرائيليون يؤكدون :
" العربي الجيد هو العربي الميت " .
ببساطة : لا يريدوننا هنا ، وكما كتب ابراهيم طوقان :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو / أم محونا والإزالة " .
إنها بدايات محرقة على ما يبدو ،
20 / 3 / 2016
٥
عكا 4 :
" سور المدينة والغزاة " :
في عكا ، وأنت على سورها ، تجد نفسك تكرر قول محمود درويش :
" رأيت فتاة على شاطيء البحر قبل ثلاثين عاما
وقلت : أنا الموج ، فابتعدت في التداعي ، رأيت
شهيدين يستمعان إلى البحر : عكا تجيء مع الموج
عكا تروح مع الموج . وابتعدا في التداعي " .( قصيدة الأرض 1976 ).
وتعود بك الذاكرة إلى ما بعد 1967 حتى 1987.
في تلك السنوات كنت أتردد على عكا ؛ أزورها ، قبل أن أغدو كاتبا ، زائرا ، وأزورها ، حين غدوت كاتبا ، لزيارة دار نشر الأسوار لصاحبها يعقوب حجازي وهناك قد ألتقي ببعض الكتاب ومنهم أنطوان شلحت .
على سور المدينة أقف . هل تذكرت نابليون ؟ هل تذكرت رواية علاء حليحل " اورفوار عكا " ؟.
بدأت أقرأ الرواية وانشغلت عنها ولم اتمم قراءتها . لم أكتب عنها مع أن صورة الفرنسيين فيها لافتة . صورة الجنود القادمين وبصحبتهم النساء للترفيه عنهم . هل أخطأت في العنوان وصححني الشاعر فاروق مواسي ؟
كما لو سفن نابليون خرجت فجأة وكما لو أنها هزمت من جديد .
غير رواية فلسطينية أتت على عكا . الموضوع يستحق أن يكون موضوع رسالة ماجستيرو. سأقترحه على طالب ما . الرحلة علمية . لم لا ؟
20 / 3 / 2017
٦
" أسئلة الرواية العربية " :
" أسئلة الرواية العربية " هو آخر كتاب لي وقد صدر عن دار الآداب ببيروت .
لم يصدر الكتاب كما أرسلته ، فقد عرضته دار الآداب على محرر لغوي - ليتها لم تفعل - فأجرى قلمه فيه وهذا لم يرق لي إطلاقا .
صحح المحرر كلمة أية فذكرها في كل مكان وردت فيه ، ما جعلني اخاطب رنا ادريس مذكرا إياها بقول الشاعر :
" بأي كتاب أم بأية سنة
ترى حبهم عارا علي وتحسب ؟ "
وحذف المحرر القوسين ( ) عن كل علم أجنبي ، وأنا أعلم علامات الترقيم وأقول للطلاب يجب وضع كل علم أجنبي بين قوسين ، وانظروا كتاب أحمد علبي " المنهجية في البحث الأدبي " وأتذكر قصتي مع البروفيسورة الألمانية ( فيبكة فالتر ) .
وربما أكتبها حين أكتب مقالا كاملا حول قصة تحرير الكتاب - لي مع ( فيبكة ) قصة أوردتها في قصتي " لماذا كنت يوسف ؟ من قال إني يوسف ؟ ".
ما فيش فايدة
20 / 3 / 2018
٧
فضيحة حملة ماجستير اللغة العربية
أطرف ما سمعته اليوم أن بعض أساتذة أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية والفلسطينية يقترحون على من يشرفون عليهم من الطلاب أن يعطوا رسائلهم إلى مدققين لغويين قبل تسليم الرسائل إلى المناقشة.
بعض المدققين اجرتهم 4شواكل للصفحة وهناك من يأخذ 10 شواكل.
يا للفضيحة!
لو كانوا طلابا من أقسام أخرى غير قسم اللغة العربية لتقبل الأمر ،اما أن يلجأ طالب اللغة العربية إلى مدقق لغوي فإن الأمر صعب جدا وغير مستساغ على الإطلاق.
لماذا إذن تعلم هؤلاء اللغة العربية وآدابها.
زغردي يا انشراح
20 / 3 / 2018
٨
موتيفات وأفكار في الأدب
كلاب في الذاكرة : "الكلب في أعمال أدبية " (1 من 2 )
في طفولتي في المخيم كنت لا أقترب من الكلاب . كنت أشاهدها لدى بعض الجيران أو لدى البدو الذين ينصبون ، في الربيع ، خيامهم قرب المخيم .
كنت أبيع الاسكيمو للبدو وكانت كلابهم ، كلما اقتربت من خيامهم ، تنبح ، وحين أتكلم مع أصحابها سرعان ما تكف عن النباح .
كلب الجيران في المخيم -طبعا سابع جار - كان ينبح كلما رأى غريبا وكان وحيدا ، ومرة ضربه خميس بحجر ، ولما خرج أصحاب الكلب خاطبهم خميس :
- ربوا أولادكم .
وتقبل الأمر على أنه دعابة.
في العام 1972 درست في الجامعة الأردنية نصا للجاحظ هو " عروة بن مرثد والكلب " والجاحظ كاتب ساخر ، كما نعرف من كتابه "البخلاء" ، فكيف بدا كلبه في نصه؟
لم يكن الكلب هو المعني بالدرجة الأولى ، فقد كان المعني عروة بن مرثد الذي اتسم بالجبن ، فظن الكلب الذي بالباب لصا يريد اقتحام البيت الذي نزل فيه ضيفا ، وأخذ عروة يهدده ، دون أن يجرؤ على مجابهته ، حتى إذا ما انتبهت امرأة من القوم ، وصرخت بالكلب ، وعرف عروة أن ما وراء باب البيت هو كلب لا لص قال :"الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني منك حربا " ، ويمكن القول إن كلب الجاحظ كان كلبا هائما مشردا يبحث عن طعام ولم يكن كلبا منزليا مدللا أو كلب قوم يبسط يديه بالوصيد مثل كلب أهل الكهف .
ولا أعرف إن كانت هناك دراسة تتبعت حضور الكلب في الأدب العالمي أو في الأدب العربي . ففي موتيفات الأدب العالمي وموضوعاته لم أعثر في كتاب (اليزابيث فرنزل ) على ( Hund ) وفي كتاب ( ديميريش ) أحال إلى كلمة (Tierrich ) -أي حيوان ، ويبدو أن الكلب درس تحت لازمة الحيوان بشكل عام .
في التراث العربي هناك كتاب عنوانه "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب "وقد أتيت عليه في مقال لي نشرته ، في موقع ديوان العرب ، قبل 13 عاما . والكتاب ألفه محمد بن المرزبان وقد صدرت طبعة منه عن منشورات الجمل في 2003 .
غالبا ما يكرر الناس بيت شعر هو :
"تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي مربض المستأسد الضاري ".
و بعد قتل صدام حسين شاعت أبيات كتبت على زجاج السيارات تشبهه بالأسد وغيره بالكلاب ، فالأسد يظل أسدا والكلب يبقى كلبا .
وغالبا ما ينعت الناس من يخالفهم بالكلب .
المعنى الإيجابي والمعنى السلبي لاستخدام دال "كلب " يحدده عموما السياق ، وغالبا ما يكون أيضا الاستخدام مجازيا كما في بيت الشعر
"لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر مثقالا بدينار" وكما في رواية نجيب محفوظ ذات العنوان الرمزي "اللص والكلاب "1961 ، فالكلاب فيها هم رؤوف علوان الثوري المرتد وعليش التلميذ الخائن ونبوية الزوجة الخائنة وآخرون ، ممن كانت نور المرأة الغانية أفضل منهم .
من القصص القصيرة المبكرة في الأدب الفلسطيني قصة توفيق فياض "الكلب سمور" 1966 ، وهي قصة شخصية والشخصية هي الكلب ، وهي من القصص الطريفة في الأدب الفلسطيني التي حفلت بالحيوان ، والكلب للفلسطيني الريفي يعني الكثير ، وكان أكثر أهل فلسطين قبل 1948 ريفيين .
الكلب سمور ببساطة كلب وفي يدافع عن صاحبه ويخلص له وهو كلب مقاوم ، فقد قاوم الانجليز وزج به في سجونهم ، وحين هجر الفلسطينيون في 1948 وتشردوا في البراري والخيام ، بعيدين عن أرضهم ، لم ترق حياة الذل للكلب الذي استبد به الحنين إلى قريته ، فآثر العودة إليها متخليا عن صاحبه الذي غادرها .
الكلب سمور كلب لا ينسى .
في رواية اميل حبيبي "المتشائل "1974 يأتي بطلها سعيد على كلب الضابط في سجن شطة. لقد اقتيد سعيد إلى السجن بعربة الكلاب . وحين وصل إليه طرق الضابط الباب طرقة واحدة فنبح كلب الضابط وانفتح الباب . كلب الضابط من نوع ( البولدرغ ) المدلل "هذا يهش وذاك يكش ، فلاعبا الكلب تارة وتطبطبا على الظهر أخرى حتى صعدا على درج وأنا واقف في الساحة الداخلية تحيط بي الاثافي " والاثافي هنا هم العسكر .
الكلب الثاني الذي لا ينسى هو "لاكي " الذي كتب عنه معين بسيسو في "دفاتر فلسطينية "1978 .
ليس معين بسيسو ريفيا مثل توفيق فياض . إنه ابن غزة ولم يكتب عن كلب ربته عائلته . لقد كتب عن كلب مدلل .
سجن معين بسيسو لكونه شيوعيا وأنفق أربع سنوات في السجون المصرية في نهاية خمسينيات القرن العشرين ، وقد تعرض للتحقيق والتعذيب ، وفي السجن عرف الكلب "لاكي " وكتب عنه الآتي :
"الكلب البوليسي (لاكي) قد أكل قطعة اللحم في حجم رأس الدجاجة . في الشهر الرابع كان (لاكي) يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة . وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجان . كان (لاكي) هدية من ألمانية الغربية ، ضمن برنامج المساعدة الاقتصادية وفي الواقع فقد أكل من اللحم وشرب من المرق أكثر بكثير من الذي تقدمه ألمانيا الغربية لإنعاش الفلاحين المصريين . وكما أن الكتابة تجيء في خطوط مستقيمة. هكذا تعلمنا الكتابة. غير أن الزنزانة تعلمك كتابة جديدة. والزنزانة تفتح للمرة الثالثة قبيل الغروب. القروانة نفسها وفوقها الرغيف ويغلق باب الزنزانة بعدها حتى السادسة صباحا. "
يعيش (لاكي) كلب السجان مرفها مدللا ، ويعيش الإنسان على فتات ما يقدمه له السجان بعد أن ينجسه كلبه .
في تلك الفترة كتب مظفر النواب قصيدة أشار فيها إلى أن القط في الغرب يأكل ما يطعم عائلة في عدن وذكر أيضا كلاب الشرطة التي تنسق مع الأنظمة .
لا تغيب رواية عبد الرحمن منيف "النهايات " ولا يغيب بطلها عساف وكلبه عن الذاكرة .
يموت البطل عساف في الصحراء في أثناء رحلة صيد ويموت معه كلبه الذي حاول أن يفتديه في أثناء هبوب العاصفة ، ويستبسل الكلب في الدفاع عن عساف أمام الطيور الجارحة التي تريد الانقضاض عليه فلا ينجوان . لقد مات الكلب الوفي ميتة شجاعة ، ولم يكن كلب عساف الكلب الوحيد في الرواية ، فهناك كلبا الميجر ؛ ركس الأول وركس الثاني ، وكلاهما كلب مدلل وله مكانة تفوق مكانة السكان الأصليين ، وكل أبناء المكان يحسب حسابهما ولا يتعرض لهما بسوء إلا كلب محلي شرس يصرع ركس الذي سرعان ما يستبدل بركس آخر أكبر . وكان أهل المنطقة ينعتون الكلب بكلب زوجة الميجر . إنه كلب السيدة لأنه كما كان يقال يقدم لها خدمات (؟) .
عبارة كلب السيدة تذكرنا بقصيدة الشاعر أحمد فؤاد نجم الشهيرة التي أتى فيها على قصة كلب أم كلثوم مع الطالب اسماعيل الذي مر بجوار فيللا أم كلثوم ، فعضه الكلب وذهبا إلى المخفر الذي انتصر لكلب الست . كلب الست في القصيدة له مكانته وإن تشكلت وزارة فقد يغدو وزيرا فيها أو حتى رئيسا لها . وهنا نذكر كلب والينا المعظم لأحمد مطر . "كلب والينا المعظم
عضني اليوم ومات" ، أما لماذا مات ، فلأن تقرير الوفاة أثبت أن الكلب تسمم .
في رواية عبد الرحمن منيف "حين تركنا الجسر " يبدو الكلب وردان "الكون المتماسك " أمام زكي نداوي البطل المعطوب المنهزم والمصاب لهذا بالنزعة المازوخية ؛ نزعة جلد الذات ، فزكي شوال مثقوب فارغ ومرحاض ودودة مطفأة و...و..الخ. إنه لا يساوي عود ثقاب.
(يتبع في الأسبوع القادم).
٩
الطاهر وطار وأدب المقاومة
2017-03-19
لا أدري لماذا استبدت بي الرغبة لقراءة المجموعة القصصية للروائي الجزائري "الطاهر وطار": "الطعنات".
الطاهر وطار روائي قرأته منذ العام 1977 إذ التفتت إليه دور النشر الفلسطينية في القدس وعكا ورام الله. أعادت دار نشر صلاح الدين طباعة "اللاز" و"عرس بغل" و"الشهداء يعودون هذا الأسبوع"، وطبعت له دار الأسوار "الزلزال" أما دار الكاتب فأعادت طباعة "الطعنات". وفيما بعد، في 90 ق20، ستعاد طباعة بقية أعماله ومنها تجربة في العشق".
في 70 ق20 كنت أدرس في مدرسة العقربانية في الغور وكان من زملائي الكاتب المسرحي محمد كمال جبر، وغالباً ما كنا نتأخر في المدرسة لنناقش عملاً أدبياً ما، وكان من الأعمال التي ناقشناها قصة "رمانة" من مجموعة "الطعنات". راقت لنا القصة التي تندرج تحت "أدب المقاومة" بكل معنى الكلمة، وربما أسهمت القصة في حياة محمد كمال الذي كان شجاعاً في حياته الخاصة.
بين فترة وفترة أعود إلى "الطعنات" وقصة "رمانة" وحين يسألني الناس في شأن خاص، عن امرأة ارتبطت بها وانفصلنا.
أتذكر إحدى عبارات "الطعنات": "لا تسأل عن امرأة طلقتها"، وهذا ما أفعله، فلم أسأل ابنتي "إطلاقاً عن أمهما وحياتها. هل هذا كله بتأثير العبارة التي وردت في قصة وطار أم أنه بتأثير رواية روسية هي "شجيرتي ذات منديل أحمر" لـ (جنكيز ايتماتوف)؟
أيا كان الأمر فإن الأدب الذي قرأناه في 70 ق20 ترك أثراً فنياً، وربما تقليداً لبعض شخصيات الروايات والقصص تعرفنا أحياناً. مؤخراً نصحت الكاتبة الأردنية لانا المجالي بقراءة رواية (ايتماتوف). كانت لانا أعجبت برواية "جميلة" للكاتب نفسه، فأخبرتها أنني قرأتها قبل 40 عاماً، واقترحت عليها أن تقرأ "شجيرتي ذات ...".
من معطف الأدب المقاوم خرجنا، وما زلت أحتفظ بكتب كثيرة منه.
مرة زارني القاص زياد خداش، فعرضت عليه أن يقرأ مجموعة الكاتبة الألمانية (آنا زيغرز) "المخربون"، وهي تنتمي أيضاً لأدب المقاومة. سألني زياد: هل هذه من الأدب إياه؟ ـ أي الذي أنا معجب به، فأجبته: نعم، فأعرض عنها.
الآن أنظر في كتابات كتّاب كثر، من الجيل الجديد، فأرى إعراضهم عن أدب المقاومة، وازورارهم عنه. إنهم يكتبون ذاتهم.
وأنا أكتب عن "جريمة في رام الله" تذكرت قصائد محمود درويش، ومنها "سجّل أنا عربي" و"عابرون في كلام عابر" و"نزل على بحر". ولاحظت الفرق بين أدب المقاومة وأدب الثورة وبين الأدب الذي يكتب حالياً. كان درويش ينطق باسم شعبه، لا باسمه الشخصي، وكان يعبر عن معاناة الفلسطينيين، وهو واحد منهم. كانت الذات تندمج في المجموع: اخرجوا من برنا، لا تعطنا يا بحر ما لا نستحق من النشيد... إلخ، أما أبطال "جريمة في رام الله" فيعبرون عن تجارب ذاتية فردية، وهي تجارب تتشابه مع تجارب كثيرين في مدن العالم وعواصمه، تتفقد خصوصيتها الفلسطينية.
حتى الشعر الذي يكتبه شعراء حازوا على جائزة محمود درويش يفتقد إلى الخصوصية الفلسطينية، وغالباً ما يبدو شعراً هلامياً لا تستطيع القبض عليه.
هل تعكس نصوص أدباء ما بعد 2007 ما صرنا إليه؟ هل هي التعبير الحقيقي عن المرحلة؟ وهل غدا أدب المقاومة ضرباً من الماضي؟ هل غدا أدباً لا يقرأ لأن المقاومة ما عادت كما كانت؟
وأنا أقرأ أدب الطاهر وطار أتذكر أدب المقاومة وأحيانا ينتابني حنين إليه، أعود فأقرؤه. لعلّه الحنين أو أنني غير قادر على الخروج من الماضي. لعلّني!!
١٠
الست كورونا وحسني البورزان ١٦ :
كانت المقولة التي رددها حسني البورزان ( نهاد قلعجي ) في مسلسل " صح النوم " هي :
" إذا أردنا أن نعرف ما يجري في إيطاليا فعلينا أن نعرف ما يجري في البرازيل " .
وما يجري في إيطاليا اليوم خطير جدا ، والأنباء الواردة من خلال أشرطة الفيديو والأخبار الواردة عن الست كورونا والنظام الصحي ، وإلى أين وصل بسبب كثرة عدد المصابين ، يقول لنا ما قد يجري في العالم كله ، لا في إيطاليا وحدها .
كنت أظن أن منع إجراء مباريات كرة القدم هناك مبالغ فيه ، ولكن الشريط الذي شاهدته يتحدث فيه عضو مجلس برلمان صديق للفلسطينيين ويبكي في آخره قال لي إن الوضع ليس فيه مزاح .
الأخبار الواردة من الصين مطمئنة والواردة من إيطاليا مخيفة .
خليك بالبيت . هذه العبارة صارت عبارة ملازمة للست كورونا ، والست كورونا لا تمزح .
٢٠ آذار ٢٠٢٠
١١
الفلسطيني في الرواية العربية :
الياس خوري في " الوجوه البيضاء " وأسطرة الفدائي .
( فصل من كتابي الجديد " الفلسطيني في الرواية العربية " ٢٠٢٢ )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
1 -
في الكتابة عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية يجدر التوقف طويلا أمام الكاتب اللبناني الياس خوري ، وذلك لأنه يشكل حالة متميزة ، بل فريدة ، في الكتابة عن الموضوع الفلسطيني والفلسطينيين .
الياس خوري لبناني المولد اقترب وهو في العشرين من عمره من المقاومة الفلسطينية والتحق بحركة فتح وهي في الأردن ، ولما عاد إلى بيروت ظل قريبا منها ومن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي عمل فيها بصحبة أبرز أدبائها ، والتفت إلى نصوصهم وكتب عنها ، وحين كتب الرواية كان الفلسطينيون حاضرين فيها ، وفي العام ١٩٩٨ كتب روايته " باب الشمس " وعد غير الفلسطيني الذي كتب رواية الفلسطينيين ونكبتهم .
وإذا كنت بالدرجة الأولى معنيا بصورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين ، فإنه يجب الوقوف أمام البدايات ، فما كتبه عن الفلسطينيين قبل العلم ٢٠٠٠ يتقاطع وما كتبه روائيون عرب أبرزوا للفلسطينيين صورة تراوحت بين صورة اللاجيء وصورة الفدائي البطل الأسطوري .
ويمكن القول إن الفلسطيني في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ لم يكن سوى اللاجيء المغلوب على أمره الذي يحزن المرء لواقعه ويرثي له ويشعر معه من ناحية انسانية .
كانت الكتابة عن الفلسطينيين في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ تكاد تكون شبه معدومة ، وهذا ما توقف أمامه الشاعر معين بسيسو في مقدمة كتابه " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة " ( ١٩٧٠ ) حين قارن بين كتابات الأدباء الإسرائيليين عن واقعهم ومحتمعهم والفرد الإسرائيلي وبين الكتاب العرب الذين يجلسون في مكاتبهم ولم يكلفوا أنفسهم بزيارة مخيمات اللاجئين والإقامة مع سكانها لتفهم معاناتهم وظروفهم والكتابة عنها ، على الرغم من أن هذه المخيمات لا تبعد كثيرا عنهم .
غالبا ما نتوقف ونحن ندرس صورة الفلسطيني في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ أمام رواية اللبناني جورج حنا " لاجئة " ( ١٩٥٢ ) ، ونشير إلى أنها أول عمل أدبي صور معاناة الفلسطينيين وتعاطف معهم . وعلى الرغم من القيمة الاجتماعية والتاريخية لهذه الرواية إلا أن دارسيها لم يثمنوها من ناحية أدبية إطلاقا ، فهي مجرد عرض لواقع اللجوء من خلال صور تفتقر إلى القالب الروائي .
بعد هزيمة العام ١٩٦٧ وانطلاق الثورة الفلسطينية في العلن كتب روائيون عرب عن الفدائي ورسموا له صورة أسطورية ، وهذا ما لاحظه الدارسون الذين درسوا روايات أديب نحوي " عرس فلسطيني " وحيدر حيدر " حقل أرجوان " و " شموس الغجر " ، وإن كان هناك روائيون آخرون كتبوا عن المثقف الفلسطيني المدرس في الجامعة الذي يدافع عن فلسطين في كتابته ويقترن بالثورة ثم سرعان ما يصيبه الإحباط ويعود إلى وضعه الذي يتناسب وموقعه ، وهو ما بدا في بعض روايات السوري الأستاذ الجامعي حليم بركات مثل رواية " عودة الطائر إلى البحر " .
لقد كتب دارسون كثر عن الأعمال السابقة ؛ يهود عرب وعرب مثل شمعون بلاص وجميل كتاني وفؤاد عزام وواصف أبو الشباب وغيرهم ممن درسوا فلسطين في الرواية العربية .
تعد رواية الياس خوري " الوجوه البيضاء " ( ١٩٨١ ) واحدة من الروايات العربية التي أتت على الواقع الفلسطيني في العالم العربي ورصدت التحولات التي عاشها الفلسطينيون قبل هزيمة حزيران وبعدها حتى العام ١٩٨١ .
يمكن الوقوف أمام الفصل الخامس من الرواية لقراءة صورة الفلسطيني فيها وما آلت إليه .
يتكون الفصل الذي يقع في الصفحات ١٩٥ إلى ٢٦٤ من قسمين ؛ الأول يغطي ٥٠ صفحة والثاني ٢٠ صفحة ، ويأتي الأول على واقع الفلسطينيين في لبنان إبان الحرب الأهلية التي اندلعت في العام ١٩٧٥ ، فيم يرتد الثاني إلى ما قبل العام ١٩٦٧ ، وفي القسمين نقرأ صورتين مختلفتين تقريبا للمقاومة وللمقاومين الفلسطينيين ؛ المقاومة حين انخرطت في الحرب الأهلية واشتبكت مع اللبنانيين ، والمقاومة يوم كانت سرية وكان انشغالها بالدرجة الأولى مقارعة العدو الصهيوني من أجل تحربر فلسطين .
لا يغفل الياس خوري ، وهو يكتب عن المقاومة في القسمين ، ما قام به النظام العربي ، وهو هنا النظام اللبناني ، من ملاحقات للفدائيين وزجهم بالسجون وتعذيبهم والحيلولة بينهم وبين ممارسة النضال ، والصورة التي يبرزها للمحقق اللبناني تبدو سلبية في المطلق ، وبخلافها الصورة التي أظهرها للفدائي سمير عمرو أبو جاسم الذي تقترن الكتابة عنه بالكتابة عن أبو علي إياد القائد الفلسطيني الذي استشهد في الحرب الأهلية في الأردن في ١٩٧١ ومثل نموذجا إيجابيا ، وما زال، للقائد الفلسطيني .
إن الفدائي أبو جاسم يبدو بطلا أسطوريا في صموده في وجه المحقق اللبناني ، ويبدو مثالا للفدائي الشريف النظيف الذي يتماثل وما كتبه ابراهيم طوقان عن الفدائي في قصيدته الشهيرة " الفدائي " :
" هو بالباب واقف
والردى منه خائف
صامت لو تكلما
لفظ النار والدما "
كما لو أن الياس الذي درس شعر طوقان ينثر القصيدة ويخترع لها اسما . إن أبو جاسم " تروى عنه الأساطير ... يقال إنه كان من المقربين إلى أبو علي إياد .. يروى أنه أصيب عام ١٩٦٦ ، في معركة مع الجيش الإسرائيلي بسبع رصاصات في بطنه ، فزحف حتى الحدود اللبنانية ، وهناك أنقذه أحد الضباط الوطنيين ، أرسله إلى مستشفى صيدا ، لكن المكتب الثاني ... " .
أبو جاسم الفدائي الجريح يصمد في التحقيق ويفشل ضابط التحقيق القاسي الذي بلا رحمة في استدراجه .
هل استمر فدائي الستينيات المقاوم الشريف النظيف الذي هدفه تحرير بلاده على ما كان عليه أم أنه تغير في السبعينيات في فترة تدفق أموال النفط ؟ وهل الصورة التي نقرؤها عن الفدائيين في فترة الحرب الأهلية تشبه صورتهم في سنوات التأسيس ؟
2 - تحولات الفدائي : من السر إلى العلن ومن بطل أسطوري إلى فدائي مكاتب :
هل تغير فدائي ستينيات القرن العشرين عندما تدفقت أموال النفط على منظمة التحرير ؟
حين نتابع شخصية " أبو جاسم " في الرواية فإننا نقف أمام فدائي ظل وفيا لما تربى عليه ، في علاقته بالمال وبالناس ، ولم يتغير سلوكه الفردي كثيرا ، خلافا لغيره من القيادات التي صار لها حرس ومواكب .
رفض أبو جاسم في البداية ، حين صار قائدا ، أن يسير ومعه حراسه ، وظل الفدائي السري البسيط المتواضع هو ما يفرض عليه سلوكه وتصرفاته ، ولكنه اضطر للخضوع إلى أوامر الجهات العليا في المنظمة التي أرادت أن تحافظ على حياته ، فهو لم يعد فدائي الظل المجهول . لقد غدا قائدا معروفا والسير بلا حراسة يشكل خطرا عليه ، ومع أنه انصاع للأوامر إلا أنه لم يبالغ في الأمر وظل أقرب إلى طبيعته ونشأته .
أبو جاسم الذي رفض مظاهر البذخ والترف ولم يخضع لإغراء المال الوفير ظل أيضا يحافظ على أخلاقيات الثورة ، فوقف ، مثل " أبو علي إياد " موقفا صارما وقاسيا من التجاوزات ومن سلوكات الفتوات التي بدأت تظهر في أثناء الحرب الأهلية .
" ولكن من هو هذا الدنيء ، الذي يقتل رجلا مسكينا من أجل محبسه الذهبي . أين الرجولة؟
ثم حذف فكرة أن يكونوا هم القتلة .
- لا يمكن ، إنهم لا يقتلون من أجل محبس . هل هناك ، وبعد كل هذه البنوك التي سرقت ، من يقتل رجلا من أجل محبس ذهبي رفيع وتافه ، ولا يساوي أكثر من مئتي ليرة ."
يعترض فدائي أمام " أبو جاسم " على حياة بعض الزعماء حيث يملكون السيارات ويعيشون كالأغنياء في حين يحيا المقاتلون في فقر ، فيرد أبو جاسم :
"- هذا غلط ، دلوني على فقير واحد ، وأنا أدير له عملا شريفا " .
هنا يمكن العودة إلى القسم الأول من الفصل الخامس الذي يأتي على الفدائيين من جيل السبعينيات ؛ الجيل الذي حارب العدو الصهيوني ثم فجأة وجد نفسه ينخرط في الحرب الأهلية اللبنانية ويمارس أفعالا لم ترق لقسم من الفدائيين ، لأنها تتنافى والوعي الثوري .
فهد بدر الدين البالغ من العمر ٢٦ عاما طالب في قسم الأدب العربي في الجامعة لم يتابع دروسه بسبب عينيه " فهو لا يستطيع القراءة بشكل متواصل . أعزب " ، ينخرط في صفوف المقاومة ويتشكل لديه وعي انساني وثوري ويشارك في المعارك التي تخوضها قوات الثورة الفلسطينية والقوات التقدمية واليسارية في لبنان ضد القوات الكتائبية ، ويكون مستعدا للتضحية بنفسه من أجل إنقاذ رفيق جريح له ، ويعجب حين يصغي إلى قائده وهو يثنيه عن ذلك ، بحجة أنه ليس مستعدا للتضحية بعشرة مقاتلين من أجل إنقاذ مقاتل واحد .
أكثر مما سبق لا يروق لفهد ما ينهجه المسؤول عنه وما توافق عليه سمر التي تريد تصوير فيلم سينمائي . يرى المسؤول وترى سمر أن الحقيقة يجب أن تخدم الثورة ، ويرى فهد أن الحقيقة يجب أن تخدم الحقيقة ، وهنا يحدث الاختلاف ، فما يراه فهد لا يروق الأكثرية التي تقرر نقله إلى بيروت وإبعاده عن مناطق القتال للتخلص من أفكاره وتأثيرها .
كانت ذروة الاختلاف تتمثل في موقفه من أسير من الجهة المعادية أقدم المسؤول والمقاتلون على إعدامه . لقد استاء فهد من عقلية الثأر التي تسود وتطغى لدى المقاتلين ورأى أنه كان الأجدر ألا يقتل الأسير الشاب الخائف المرتجف وأن يعامل أسيرا لا قاتلا .
" الحرب هي الحرب " يقول الآخرون ويتصرفون بوحشية لا بانسانية ، ويكون فهد استثناء لا يؤخذ برأيه بل يعاقب عليه .
ليس فهد الفلسطيني الوحيد . هناك شخصيات فلسطينية أخرى لافتة ، فهناك سمر التي تشارك في الثورة من خلال الفن . تقوم سمر بتصوير فيلم من أجل فضح الفاشيين ، وتوافق على أن تقيم في شقة مصادرة وتبرر مصادرة أملاك الأعداء بحجة ما ارتكبوه بحق الفلسطينيين ، وتنظر للفكر الثوري ، ولكنها سرعان ما تتزوج من تاجر لتعيش حياة برجوازية .
وهناك الأستاذ الجامعي ابراهيم الذي يلتحق بالثورة ويقاتل ، فيكون أول أستاذ جامعي ومقاتل يراه فهد " هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها بأستاذ جامعي ومقاتل " ، ولكن ابراهيم الذي كان يحدث المقاتلين عن " ماوتسي تونغ و بول بوت الذي ألغى المدن وجزر الخيال ، وعن حرب الشعب والثورة والتحرير وكان مقنعا ومقاتلا " سرعان ما ترك الثورة وصار ينظر للدين ويدعو إليه ، وحين يسأله فهد عما ألم به يجيب :
" - كل شيء فرط "
وأخبرني أن العودة إلى الدين هي الحل الوحيد " .
إن نموذج اليساري الذي يتحول إلى الدين ويدعو إليه نموذج سوف يطالعنا في الرواية العربية التي كتبت في العقود الثلاثة الأخيرة ، وقد تكون رواية " الوجوه البيضاء " من أوائل الروايات العربية التي كتبت عن هذا التحول ، وهذا يسجل لصالحها .
لا يكتفي الياس خوري برصد الواقع الفلسطيني من خلال هذه النماذج وإنما يبدو في كتابته ، على لسان فهد وغيره من الفدائيين ، نقد ذاتي للثورة وسلوك بعض قيادييها ، فالثورة كانت في السر ثورة مختلفة ، وحين ظهرت إلى العلن اختلفت ، وكان الفدائيون مقاتلين حقيقيين يوم لم يملكوا المال ، وحين امتلكوه اختلفوا و " صرنا نتلهى بأمور لا معنى لها " و " صاروا يكذبون ويدعون الشجاعة " فأين هم من أبو جاسم أو من أبو علي إياد ؟ .
المراجع :
- الياس خوري ، الوجوه البيضاء ، دار الآداب ، بيروت ، ط١ / ١٩٨١ ، ط٢ / ٢٠٠٣ .
- جميل كتاني ، شاهد على الواقع : دراسات و أبحاث في الرواية العربية المعاصرة ، فلسطين ، دار الهدى ، ٢٠١٤ .( ١٢٠ - ١٤٧ ) .
- شمعون بلاص ، الأدب العربي في ظل الحرب من ١٩٤٨ - ١٩٧٣ ، شفا عمرو ، دار المشرق ١٩٨٤ ( ترجمة زكي درويش ...) .
- د.فؤاد عزام ، شعرية النص السردي : دراسة في أشكال الحبكة في روايات حيدر حيدر ، فلسطين ، حيفا ، مجمع اللغة العربية ، ٢٠١٢ . ( ١٧٩ و ٢٥٢ و٢٥٣ وغيرها ) .
١٢
ذاكرة أمس ٢٥ : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
كان الجو أمس الجمعة ربيعيا بامتياز ، والربيع على الأبواب .
لم يؤد إخوتي المؤمنون وأصدقاؤهم صلاة الجمعة في ساحة بيتنا ، واختاروا ساحة مدرسة من مدارس الحي ، وهكذا لم أستمع إلى خطبة الجمعة ( راحت عليك ) ، وعوض ذلك وجدتني أعيد قراءة قصتين كتبهما القاص محمود شقير في سبعينيات القرن العشرين هما " الوطن " و" التراب " من مجموعة " الولد الفلسطيني " لأنجز مقال الأحد - كلما استخدمت ، في هذه الأيام ، مفردة " أنجز " تذكرت عبد الرحمن أبو عوف في مسلسل " عمارة يعقوبيان " المأخوذ عن رواية علاء الأسواني :
"- إذا أردت أن تنجز فعليك بالوينجز " ،
و " الوينجز " نوع من أنواع الدخان كان يقدم في مصر ، في العهد الملكي ، رشوة لتسيير الأمور .
نهار الجمعة طويل جدا إن لم يكن لديك ما تشغل به نفسك أو إن لم تخرج لتتمشى ، وقد تسوء نفسيتك وتشعر بعدم الرضا إن اتصل بك عزيز لا ترغب في مكالمته تفاديا للمشاكل . ( السلطة والفصائل وحماس والفضول وإدارة الجامعة والجهل أفسدت العلاقات العائلية . أكرر الكتابة ) .
في المساء وأنا أقرأ ما اقترحه الصديق خليل حمد على صفحته مادة للنقاش حول الخروج من أزمة الكورونا في المناطق الفلسطينية : " الالتزام ، التطعيم ، الإغلاق " تذكرت بيتي الشاعر الجاهلي امريء القيس :
" بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له : لا تبك عينك إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا "
وها نحن نحاول ما أمكن أن ننجو ، وإلا فإننا سنعذر . هل امرؤ القيس ميت حقا ؟ كم حضر هذان البيتان في شعرنا المعاصر ! وكم كررناهما حتى صارا مكونا من مكونات شخصيتنا ! وحين ذهب المرحوم ياسر عرفات إلى البيت الأبيض ليوقع اتفاق أوسلو بكى محمود درويش بكاء امريء القيس وحاول عرفات ملكا ومات ، ولكنه لم يعذر . لقد مات بحلة قيصر المسمومة التي أهداها القيصر إلى امريء القيس - أعني مات عرفات مسموما .
أمس غابت عني ، وأنا أكتب ، روح الدعابة والسخرية وانتابتني حالة من الحزن . أمس تذكرت قابيل وهابيل وقوله تعالى ( إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ) والنعجة في كتاب الجاحظ " البخلاء " هي المرأة وفي أغنيتنا الفلسطينية يخاطب المغني زارعي السمسم بالآتي :
" يا زارعين السمسم
خلي السمسم ع أمه
واللي يعشق وما يوخد
لخلي القرد يلمه "
وفلسطين ، فيما أعرف ، تخلو من القرود الحقيقية ، إلا إذا كان كاتب الكلمات من أتباع ( داروين ) ، وهات حلها !
٢٠ آذار ٢٠٢١
١٣
" رام الله " عباد يحيى و" رأيت رام الله " مريد البرغوثي :
هل أفاد عباد يحيى في روايته " رام الله " ٢٠٢٠ من كتاب مريد البرغوثي " رأيت رام الله " ١٩٩٨ ؟
وأنا أنظر في قائمة المصادر والمراجع التي اتكأ عليها عباد في بناء روايته لم ألحظ ذكره لكتاب مريد ، علما بأن هناك تقاطعا بين الكتابين .
هل كان عدم ذكر عنوان كتاب مريد سهوا أم أن نسبة السكر في دمي مرتفعة فحالت دون الرؤية ؟
أسعفنا يا عباد
٢٠ آذار ٢٠٢١
١٤
الشعراء يقولون ما لا يفعلون :
عندما كان محمود درويش في فلسطين لطالما كرر :
" وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن ،
ما له في الثرى ضريح ،
ونهاني عن السفر "
و
" يا صخرة صلى عليها والدي
لتصون ثائر
أنا لن أبيعك باللآليء
أنا لن أسافر "
ثم سافر .
وفي حياته كتب عبد اللطيف عقل رسالة إلى صديق قديم يحثه على الهجرة إلى الخليج :
" أنا نبض التراب دمي ،
فكيف أخون نبض دمي
وأرتحل "
ثم ارتحل في الانتفاضة الأولى طلبا للسلامة أو .. أو ..
أنا ، قرأت ما كتبا والتزمت به ، وخلافهما لم أرحل .
ما أفهمه من إشارات أن كثيرين ضاقوا ذرعا بوجودي في فلسطين ويحثونني على الرحيل ، ومن هؤلاء طبعا أقارب .
المقاطعة وبعض الرموز الفاسدة لا تتركاني وشأني ، ولطالما أشعرني كثيرون في الجامعة بأن وجودي يشكل عبئا .
مع توفيق زياد الشاعر الغني عن التعريف ، وهو واحد من الأدباء الذين التزموا بما كتبوا :
" هنا باقون " .
٢٠ آذار ٢٠٢٢
١٥
تلم في الأرض خطه حمار أو ثور : مأساة الفلسطينيين الناجمة عن التلم
الليلة مساء وقفت أمام السور الفاصل بين باقة الغربية وباقة الشرقية ، وتذكرت برطعة الشرقية وبرطعة الغربية وبيت صفافا وبوابة مندلباوم وسور برلين .
عندما سألت الدكتور ياسين كتانة عما كان يفصل الباقتين عن بعضهما قبل إقامة السور في انتفاضة الأقصى ، بل وقبل حرب حزيران ١٩٦٧ ؛ يوم كانت الغربية تقع في دولة الاحتلال الإسرائيلي والشرقية تقع تحت سيطرة الحكم الأردني فيما عرف بالمملكة الأردنية الهاشمية ، أجابني الدكتور ياسين بالآتي :
- أسلاك شائكة .
في كتاب الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان " الزمن الأصفر "( ١٩٨٩ ) يكتب عن البرطعتين وتشاركهما في الأفراح والأتراح بواسطة الميكروفانات . العرس يتم على جانبي الوادي الذي يفصل بين القريتين . هنا ثمة حاد وهناك حاد ثان يتحاوران ، وفي الأتراح يقام بيت أجر هنا وبيت أجر هناك . كأن القريتين قرية واحدة على الرغم من أنهما تخضعان لحكمين يبدوان في حالة نزاع .
هل اختلف الأمر في بيت صفافا ؟
في القدس فصلت بوابة مندلباوم بين القدس الشرقية والقدس الغربية وتوحد القسمان بعد حزيران ١٩٦٧ وأزيلت البوابة ولم يعد لها ذكر إلا في بعض القصص الفلسطينية القصيرة وبعض الروايات . صار السور / الجدار ؛ جدار العزل العنصري هو الفاصل بين القدس الموحدة وما يحيط بها من أماكن لا ترغب الدولة العبرية في مواطنيها .
وأنا أقف في باقة الغربية أمام جدار العزل الذي يفصل بين الباقتين تذكرت قصة الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad " الحارس " من مجموعة " الشارع الأصفر " وفيها يشير إلى ما يفصل بين بوعلي وابنته بسبب النكبة " تلم خطه ثور " .
نعم فإن ما كان يفصل بين الباقتين بعد نكبة ١٩٤٨ هو تلم خطه ثور ، وقد صار هذا التلم أساسا للجدار الاسمنتي ، ولكي تزور العائلات بعضها البعض بين الباقتين تحتاج إلى تصاريح وهويات ممغنطة ورضا الاحتلال والسفر واجتياز المعابر و ... و ... و ... .
في العام ١٩٨٨ زرت برلين الغربية وبرلين الشرقية ووقفت على سور برلين ، وفي العام ١٩٩٠ زرتها ثانية وقد صارت حجارة السور قطعا أثرية تباع للذكرى ، وليس فقط حجارة السور ما بيعت للذكرى . ملابس الجيش السوفييتي وأوسمه ضباطه وجنوده بيعت أيضا .
يوم الجمعة الماضي زارني شباب من أفراد الدعوة يتجاذبون معي أطراف الحديث ويدعونني إلى حضور درسهم الأسبوعي في المسجد ، فاقترحت عليهم أن يجلسوا مع بن غفير وسموتريتش وأن يدعوهما إلى الإسلام ، وعسى بذلك أن ينتهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .
دائما ما أسأل :
- من كان في العام ١٩٨٨ يتوقع وهو يقف أمام السور في برلين أنه سيهدم في العام ١٩٨٩ ؟
وغالبا ما كان أبي يكرر :
دع المقادير تجري في أعنتها
ولا تنم إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٣ .
١٦
غزة ( ١٦٦ ) :
مستشفى الشفاء ثانية
لم تنته الحرب في شمال غزة ، ويبدو أنها ، بمحاصرة مستشفى الشفاء ثانية ، عادت من جديد إلى نقطة الصفر .
لم تكتف القوات الإسرائيلية بحصار المشفى ، فقد اقتحمته ، ويبدو أن الخسائر التي تكبدتها أمس أفقدتها عقلها ، فلجأت إلى سلسلة إعدامات ميدانية لعشرات المواطنين الموجودين هناك ، وهو ما أفادته تقارير المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان .
إن كان الشاعر الانجليزي ( ووردزورث ) قال إن " الطفل أبو الرجل " ، وهو ما أخذ به الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا حين كتب سيرته الذاتية " البئر الأولى " فكتب عن طفولته ، فإن طفولة الدولة العبرية هي الأب الحقيقي لعقدها الثامن - أي شيخوختها .
أمس تذكرت روايات إلياس خوري " باب الشمس " و " أولاد الغيتو : اسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني " فعدت إليها لأقرأ فيها عن " المحو " . إسرائيل تريد أن تمحو فلسطين وشعبها وتراثها . كيف لم ننتبه في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة إلى روايات خوري ؟ هل اكتفينا بقراءة مقاله الأسبوعي الذي يأتي أحيانا عليها ؟
في " باب الشمس " يسرد راوي الرواية عن احتلال قرية البروة . هل اختلف ما قامت به القوات الإسرائيلية أمس في مستشفى الشفاء عما ارتكبته بحق أهل البروة ؟
اقرأوا الآتي :
" أمر الضابط طانيوس بالمشي أمامه . مشى الفتى حتى وصلا إلى شجرة الجميز في طرف الساحة ، وهناك أطلق الضابط رصاصة واحدة من مسدسه ، وعاد إلى الحشد الصغير ليأمره بركوب الشاحنة . وبدأ الناس يتدافعون إلى الشاحنة حتى أبونا جبران تدافع مع المتدافعين ، ولم يذهب لتفقد ابن أخته الميت (- أي طانيوس الذي قتله الضابط الإسرائيلي ) "
و
" حين دخل الإسرائيليون البروة نسفوها بيتا بيتا .لم يأخذوا ثيابنا وشراطيطنا . كانوا كالمجانين ينسفون البيوت ويقومون بحرقها ، ويدعسون القمح ويقطعون أشجار الزيتون بالديناميت ... " ( ١٩٦ ) .
ولماذا نبتعد عن غزة . في العام ١٩٥٦ احتلها الإسرائيليون مدة ستة أشهر وارتكبوا فيها جرائم الإعدام الميداني . هل تذكرون مشهد إعدام سالم في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ( ١٩٦٦ ) ؟ هل تذكرون مشهد إعدام الجنود المصريين والسودانيين في كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " ( ١٩٧٨ )٧ ؟
هل تتذكرون قصيدة محمود درويش " ليلة البوم " في ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " ( ١٩٩٥ ) :
" ههنا حاضر لا يلامسه الأمس ..
حين وصلنا
إلى آخر الشجرات انتبهنا إلى أننا
لم نعد قادرين على الانتباه . وحين
التفتنا إلى الشاحنات رأينا الغياب
يكدش أشياءه المنتقاة وينصب
خيمته الأبدية من حولنا " .
هل خيامنا أبدية ؟
خيام اللاجئين الآن في رفح هي حفيدة خيامهم في العام ١٩٤٨ ، وكنت كتبت عن ابنة عمي التي ولدت في خيمة وهي الآن تقيم في خيمة أيضا .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤ .
١٧
" شهادة وفاة كلب " :
شهادة وفاة كلب عنوان رواية للكاتبين العمانيين سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي .
عندما كتبت سلسلة كتابات تحت عنوان " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " لم أكن سمعت بها ، علما بأنني أيضا كتبت غير مقال تحت عنوان " كلاب في الذاكرة : الكلب في أعمال أدبية " وتحت عنوان " مذكرات نيتشة .. مذكرات كلب وذاكرة المغلوبين " .
في مقدمة كتابي أشرت إلى أن الروايات التي كتبت عنها هي ما استطعت الحصول عليه ، لا عن الروايات كلها التي صورت الفلسطيني ، فقد تكون هناك روايات لم أقرأها أو لم أستطع الحصول عليها ، وتركت باب الدراسة مشرعا لدراسات أخرى .
ما الصورة التي أبرزها ورسمها الكاتبان العمانيان للفلسطيني ؟
هذا ما أطمح إلى الكتابة عنه بعد أن تنتهي الحرب الدائرة حاليا ويصفو الذهن للقراءة والكتابة .
وليس لي إلا أن أردد بيت " أبو نواس " :
"فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء "
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
١٨
غدا ذكرى معركة الكرامة :
للانتصار مائة أب ، وللهزيمة أب واحد .
هل بقي ما يتغنى فيه بهذه المعركة ؟
غدا هو اليوم ١٦٧ لطوفان الأقصى .
هل تغنى يحيى السسنوار في روايته " الشوك والقرنفل " بيوم الكرامة ؟
لقد ترك ذلك اليوم تأثيرا كبيرا في نفسية سارد الرواية أحمد الذي لم يتجاوز سن السادسة من عمره .
الآن أحمد في سن ال ٦٢ ، وإن طابقنا بين أحمد ويحيى ، فإنه أغلب الظن مشغول بما هو ... .
إن استمعنا غدا إلى إذاعات عربية فسوف نصغي إلى الحديث عن انتصارات وأمجاد لا يكاد ما جرى في غزة يذكر أمامها .
للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتنا وفي عالمنا كله أيضا .
وغدا قد نغني للأم " ست الحبايب " وللربيع و " أده الربيع عاد من تاني " والله يرحمكما يا فايزة أحمد ويا فريد الأطرش .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
١٩
المجتمع الأدبي والتباغض :
غالبا ما يهاجم الأدباء بعضهم بعضا ، وكثيرا ما يتهم أدباء أدباء مشهورين بأنهم نرجسيون . وليس هذا بجديد ، فالشعراء ثلاثة : شاعر وشويعر وشعرور ، ومرة قرأت بيت جرير يهجو الأخطل :
" قل للأخيطل لم تبلغ موازنتي
فاجعل لأمك ... القس ميزانا "
وإن كنت كاتبا في بداياتك ونقدت أديبا مشهورا فستصبح موضع سخرية وتندر ، وربما مكروها .
في سيرته يكتب عبدالله إبراهيم ، أنه كتب مرة ، ولم يكن تجاوز الثلاثين ، عن الكاتب الروسي ( دوستوفسكي ) ، كتابة ليست لصالح الأخير ، وكان المجتمع الأدبي البغدادي يرى فيه ، كما أكثر قراء رواياته ، كاتبا كبيرا ، فقد ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات وأعيدت طباعتها وكتب عنها أضعاف أضعاف حجمها . كيف لكاتب لم يتجاوز الثلاثين أن يهاجم ( دوستوفسكي ) ؟
صار المهاجم موضع سخرية وتندر ودبجت فيه المقالات وكثر فيه الغمز واللمز والاستعداء وطعن في ذوقه الأدبي ووصل الأمر إلى الدفع بوقف دراسته الأكاديمية .
وجهة نظر عبدالله تبدو لي مقنعة . لقد رأى أن الحملة شخصية أكثر منها موضوعية ، وما ساقه ويدعم رأيه ممكن . يكتب :
" فقراء دوستوفسكي يعرفون أن رواياته الكبيرة كتبت بدافع الحاجة إلى المال ، فيوقع عقودا مع ناشري المجلات لإظهار فصول أسبوعية أو شهرية منها ، وغالبا ما كانوا يستعجلونه للكتابة ، وتسليمهم ما بحوزته ، لأنه لم يف به في المواعيد المطلوبة ، فيطارده الدائنون ، ويلحف عليه الناشرون ، فدبج فصولا تفتقر إلى الترابط الذي ينهض بمهمة التماسك بين مكونات النص السردي "
يكتب عبدالله أيضا :
" لم يغب عني الخلفيات الشيوعية لمعظم المتهجمين ... " .
لا أعرف إن كان الشاعر الأمريكي ( بوكوفسكي ) كتب شيئا عن تجربة ( دوستوفسكي ) ولكنه في قصيدته عن الكتابة ومتى يكتب المرء يطالب الكتاب بأن لا يكتبوا من أجل المال وأشياء أخرى ، وان يكتبوا فقط حين تأتي الكتابة .
" لا تكتب إلا حين تلح عليك الكتابة " .
أحيانا كثيرة كنا أيضا موضع تندر وسخرية واستهزاء حتى من كتاب لم يقرأوا لنا شيئا ، مكتفين بما يروج من إشاعات .
مرة هاجمني شاعر وروائي متسائلا :
- كيف يسمح لي أن أدرس طلاب جامعة ؟
عندما شاركنا معا في مؤتمر حكى فيه عن تجربته الأدبية أخذ يقرأ من ورقة أعدها ولو سحبت منه لما أكمل الحكي ، وبقصد تحدثت ، كما أتحدث غالبا ، مكتفيا بالنظر إلى رؤوس أقلام دونتها أنظر إليها حتى تكون المحاضرة متسلسلة متسقة .
بعين الله وحالة تعبانة يا ليلى
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٥
٢٠
نعزي أنفسنا ، عاجزين ، بقراءة الشعر
( لاحظوا كم مرة تتكرر لفظة موت ومشتقاتها )
"هنالك موتى ومستوطنات ، وموتى وبولدوزورات ، وموتى
ومستشفيات ، وموتى وشاشات رادار ترصد موتى
يموتون أكثر من مرة في الحياة ، وترصد موتى
يعيشون بعد الممات ، وموتى يربون وحش الحضارات موتا ،
وموتى يموتون كي يحملوا الأرض فوق الرفات .
إلى أين يا سيد البيض ، تأخذ شعبي .... وشعبك ؟
إلى أي هاوية يأخذ الأرض هذا الروبوت المدجج بالطائرات
وحاملة الطائرات ، إلى أي هاوية رحبة تصعدون ؟
لكم ما تشاؤون : روما الجديدة ، اسبارطة التكنولوجيا
و
ايديولوجيا الجنون
ونحن سنهرب من زمن لم نهييء له ، بعد ، هاجسا "
( محمود درويش ، خطبة الهندي الأحمر - ما قبل الأخيرة - أمام الرجل الأبيض ، ( دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ) ، )
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٦
الشاعر الدكتور رمضان عمر :
تحية وبعد
فقد قرأت قصيدتك في هجاء إدارة جامعة النجاح .
أتمنى لك التوفيق في المكان الذي ارتحلت إليه ، ولكني أعلمك أن قسم اللغة العربية هو من يعين في القسم والإدارة لا تتدخل في هذا ( لاحقا فرضت علينا الإدارة عضو هيأة تدريس لمدة فصل ثم لصق بالكرسي على سنة الحكام العرب ) .
أساتذة القسم يقررون ولا أدري إن كنت تدري أن القسم ليس بحاجة إلى أعضاء هيأة تدريس في الأدب الحديث والفلسطيني ، فهناك أستاذان يدرس أحدهما مواد تذوق ا لنص الأدبي ، ثم إنك كتبت عن محمود درويش وأنت تدري أن هناك من هو متخصص في أشعاره . لو كنت كتبت في ظاهرة أو في روائي عربي لربما اختلف الأمر . ( الأستاذ الزائر غالبا ما يدرس مواد اللغة العربية )
تحياتي لك .
٢٠١٣
٢
يوم الكرامة :
في مثل هذا اليوم في العام 1968 كنا شيئا آخر . فلم نكن نصغي إلى خلاف أبناء فتح مع بعضهم للحديث عن الرئاسة والخلافة والتعامل مع العدو ، ولم نكن نتحدث عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه . هل كان شيء مثل هذا يحدث دون أن ندري ؟
لست أدري .
لا أنا أدري ولا ايليا أبو ماضي أيضا يدري ، وكما قال الشاعر اليمني عبدالله البردوني :
" فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعا من المستعمر السري ؟ "
في مثل هذا اليوم ، قبل 46 عاما كنا أطفالا في المدارس ، ننام على صوت الفدائيين ونصحو على أغاني الثورة وأخبارها ، وكنا نلتصق بالمذياع ، لنعرف آخر أخبار العدو وآخر عمليات الفدائيين ، وفي مثل هذا اليوم كنا نتابع أخبار انتصار الفدائيين في الكرامة .
هل يذكر أبناء فتح يوم الكرامة ؟
كنا نتابع المذياع وكنا نقرأ قصص الفدائيين وبطولاتهم ، ولم نكن ندري أنه سيأتي يوم نتوسل فيه الصدقات . كان الشعراء يغنون للثورة ، وكانت أغانيها تلعلع :
" دبوا النار بهالخيام وارموا كروتة التموين ، لا صلح ولا استسلام إلا بتحريرك فلسطين ".
أمس شاهدت على الجزيرة الفلسطينيين في غزة يتوسلون صدقات ( الاونروا ) ، وكانت النسوة يتحدثن بصوت عال ، يطلبن الإعانات وكروتة التموين .
قبل 46 عاما كانت مطالبنا مختلفة ، على الرغم من أننا كنا خارجين من الهزيمة . هل كنا بشرا آخرين ؟ هل كنا سذجا ؟
هل كنا مخدوعين ومراهقين ؟
لقد كنا أطفالا ومراهقين ، ولكن هل كانت قيادتنا حكيمة ؟
نحن الآن كبرنا ، فهل كبرت قيادتنا أم أنها عادت إلى فترة المراهقة ، لأننا نحن الأطفال كبرنا ؟
قبل 46 عاما كنا مختلفين ، وكان أدبنا مختلفا ، وكانت مطالبنا مختلفة ، وكانت أسعار البندورة والخيار والبطاطا أيضا مختلفة ، ولم تكن ثمة ربطات عنق وتلفازات ومكياجات ، فقد كنا فقراء معدمين ، ينام كل عشرة في غرفة ، ولم تكن لنا مكاتب . ما الصواب ما الخطأ ؟
إن هي إلا خربشات تملى علي بكرة وأصيلا
إن هي الا أساطير الكبر والهبل واختلاط الحابل بالنابل والهزيمة العربية ، ورحم الله الشاعر علي فودة الذي قال :
بقلبي أريحا وكنا نحن ولو لحظة لانتصار .
٢٠١٤
٣
تعطيل الدوام اليوم لاستقبال الرئيس :
وأنا أفتح الرابط الذي أرسله إلي السيد محمد شريم ، وجدت نفسي أمام تلفاز نابلس أقرأ خبرا يقول إن الدوام سيعطل اليوم لاستقبال الرئيس .
يا سيدي زكارنة الرئيس على الرأس والعين ، ولكن هل من ضرورة لتعطيل الدوام ؟ هل سيذهب مليون فلسطيني لاستقبال الرئيس ؟ ماذا يحدث عادة عندما يتعطل الدوام ؟
يذهب الموظفون لدفع الفواتير ، والذين دفعوها والذين لم يدفعوا يذهبون الى المقاهي للعب طاولة النرد او أوراق الشدة ، وأنا أتسكع في الشوارع ، والعشاق يذهبون إلى الأماكن المتفق عليها من كافتيريا أو ...أو ... أو ... الله وحده يعلم . وهذه فرصة ممتازة لهم تضاف إلى المواعيد المتفق عليها . إنها لقاء إضافي مثل العمل الإضافي .
ومع احترامي للرئيس ومواقفه وجهوده و .. و ... و... وخلافه مع دحلان وصعدان وهبطان وزعلان وغضبان ، فهل مجرد عودته من سفره ، وأسفاره كثيرة ، تستحق أن نعلق الدوام ؟
يا ناس ، يا ناس فكروا بعقولكم !
هل لقاء الرئيس مع ( اوباما ) حرر فلسطين ؟
أعتقد أن اليوم الوحيد الذي يستحق أن نعطل الدوام فيه هو فقط ذلك اليوم الذي يكنس فيه الاحتلال ويعود فيه اللاجئون .
أكتب هذا وأمري لله ، فأنا لا أريد وظيفة ، لأفعل ما فعله زميل لي أخذ يكيل المديح للمؤسسة ولرئيسها وللزملاء ، لأنه بحاجة الى وظيفة ، وكان شكله مضحكا وخطابه خطاب مثقف بائس .
صباح الخير يا رئيسنا ، وآمل أن تقولها أنت :
" لا ضرورة لتعليق الدوام ، فالمتقاعدون الذين يأخذون رواتبهم ولا يفعلون شيئا سوى الاستفسار عن العلاوة وموعد صرف الراتب ، يمكن أن يقوموا بهذه المهمة ، وهم يملأون المقاطعة وقد تضيق بهم .
2014 .
٤
( نيرون ) الجديد :
( نيرون ) يولد من جديد . إنه تموز الصهيوني الذي يولد في الربيع - نحن الآن في بداية الربيع تقريبا و .
كان محمود درويش ، وهو في فلسطين ، كتب :
" نيرون مات
وروما لم تمت
روما بعينيها تقاتل "
ولو بعث درويش من جديد ، وأصغى إلى أخبار الصباح ، لربما قال شيئا مختلفا . لربما كتب عن نيرون / تموز الصهيوني .
لم تحتمل اسرائيل زيارة الطفل أحمد دوابشة إلى ( مدريد ) ، فآثرت أن تقتل الشاهد الوحيد على المحرقة السابقة .
نيرون يولد من جديد ، ونحن على أبواب الربيع . والاسرائيليون يؤكدون :
" العربي الجيد هو العربي الميت " .
ببساطة : لا يريدوننا هنا ، وكما كتب ابراهيم طوقان :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو / أم محونا والإزالة " .
إنها بدايات محرقة على ما يبدو ،
20 / 3 / 2016
٥
عكا 4 :
" سور المدينة والغزاة " :
في عكا ، وأنت على سورها ، تجد نفسك تكرر قول محمود درويش :
" رأيت فتاة على شاطيء البحر قبل ثلاثين عاما
وقلت : أنا الموج ، فابتعدت في التداعي ، رأيت
شهيدين يستمعان إلى البحر : عكا تجيء مع الموج
عكا تروح مع الموج . وابتعدا في التداعي " .( قصيدة الأرض 1976 ).
وتعود بك الذاكرة إلى ما بعد 1967 حتى 1987.
في تلك السنوات كنت أتردد على عكا ؛ أزورها ، قبل أن أغدو كاتبا ، زائرا ، وأزورها ، حين غدوت كاتبا ، لزيارة دار نشر الأسوار لصاحبها يعقوب حجازي وهناك قد ألتقي ببعض الكتاب ومنهم أنطوان شلحت .
على سور المدينة أقف . هل تذكرت نابليون ؟ هل تذكرت رواية علاء حليحل " اورفوار عكا " ؟.
بدأت أقرأ الرواية وانشغلت عنها ولم اتمم قراءتها . لم أكتب عنها مع أن صورة الفرنسيين فيها لافتة . صورة الجنود القادمين وبصحبتهم النساء للترفيه عنهم . هل أخطأت في العنوان وصححني الشاعر فاروق مواسي ؟
كما لو سفن نابليون خرجت فجأة وكما لو أنها هزمت من جديد .
غير رواية فلسطينية أتت على عكا . الموضوع يستحق أن يكون موضوع رسالة ماجستيرو. سأقترحه على طالب ما . الرحلة علمية . لم لا ؟
20 / 3 / 2017
٦
" أسئلة الرواية العربية " :
" أسئلة الرواية العربية " هو آخر كتاب لي وقد صدر عن دار الآداب ببيروت .
لم يصدر الكتاب كما أرسلته ، فقد عرضته دار الآداب على محرر لغوي - ليتها لم تفعل - فأجرى قلمه فيه وهذا لم يرق لي إطلاقا .
صحح المحرر كلمة أية فذكرها في كل مكان وردت فيه ، ما جعلني اخاطب رنا ادريس مذكرا إياها بقول الشاعر :
" بأي كتاب أم بأية سنة
ترى حبهم عارا علي وتحسب ؟ "
وحذف المحرر القوسين ( ) عن كل علم أجنبي ، وأنا أعلم علامات الترقيم وأقول للطلاب يجب وضع كل علم أجنبي بين قوسين ، وانظروا كتاب أحمد علبي " المنهجية في البحث الأدبي " وأتذكر قصتي مع البروفيسورة الألمانية ( فيبكة فالتر ) .
وربما أكتبها حين أكتب مقالا كاملا حول قصة تحرير الكتاب - لي مع ( فيبكة ) قصة أوردتها في قصتي " لماذا كنت يوسف ؟ من قال إني يوسف ؟ ".
ما فيش فايدة
20 / 3 / 2018
٧
فضيحة حملة ماجستير اللغة العربية
أطرف ما سمعته اليوم أن بعض أساتذة أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية والفلسطينية يقترحون على من يشرفون عليهم من الطلاب أن يعطوا رسائلهم إلى مدققين لغويين قبل تسليم الرسائل إلى المناقشة.
بعض المدققين اجرتهم 4شواكل للصفحة وهناك من يأخذ 10 شواكل.
يا للفضيحة!
لو كانوا طلابا من أقسام أخرى غير قسم اللغة العربية لتقبل الأمر ،اما أن يلجأ طالب اللغة العربية إلى مدقق لغوي فإن الأمر صعب جدا وغير مستساغ على الإطلاق.
لماذا إذن تعلم هؤلاء اللغة العربية وآدابها.
زغردي يا انشراح
20 / 3 / 2018
٨
موتيفات وأفكار في الأدب
كلاب في الذاكرة : "الكلب في أعمال أدبية " (1 من 2 )
في طفولتي في المخيم كنت لا أقترب من الكلاب . كنت أشاهدها لدى بعض الجيران أو لدى البدو الذين ينصبون ، في الربيع ، خيامهم قرب المخيم .
كنت أبيع الاسكيمو للبدو وكانت كلابهم ، كلما اقتربت من خيامهم ، تنبح ، وحين أتكلم مع أصحابها سرعان ما تكف عن النباح .
كلب الجيران في المخيم -طبعا سابع جار - كان ينبح كلما رأى غريبا وكان وحيدا ، ومرة ضربه خميس بحجر ، ولما خرج أصحاب الكلب خاطبهم خميس :
- ربوا أولادكم .
وتقبل الأمر على أنه دعابة.
في العام 1972 درست في الجامعة الأردنية نصا للجاحظ هو " عروة بن مرثد والكلب " والجاحظ كاتب ساخر ، كما نعرف من كتابه "البخلاء" ، فكيف بدا كلبه في نصه؟
لم يكن الكلب هو المعني بالدرجة الأولى ، فقد كان المعني عروة بن مرثد الذي اتسم بالجبن ، فظن الكلب الذي بالباب لصا يريد اقتحام البيت الذي نزل فيه ضيفا ، وأخذ عروة يهدده ، دون أن يجرؤ على مجابهته ، حتى إذا ما انتبهت امرأة من القوم ، وصرخت بالكلب ، وعرف عروة أن ما وراء باب البيت هو كلب لا لص قال :"الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني منك حربا " ، ويمكن القول إن كلب الجاحظ كان كلبا هائما مشردا يبحث عن طعام ولم يكن كلبا منزليا مدللا أو كلب قوم يبسط يديه بالوصيد مثل كلب أهل الكهف .
ولا أعرف إن كانت هناك دراسة تتبعت حضور الكلب في الأدب العالمي أو في الأدب العربي . ففي موتيفات الأدب العالمي وموضوعاته لم أعثر في كتاب (اليزابيث فرنزل ) على ( Hund ) وفي كتاب ( ديميريش ) أحال إلى كلمة (Tierrich ) -أي حيوان ، ويبدو أن الكلب درس تحت لازمة الحيوان بشكل عام .
في التراث العربي هناك كتاب عنوانه "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب "وقد أتيت عليه في مقال لي نشرته ، في موقع ديوان العرب ، قبل 13 عاما . والكتاب ألفه محمد بن المرزبان وقد صدرت طبعة منه عن منشورات الجمل في 2003 .
غالبا ما يكرر الناس بيت شعر هو :
"تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي مربض المستأسد الضاري ".
و بعد قتل صدام حسين شاعت أبيات كتبت على زجاج السيارات تشبهه بالأسد وغيره بالكلاب ، فالأسد يظل أسدا والكلب يبقى كلبا .
وغالبا ما ينعت الناس من يخالفهم بالكلب .
المعنى الإيجابي والمعنى السلبي لاستخدام دال "كلب " يحدده عموما السياق ، وغالبا ما يكون أيضا الاستخدام مجازيا كما في بيت الشعر
"لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر مثقالا بدينار" وكما في رواية نجيب محفوظ ذات العنوان الرمزي "اللص والكلاب "1961 ، فالكلاب فيها هم رؤوف علوان الثوري المرتد وعليش التلميذ الخائن ونبوية الزوجة الخائنة وآخرون ، ممن كانت نور المرأة الغانية أفضل منهم .
من القصص القصيرة المبكرة في الأدب الفلسطيني قصة توفيق فياض "الكلب سمور" 1966 ، وهي قصة شخصية والشخصية هي الكلب ، وهي من القصص الطريفة في الأدب الفلسطيني التي حفلت بالحيوان ، والكلب للفلسطيني الريفي يعني الكثير ، وكان أكثر أهل فلسطين قبل 1948 ريفيين .
الكلب سمور ببساطة كلب وفي يدافع عن صاحبه ويخلص له وهو كلب مقاوم ، فقد قاوم الانجليز وزج به في سجونهم ، وحين هجر الفلسطينيون في 1948 وتشردوا في البراري والخيام ، بعيدين عن أرضهم ، لم ترق حياة الذل للكلب الذي استبد به الحنين إلى قريته ، فآثر العودة إليها متخليا عن صاحبه الذي غادرها .
الكلب سمور كلب لا ينسى .
في رواية اميل حبيبي "المتشائل "1974 يأتي بطلها سعيد على كلب الضابط في سجن شطة. لقد اقتيد سعيد إلى السجن بعربة الكلاب . وحين وصل إليه طرق الضابط الباب طرقة واحدة فنبح كلب الضابط وانفتح الباب . كلب الضابط من نوع ( البولدرغ ) المدلل "هذا يهش وذاك يكش ، فلاعبا الكلب تارة وتطبطبا على الظهر أخرى حتى صعدا على درج وأنا واقف في الساحة الداخلية تحيط بي الاثافي " والاثافي هنا هم العسكر .
الكلب الثاني الذي لا ينسى هو "لاكي " الذي كتب عنه معين بسيسو في "دفاتر فلسطينية "1978 .
ليس معين بسيسو ريفيا مثل توفيق فياض . إنه ابن غزة ولم يكتب عن كلب ربته عائلته . لقد كتب عن كلب مدلل .
سجن معين بسيسو لكونه شيوعيا وأنفق أربع سنوات في السجون المصرية في نهاية خمسينيات القرن العشرين ، وقد تعرض للتحقيق والتعذيب ، وفي السجن عرف الكلب "لاكي " وكتب عنه الآتي :
"الكلب البوليسي (لاكي) قد أكل قطعة اللحم في حجم رأس الدجاجة . في الشهر الرابع كان (لاكي) يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة . وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجان . كان (لاكي) هدية من ألمانية الغربية ، ضمن برنامج المساعدة الاقتصادية وفي الواقع فقد أكل من اللحم وشرب من المرق أكثر بكثير من الذي تقدمه ألمانيا الغربية لإنعاش الفلاحين المصريين . وكما أن الكتابة تجيء في خطوط مستقيمة. هكذا تعلمنا الكتابة. غير أن الزنزانة تعلمك كتابة جديدة. والزنزانة تفتح للمرة الثالثة قبيل الغروب. القروانة نفسها وفوقها الرغيف ويغلق باب الزنزانة بعدها حتى السادسة صباحا. "
يعيش (لاكي) كلب السجان مرفها مدللا ، ويعيش الإنسان على فتات ما يقدمه له السجان بعد أن ينجسه كلبه .
في تلك الفترة كتب مظفر النواب قصيدة أشار فيها إلى أن القط في الغرب يأكل ما يطعم عائلة في عدن وذكر أيضا كلاب الشرطة التي تنسق مع الأنظمة .
لا تغيب رواية عبد الرحمن منيف "النهايات " ولا يغيب بطلها عساف وكلبه عن الذاكرة .
يموت البطل عساف في الصحراء في أثناء رحلة صيد ويموت معه كلبه الذي حاول أن يفتديه في أثناء هبوب العاصفة ، ويستبسل الكلب في الدفاع عن عساف أمام الطيور الجارحة التي تريد الانقضاض عليه فلا ينجوان . لقد مات الكلب الوفي ميتة شجاعة ، ولم يكن كلب عساف الكلب الوحيد في الرواية ، فهناك كلبا الميجر ؛ ركس الأول وركس الثاني ، وكلاهما كلب مدلل وله مكانة تفوق مكانة السكان الأصليين ، وكل أبناء المكان يحسب حسابهما ولا يتعرض لهما بسوء إلا كلب محلي شرس يصرع ركس الذي سرعان ما يستبدل بركس آخر أكبر . وكان أهل المنطقة ينعتون الكلب بكلب زوجة الميجر . إنه كلب السيدة لأنه كما كان يقال يقدم لها خدمات (؟) .
عبارة كلب السيدة تذكرنا بقصيدة الشاعر أحمد فؤاد نجم الشهيرة التي أتى فيها على قصة كلب أم كلثوم مع الطالب اسماعيل الذي مر بجوار فيللا أم كلثوم ، فعضه الكلب وذهبا إلى المخفر الذي انتصر لكلب الست . كلب الست في القصيدة له مكانته وإن تشكلت وزارة فقد يغدو وزيرا فيها أو حتى رئيسا لها . وهنا نذكر كلب والينا المعظم لأحمد مطر . "كلب والينا المعظم
عضني اليوم ومات" ، أما لماذا مات ، فلأن تقرير الوفاة أثبت أن الكلب تسمم .
في رواية عبد الرحمن منيف "حين تركنا الجسر " يبدو الكلب وردان "الكون المتماسك " أمام زكي نداوي البطل المعطوب المنهزم والمصاب لهذا بالنزعة المازوخية ؛ نزعة جلد الذات ، فزكي شوال مثقوب فارغ ومرحاض ودودة مطفأة و...و..الخ. إنه لا يساوي عود ثقاب.
(يتبع في الأسبوع القادم).
٩
الطاهر وطار وأدب المقاومة
2017-03-19
لا أدري لماذا استبدت بي الرغبة لقراءة المجموعة القصصية للروائي الجزائري "الطاهر وطار": "الطعنات".
الطاهر وطار روائي قرأته منذ العام 1977 إذ التفتت إليه دور النشر الفلسطينية في القدس وعكا ورام الله. أعادت دار نشر صلاح الدين طباعة "اللاز" و"عرس بغل" و"الشهداء يعودون هذا الأسبوع"، وطبعت له دار الأسوار "الزلزال" أما دار الكاتب فأعادت طباعة "الطعنات". وفيما بعد، في 90 ق20، ستعاد طباعة بقية أعماله ومنها تجربة في العشق".
في 70 ق20 كنت أدرس في مدرسة العقربانية في الغور وكان من زملائي الكاتب المسرحي محمد كمال جبر، وغالباً ما كنا نتأخر في المدرسة لنناقش عملاً أدبياً ما، وكان من الأعمال التي ناقشناها قصة "رمانة" من مجموعة "الطعنات". راقت لنا القصة التي تندرج تحت "أدب المقاومة" بكل معنى الكلمة، وربما أسهمت القصة في حياة محمد كمال الذي كان شجاعاً في حياته الخاصة.
بين فترة وفترة أعود إلى "الطعنات" وقصة "رمانة" وحين يسألني الناس في شأن خاص، عن امرأة ارتبطت بها وانفصلنا.
أتذكر إحدى عبارات "الطعنات": "لا تسأل عن امرأة طلقتها"، وهذا ما أفعله، فلم أسأل ابنتي "إطلاقاً عن أمهما وحياتها. هل هذا كله بتأثير العبارة التي وردت في قصة وطار أم أنه بتأثير رواية روسية هي "شجيرتي ذات منديل أحمر" لـ (جنكيز ايتماتوف)؟
أيا كان الأمر فإن الأدب الذي قرأناه في 70 ق20 ترك أثراً فنياً، وربما تقليداً لبعض شخصيات الروايات والقصص تعرفنا أحياناً. مؤخراً نصحت الكاتبة الأردنية لانا المجالي بقراءة رواية (ايتماتوف). كانت لانا أعجبت برواية "جميلة" للكاتب نفسه، فأخبرتها أنني قرأتها قبل 40 عاماً، واقترحت عليها أن تقرأ "شجيرتي ذات ...".
من معطف الأدب المقاوم خرجنا، وما زلت أحتفظ بكتب كثيرة منه.
مرة زارني القاص زياد خداش، فعرضت عليه أن يقرأ مجموعة الكاتبة الألمانية (آنا زيغرز) "المخربون"، وهي تنتمي أيضاً لأدب المقاومة. سألني زياد: هل هذه من الأدب إياه؟ ـ أي الذي أنا معجب به، فأجبته: نعم، فأعرض عنها.
الآن أنظر في كتابات كتّاب كثر، من الجيل الجديد، فأرى إعراضهم عن أدب المقاومة، وازورارهم عنه. إنهم يكتبون ذاتهم.
وأنا أكتب عن "جريمة في رام الله" تذكرت قصائد محمود درويش، ومنها "سجّل أنا عربي" و"عابرون في كلام عابر" و"نزل على بحر". ولاحظت الفرق بين أدب المقاومة وأدب الثورة وبين الأدب الذي يكتب حالياً. كان درويش ينطق باسم شعبه، لا باسمه الشخصي، وكان يعبر عن معاناة الفلسطينيين، وهو واحد منهم. كانت الذات تندمج في المجموع: اخرجوا من برنا، لا تعطنا يا بحر ما لا نستحق من النشيد... إلخ، أما أبطال "جريمة في رام الله" فيعبرون عن تجارب ذاتية فردية، وهي تجارب تتشابه مع تجارب كثيرين في مدن العالم وعواصمه، تتفقد خصوصيتها الفلسطينية.
حتى الشعر الذي يكتبه شعراء حازوا على جائزة محمود درويش يفتقد إلى الخصوصية الفلسطينية، وغالباً ما يبدو شعراً هلامياً لا تستطيع القبض عليه.
هل تعكس نصوص أدباء ما بعد 2007 ما صرنا إليه؟ هل هي التعبير الحقيقي عن المرحلة؟ وهل غدا أدب المقاومة ضرباً من الماضي؟ هل غدا أدباً لا يقرأ لأن المقاومة ما عادت كما كانت؟
وأنا أقرأ أدب الطاهر وطار أتذكر أدب المقاومة وأحيانا ينتابني حنين إليه، أعود فأقرؤه. لعلّه الحنين أو أنني غير قادر على الخروج من الماضي. لعلّني!!
١٠
الست كورونا وحسني البورزان ١٦ :
كانت المقولة التي رددها حسني البورزان ( نهاد قلعجي ) في مسلسل " صح النوم " هي :
" إذا أردنا أن نعرف ما يجري في إيطاليا فعلينا أن نعرف ما يجري في البرازيل " .
وما يجري في إيطاليا اليوم خطير جدا ، والأنباء الواردة من خلال أشرطة الفيديو والأخبار الواردة عن الست كورونا والنظام الصحي ، وإلى أين وصل بسبب كثرة عدد المصابين ، يقول لنا ما قد يجري في العالم كله ، لا في إيطاليا وحدها .
كنت أظن أن منع إجراء مباريات كرة القدم هناك مبالغ فيه ، ولكن الشريط الذي شاهدته يتحدث فيه عضو مجلس برلمان صديق للفلسطينيين ويبكي في آخره قال لي إن الوضع ليس فيه مزاح .
الأخبار الواردة من الصين مطمئنة والواردة من إيطاليا مخيفة .
خليك بالبيت . هذه العبارة صارت عبارة ملازمة للست كورونا ، والست كورونا لا تمزح .
٢٠ آذار ٢٠٢٠
١١
الفلسطيني في الرواية العربية :
الياس خوري في " الوجوه البيضاء " وأسطرة الفدائي .
( فصل من كتابي الجديد " الفلسطيني في الرواية العربية " ٢٠٢٢ )
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
1 -
في الكتابة عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية يجدر التوقف طويلا أمام الكاتب اللبناني الياس خوري ، وذلك لأنه يشكل حالة متميزة ، بل فريدة ، في الكتابة عن الموضوع الفلسطيني والفلسطينيين .
الياس خوري لبناني المولد اقترب وهو في العشرين من عمره من المقاومة الفلسطينية والتحق بحركة فتح وهي في الأردن ، ولما عاد إلى بيروت ظل قريبا منها ومن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي عمل فيها بصحبة أبرز أدبائها ، والتفت إلى نصوصهم وكتب عنها ، وحين كتب الرواية كان الفلسطينيون حاضرين فيها ، وفي العام ١٩٩٨ كتب روايته " باب الشمس " وعد غير الفلسطيني الذي كتب رواية الفلسطينيين ونكبتهم .
وإذا كنت بالدرجة الأولى معنيا بصورة الفلسطيني في الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين ، فإنه يجب الوقوف أمام البدايات ، فما كتبه عن الفلسطينيين قبل العلم ٢٠٠٠ يتقاطع وما كتبه روائيون عرب أبرزوا للفلسطينيين صورة تراوحت بين صورة اللاجيء وصورة الفدائي البطل الأسطوري .
ويمكن القول إن الفلسطيني في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ لم يكن سوى اللاجيء المغلوب على أمره الذي يحزن المرء لواقعه ويرثي له ويشعر معه من ناحية انسانية .
كانت الكتابة عن الفلسطينيين في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ تكاد تكون شبه معدومة ، وهذا ما توقف أمامه الشاعر معين بسيسو في مقدمة كتابه " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة " ( ١٩٧٠ ) حين قارن بين كتابات الأدباء الإسرائيليين عن واقعهم ومحتمعهم والفرد الإسرائيلي وبين الكتاب العرب الذين يجلسون في مكاتبهم ولم يكلفوا أنفسهم بزيارة مخيمات اللاجئين والإقامة مع سكانها لتفهم معاناتهم وظروفهم والكتابة عنها ، على الرغم من أن هذه المخيمات لا تبعد كثيرا عنهم .
غالبا ما نتوقف ونحن ندرس صورة الفلسطيني في الرواية العربية قبل العام ١٩٦٧ أمام رواية اللبناني جورج حنا " لاجئة " ( ١٩٥٢ ) ، ونشير إلى أنها أول عمل أدبي صور معاناة الفلسطينيين وتعاطف معهم . وعلى الرغم من القيمة الاجتماعية والتاريخية لهذه الرواية إلا أن دارسيها لم يثمنوها من ناحية أدبية إطلاقا ، فهي مجرد عرض لواقع اللجوء من خلال صور تفتقر إلى القالب الروائي .
بعد هزيمة العام ١٩٦٧ وانطلاق الثورة الفلسطينية في العلن كتب روائيون عرب عن الفدائي ورسموا له صورة أسطورية ، وهذا ما لاحظه الدارسون الذين درسوا روايات أديب نحوي " عرس فلسطيني " وحيدر حيدر " حقل أرجوان " و " شموس الغجر " ، وإن كان هناك روائيون آخرون كتبوا عن المثقف الفلسطيني المدرس في الجامعة الذي يدافع عن فلسطين في كتابته ويقترن بالثورة ثم سرعان ما يصيبه الإحباط ويعود إلى وضعه الذي يتناسب وموقعه ، وهو ما بدا في بعض روايات السوري الأستاذ الجامعي حليم بركات مثل رواية " عودة الطائر إلى البحر " .
لقد كتب دارسون كثر عن الأعمال السابقة ؛ يهود عرب وعرب مثل شمعون بلاص وجميل كتاني وفؤاد عزام وواصف أبو الشباب وغيرهم ممن درسوا فلسطين في الرواية العربية .
تعد رواية الياس خوري " الوجوه البيضاء " ( ١٩٨١ ) واحدة من الروايات العربية التي أتت على الواقع الفلسطيني في العالم العربي ورصدت التحولات التي عاشها الفلسطينيون قبل هزيمة حزيران وبعدها حتى العام ١٩٨١ .
يمكن الوقوف أمام الفصل الخامس من الرواية لقراءة صورة الفلسطيني فيها وما آلت إليه .
يتكون الفصل الذي يقع في الصفحات ١٩٥ إلى ٢٦٤ من قسمين ؛ الأول يغطي ٥٠ صفحة والثاني ٢٠ صفحة ، ويأتي الأول على واقع الفلسطينيين في لبنان إبان الحرب الأهلية التي اندلعت في العام ١٩٧٥ ، فيم يرتد الثاني إلى ما قبل العام ١٩٦٧ ، وفي القسمين نقرأ صورتين مختلفتين تقريبا للمقاومة وللمقاومين الفلسطينيين ؛ المقاومة حين انخرطت في الحرب الأهلية واشتبكت مع اللبنانيين ، والمقاومة يوم كانت سرية وكان انشغالها بالدرجة الأولى مقارعة العدو الصهيوني من أجل تحربر فلسطين .
لا يغفل الياس خوري ، وهو يكتب عن المقاومة في القسمين ، ما قام به النظام العربي ، وهو هنا النظام اللبناني ، من ملاحقات للفدائيين وزجهم بالسجون وتعذيبهم والحيلولة بينهم وبين ممارسة النضال ، والصورة التي يبرزها للمحقق اللبناني تبدو سلبية في المطلق ، وبخلافها الصورة التي أظهرها للفدائي سمير عمرو أبو جاسم الذي تقترن الكتابة عنه بالكتابة عن أبو علي إياد القائد الفلسطيني الذي استشهد في الحرب الأهلية في الأردن في ١٩٧١ ومثل نموذجا إيجابيا ، وما زال، للقائد الفلسطيني .
إن الفدائي أبو جاسم يبدو بطلا أسطوريا في صموده في وجه المحقق اللبناني ، ويبدو مثالا للفدائي الشريف النظيف الذي يتماثل وما كتبه ابراهيم طوقان عن الفدائي في قصيدته الشهيرة " الفدائي " :
" هو بالباب واقف
والردى منه خائف
صامت لو تكلما
لفظ النار والدما "
كما لو أن الياس الذي درس شعر طوقان ينثر القصيدة ويخترع لها اسما . إن أبو جاسم " تروى عنه الأساطير ... يقال إنه كان من المقربين إلى أبو علي إياد .. يروى أنه أصيب عام ١٩٦٦ ، في معركة مع الجيش الإسرائيلي بسبع رصاصات في بطنه ، فزحف حتى الحدود اللبنانية ، وهناك أنقذه أحد الضباط الوطنيين ، أرسله إلى مستشفى صيدا ، لكن المكتب الثاني ... " .
أبو جاسم الفدائي الجريح يصمد في التحقيق ويفشل ضابط التحقيق القاسي الذي بلا رحمة في استدراجه .
هل استمر فدائي الستينيات المقاوم الشريف النظيف الذي هدفه تحرير بلاده على ما كان عليه أم أنه تغير في السبعينيات في فترة تدفق أموال النفط ؟ وهل الصورة التي نقرؤها عن الفدائيين في فترة الحرب الأهلية تشبه صورتهم في سنوات التأسيس ؟
2 - تحولات الفدائي : من السر إلى العلن ومن بطل أسطوري إلى فدائي مكاتب :
هل تغير فدائي ستينيات القرن العشرين عندما تدفقت أموال النفط على منظمة التحرير ؟
حين نتابع شخصية " أبو جاسم " في الرواية فإننا نقف أمام فدائي ظل وفيا لما تربى عليه ، في علاقته بالمال وبالناس ، ولم يتغير سلوكه الفردي كثيرا ، خلافا لغيره من القيادات التي صار لها حرس ومواكب .
رفض أبو جاسم في البداية ، حين صار قائدا ، أن يسير ومعه حراسه ، وظل الفدائي السري البسيط المتواضع هو ما يفرض عليه سلوكه وتصرفاته ، ولكنه اضطر للخضوع إلى أوامر الجهات العليا في المنظمة التي أرادت أن تحافظ على حياته ، فهو لم يعد فدائي الظل المجهول . لقد غدا قائدا معروفا والسير بلا حراسة يشكل خطرا عليه ، ومع أنه انصاع للأوامر إلا أنه لم يبالغ في الأمر وظل أقرب إلى طبيعته ونشأته .
أبو جاسم الذي رفض مظاهر البذخ والترف ولم يخضع لإغراء المال الوفير ظل أيضا يحافظ على أخلاقيات الثورة ، فوقف ، مثل " أبو علي إياد " موقفا صارما وقاسيا من التجاوزات ومن سلوكات الفتوات التي بدأت تظهر في أثناء الحرب الأهلية .
" ولكن من هو هذا الدنيء ، الذي يقتل رجلا مسكينا من أجل محبسه الذهبي . أين الرجولة؟
ثم حذف فكرة أن يكونوا هم القتلة .
- لا يمكن ، إنهم لا يقتلون من أجل محبس . هل هناك ، وبعد كل هذه البنوك التي سرقت ، من يقتل رجلا من أجل محبس ذهبي رفيع وتافه ، ولا يساوي أكثر من مئتي ليرة ."
يعترض فدائي أمام " أبو جاسم " على حياة بعض الزعماء حيث يملكون السيارات ويعيشون كالأغنياء في حين يحيا المقاتلون في فقر ، فيرد أبو جاسم :
"- هذا غلط ، دلوني على فقير واحد ، وأنا أدير له عملا شريفا " .
هنا يمكن العودة إلى القسم الأول من الفصل الخامس الذي يأتي على الفدائيين من جيل السبعينيات ؛ الجيل الذي حارب العدو الصهيوني ثم فجأة وجد نفسه ينخرط في الحرب الأهلية اللبنانية ويمارس أفعالا لم ترق لقسم من الفدائيين ، لأنها تتنافى والوعي الثوري .
فهد بدر الدين البالغ من العمر ٢٦ عاما طالب في قسم الأدب العربي في الجامعة لم يتابع دروسه بسبب عينيه " فهو لا يستطيع القراءة بشكل متواصل . أعزب " ، ينخرط في صفوف المقاومة ويتشكل لديه وعي انساني وثوري ويشارك في المعارك التي تخوضها قوات الثورة الفلسطينية والقوات التقدمية واليسارية في لبنان ضد القوات الكتائبية ، ويكون مستعدا للتضحية بنفسه من أجل إنقاذ رفيق جريح له ، ويعجب حين يصغي إلى قائده وهو يثنيه عن ذلك ، بحجة أنه ليس مستعدا للتضحية بعشرة مقاتلين من أجل إنقاذ مقاتل واحد .
أكثر مما سبق لا يروق لفهد ما ينهجه المسؤول عنه وما توافق عليه سمر التي تريد تصوير فيلم سينمائي . يرى المسؤول وترى سمر أن الحقيقة يجب أن تخدم الثورة ، ويرى فهد أن الحقيقة يجب أن تخدم الحقيقة ، وهنا يحدث الاختلاف ، فما يراه فهد لا يروق الأكثرية التي تقرر نقله إلى بيروت وإبعاده عن مناطق القتال للتخلص من أفكاره وتأثيرها .
كانت ذروة الاختلاف تتمثل في موقفه من أسير من الجهة المعادية أقدم المسؤول والمقاتلون على إعدامه . لقد استاء فهد من عقلية الثأر التي تسود وتطغى لدى المقاتلين ورأى أنه كان الأجدر ألا يقتل الأسير الشاب الخائف المرتجف وأن يعامل أسيرا لا قاتلا .
" الحرب هي الحرب " يقول الآخرون ويتصرفون بوحشية لا بانسانية ، ويكون فهد استثناء لا يؤخذ برأيه بل يعاقب عليه .
ليس فهد الفلسطيني الوحيد . هناك شخصيات فلسطينية أخرى لافتة ، فهناك سمر التي تشارك في الثورة من خلال الفن . تقوم سمر بتصوير فيلم من أجل فضح الفاشيين ، وتوافق على أن تقيم في شقة مصادرة وتبرر مصادرة أملاك الأعداء بحجة ما ارتكبوه بحق الفلسطينيين ، وتنظر للفكر الثوري ، ولكنها سرعان ما تتزوج من تاجر لتعيش حياة برجوازية .
وهناك الأستاذ الجامعي ابراهيم الذي يلتحق بالثورة ويقاتل ، فيكون أول أستاذ جامعي ومقاتل يراه فهد " هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها بأستاذ جامعي ومقاتل " ، ولكن ابراهيم الذي كان يحدث المقاتلين عن " ماوتسي تونغ و بول بوت الذي ألغى المدن وجزر الخيال ، وعن حرب الشعب والثورة والتحرير وكان مقنعا ومقاتلا " سرعان ما ترك الثورة وصار ينظر للدين ويدعو إليه ، وحين يسأله فهد عما ألم به يجيب :
" - كل شيء فرط "
وأخبرني أن العودة إلى الدين هي الحل الوحيد " .
إن نموذج اليساري الذي يتحول إلى الدين ويدعو إليه نموذج سوف يطالعنا في الرواية العربية التي كتبت في العقود الثلاثة الأخيرة ، وقد تكون رواية " الوجوه البيضاء " من أوائل الروايات العربية التي كتبت عن هذا التحول ، وهذا يسجل لصالحها .
لا يكتفي الياس خوري برصد الواقع الفلسطيني من خلال هذه النماذج وإنما يبدو في كتابته ، على لسان فهد وغيره من الفدائيين ، نقد ذاتي للثورة وسلوك بعض قيادييها ، فالثورة كانت في السر ثورة مختلفة ، وحين ظهرت إلى العلن اختلفت ، وكان الفدائيون مقاتلين حقيقيين يوم لم يملكوا المال ، وحين امتلكوه اختلفوا و " صرنا نتلهى بأمور لا معنى لها " و " صاروا يكذبون ويدعون الشجاعة " فأين هم من أبو جاسم أو من أبو علي إياد ؟ .
المراجع :
- الياس خوري ، الوجوه البيضاء ، دار الآداب ، بيروت ، ط١ / ١٩٨١ ، ط٢ / ٢٠٠٣ .
- جميل كتاني ، شاهد على الواقع : دراسات و أبحاث في الرواية العربية المعاصرة ، فلسطين ، دار الهدى ، ٢٠١٤ .( ١٢٠ - ١٤٧ ) .
- شمعون بلاص ، الأدب العربي في ظل الحرب من ١٩٤٨ - ١٩٧٣ ، شفا عمرو ، دار المشرق ١٩٨٤ ( ترجمة زكي درويش ...) .
- د.فؤاد عزام ، شعرية النص السردي : دراسة في أشكال الحبكة في روايات حيدر حيدر ، فلسطين ، حيفا ، مجمع اللغة العربية ، ٢٠١٢ . ( ١٧٩ و ٢٥٢ و٢٥٣ وغيرها ) .
١٢
ذاكرة أمس ٢٥ : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
كان الجو أمس الجمعة ربيعيا بامتياز ، والربيع على الأبواب .
لم يؤد إخوتي المؤمنون وأصدقاؤهم صلاة الجمعة في ساحة بيتنا ، واختاروا ساحة مدرسة من مدارس الحي ، وهكذا لم أستمع إلى خطبة الجمعة ( راحت عليك ) ، وعوض ذلك وجدتني أعيد قراءة قصتين كتبهما القاص محمود شقير في سبعينيات القرن العشرين هما " الوطن " و" التراب " من مجموعة " الولد الفلسطيني " لأنجز مقال الأحد - كلما استخدمت ، في هذه الأيام ، مفردة " أنجز " تذكرت عبد الرحمن أبو عوف في مسلسل " عمارة يعقوبيان " المأخوذ عن رواية علاء الأسواني :
"- إذا أردت أن تنجز فعليك بالوينجز " ،
و " الوينجز " نوع من أنواع الدخان كان يقدم في مصر ، في العهد الملكي ، رشوة لتسيير الأمور .
نهار الجمعة طويل جدا إن لم يكن لديك ما تشغل به نفسك أو إن لم تخرج لتتمشى ، وقد تسوء نفسيتك وتشعر بعدم الرضا إن اتصل بك عزيز لا ترغب في مكالمته تفاديا للمشاكل . ( السلطة والفصائل وحماس والفضول وإدارة الجامعة والجهل أفسدت العلاقات العائلية . أكرر الكتابة ) .
في المساء وأنا أقرأ ما اقترحه الصديق خليل حمد على صفحته مادة للنقاش حول الخروج من أزمة الكورونا في المناطق الفلسطينية : " الالتزام ، التطعيم ، الإغلاق " تذكرت بيتي الشاعر الجاهلي امريء القيس :
" بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له : لا تبك عينك إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا "
وها نحن نحاول ما أمكن أن ننجو ، وإلا فإننا سنعذر . هل امرؤ القيس ميت حقا ؟ كم حضر هذان البيتان في شعرنا المعاصر ! وكم كررناهما حتى صارا مكونا من مكونات شخصيتنا ! وحين ذهب المرحوم ياسر عرفات إلى البيت الأبيض ليوقع اتفاق أوسلو بكى محمود درويش بكاء امريء القيس وحاول عرفات ملكا ومات ، ولكنه لم يعذر . لقد مات بحلة قيصر المسمومة التي أهداها القيصر إلى امريء القيس - أعني مات عرفات مسموما .
أمس غابت عني ، وأنا أكتب ، روح الدعابة والسخرية وانتابتني حالة من الحزن . أمس تذكرت قابيل وهابيل وقوله تعالى ( إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ) والنعجة في كتاب الجاحظ " البخلاء " هي المرأة وفي أغنيتنا الفلسطينية يخاطب المغني زارعي السمسم بالآتي :
" يا زارعين السمسم
خلي السمسم ع أمه
واللي يعشق وما يوخد
لخلي القرد يلمه "
وفلسطين ، فيما أعرف ، تخلو من القرود الحقيقية ، إلا إذا كان كاتب الكلمات من أتباع ( داروين ) ، وهات حلها !
٢٠ آذار ٢٠٢١
١٣
" رام الله " عباد يحيى و" رأيت رام الله " مريد البرغوثي :
هل أفاد عباد يحيى في روايته " رام الله " ٢٠٢٠ من كتاب مريد البرغوثي " رأيت رام الله " ١٩٩٨ ؟
وأنا أنظر في قائمة المصادر والمراجع التي اتكأ عليها عباد في بناء روايته لم ألحظ ذكره لكتاب مريد ، علما بأن هناك تقاطعا بين الكتابين .
هل كان عدم ذكر عنوان كتاب مريد سهوا أم أن نسبة السكر في دمي مرتفعة فحالت دون الرؤية ؟
أسعفنا يا عباد
٢٠ آذار ٢٠٢١
١٤
الشعراء يقولون ما لا يفعلون :
عندما كان محمود درويش في فلسطين لطالما كرر :
" وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن ،
ما له في الثرى ضريح ،
ونهاني عن السفر "
و
" يا صخرة صلى عليها والدي
لتصون ثائر
أنا لن أبيعك باللآليء
أنا لن أسافر "
ثم سافر .
وفي حياته كتب عبد اللطيف عقل رسالة إلى صديق قديم يحثه على الهجرة إلى الخليج :
" أنا نبض التراب دمي ،
فكيف أخون نبض دمي
وأرتحل "
ثم ارتحل في الانتفاضة الأولى طلبا للسلامة أو .. أو ..
أنا ، قرأت ما كتبا والتزمت به ، وخلافهما لم أرحل .
ما أفهمه من إشارات أن كثيرين ضاقوا ذرعا بوجودي في فلسطين ويحثونني على الرحيل ، ومن هؤلاء طبعا أقارب .
المقاطعة وبعض الرموز الفاسدة لا تتركاني وشأني ، ولطالما أشعرني كثيرون في الجامعة بأن وجودي يشكل عبئا .
مع توفيق زياد الشاعر الغني عن التعريف ، وهو واحد من الأدباء الذين التزموا بما كتبوا :
" هنا باقون " .
٢٠ آذار ٢٠٢٢
١٥
تلم في الأرض خطه حمار أو ثور : مأساة الفلسطينيين الناجمة عن التلم
الليلة مساء وقفت أمام السور الفاصل بين باقة الغربية وباقة الشرقية ، وتذكرت برطعة الشرقية وبرطعة الغربية وبيت صفافا وبوابة مندلباوم وسور برلين .
عندما سألت الدكتور ياسين كتانة عما كان يفصل الباقتين عن بعضهما قبل إقامة السور في انتفاضة الأقصى ، بل وقبل حرب حزيران ١٩٦٧ ؛ يوم كانت الغربية تقع في دولة الاحتلال الإسرائيلي والشرقية تقع تحت سيطرة الحكم الأردني فيما عرف بالمملكة الأردنية الهاشمية ، أجابني الدكتور ياسين بالآتي :
- أسلاك شائكة .
في كتاب الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان " الزمن الأصفر "( ١٩٨٩ ) يكتب عن البرطعتين وتشاركهما في الأفراح والأتراح بواسطة الميكروفانات . العرس يتم على جانبي الوادي الذي يفصل بين القريتين . هنا ثمة حاد وهناك حاد ثان يتحاوران ، وفي الأتراح يقام بيت أجر هنا وبيت أجر هناك . كأن القريتين قرية واحدة على الرغم من أنهما تخضعان لحكمين يبدوان في حالة نزاع .
هل اختلف الأمر في بيت صفافا ؟
في القدس فصلت بوابة مندلباوم بين القدس الشرقية والقدس الغربية وتوحد القسمان بعد حزيران ١٩٦٧ وأزيلت البوابة ولم يعد لها ذكر إلا في بعض القصص الفلسطينية القصيرة وبعض الروايات . صار السور / الجدار ؛ جدار العزل العنصري هو الفاصل بين القدس الموحدة وما يحيط بها من أماكن لا ترغب الدولة العبرية في مواطنيها .
وأنا أقف في باقة الغربية أمام جدار العزل الذي يفصل بين الباقتين تذكرت قصة الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad " الحارس " من مجموعة " الشارع الأصفر " وفيها يشير إلى ما يفصل بين بوعلي وابنته بسبب النكبة " تلم خطه ثور " .
نعم فإن ما كان يفصل بين الباقتين بعد نكبة ١٩٤٨ هو تلم خطه ثور ، وقد صار هذا التلم أساسا للجدار الاسمنتي ، ولكي تزور العائلات بعضها البعض بين الباقتين تحتاج إلى تصاريح وهويات ممغنطة ورضا الاحتلال والسفر واجتياز المعابر و ... و ... و ... .
في العام ١٩٨٨ زرت برلين الغربية وبرلين الشرقية ووقفت على سور برلين ، وفي العام ١٩٩٠ زرتها ثانية وقد صارت حجارة السور قطعا أثرية تباع للذكرى ، وليس فقط حجارة السور ما بيعت للذكرى . ملابس الجيش السوفييتي وأوسمه ضباطه وجنوده بيعت أيضا .
يوم الجمعة الماضي زارني شباب من أفراد الدعوة يتجاذبون معي أطراف الحديث ويدعونني إلى حضور درسهم الأسبوعي في المسجد ، فاقترحت عليهم أن يجلسوا مع بن غفير وسموتريتش وأن يدعوهما إلى الإسلام ، وعسى بذلك أن ينتهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .
دائما ما أسأل :
- من كان في العام ١٩٨٨ يتوقع وهو يقف أمام السور في برلين أنه سيهدم في العام ١٩٨٩ ؟
وغالبا ما كان أبي يكرر :
دع المقادير تجري في أعنتها
ولا تنم إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٣ .
١٦
غزة ( ١٦٦ ) :
مستشفى الشفاء ثانية
لم تنته الحرب في شمال غزة ، ويبدو أنها ، بمحاصرة مستشفى الشفاء ثانية ، عادت من جديد إلى نقطة الصفر .
لم تكتف القوات الإسرائيلية بحصار المشفى ، فقد اقتحمته ، ويبدو أن الخسائر التي تكبدتها أمس أفقدتها عقلها ، فلجأت إلى سلسلة إعدامات ميدانية لعشرات المواطنين الموجودين هناك ، وهو ما أفادته تقارير المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان .
إن كان الشاعر الانجليزي ( ووردزورث ) قال إن " الطفل أبو الرجل " ، وهو ما أخذ به الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا حين كتب سيرته الذاتية " البئر الأولى " فكتب عن طفولته ، فإن طفولة الدولة العبرية هي الأب الحقيقي لعقدها الثامن - أي شيخوختها .
أمس تذكرت روايات إلياس خوري " باب الشمس " و " أولاد الغيتو : اسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني " فعدت إليها لأقرأ فيها عن " المحو " . إسرائيل تريد أن تمحو فلسطين وشعبها وتراثها . كيف لم ننتبه في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة إلى روايات خوري ؟ هل اكتفينا بقراءة مقاله الأسبوعي الذي يأتي أحيانا عليها ؟
في " باب الشمس " يسرد راوي الرواية عن احتلال قرية البروة . هل اختلف ما قامت به القوات الإسرائيلية أمس في مستشفى الشفاء عما ارتكبته بحق أهل البروة ؟
اقرأوا الآتي :
" أمر الضابط طانيوس بالمشي أمامه . مشى الفتى حتى وصلا إلى شجرة الجميز في طرف الساحة ، وهناك أطلق الضابط رصاصة واحدة من مسدسه ، وعاد إلى الحشد الصغير ليأمره بركوب الشاحنة . وبدأ الناس يتدافعون إلى الشاحنة حتى أبونا جبران تدافع مع المتدافعين ، ولم يذهب لتفقد ابن أخته الميت (- أي طانيوس الذي قتله الضابط الإسرائيلي ) "
و
" حين دخل الإسرائيليون البروة نسفوها بيتا بيتا .لم يأخذوا ثيابنا وشراطيطنا . كانوا كالمجانين ينسفون البيوت ويقومون بحرقها ، ويدعسون القمح ويقطعون أشجار الزيتون بالديناميت ... " ( ١٩٦ ) .
ولماذا نبتعد عن غزة . في العام ١٩٥٦ احتلها الإسرائيليون مدة ستة أشهر وارتكبوا فيها جرائم الإعدام الميداني . هل تذكرون مشهد إعدام سالم في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ( ١٩٦٦ ) ؟ هل تذكرون مشهد إعدام الجنود المصريين والسودانيين في كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " ( ١٩٧٨ )٧ ؟
هل تتذكرون قصيدة محمود درويش " ليلة البوم " في ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " ( ١٩٩٥ ) :
" ههنا حاضر لا يلامسه الأمس ..
حين وصلنا
إلى آخر الشجرات انتبهنا إلى أننا
لم نعد قادرين على الانتباه . وحين
التفتنا إلى الشاحنات رأينا الغياب
يكدش أشياءه المنتقاة وينصب
خيمته الأبدية من حولنا " .
هل خيامنا أبدية ؟
خيام اللاجئين الآن في رفح هي حفيدة خيامهم في العام ١٩٤٨ ، وكنت كتبت عن ابنة عمي التي ولدت في خيمة وهي الآن تقيم في خيمة أيضا .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤ .
١٧
" شهادة وفاة كلب " :
شهادة وفاة كلب عنوان رواية للكاتبين العمانيين سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي .
عندما كتبت سلسلة كتابات تحت عنوان " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " لم أكن سمعت بها ، علما بأنني أيضا كتبت غير مقال تحت عنوان " كلاب في الذاكرة : الكلب في أعمال أدبية " وتحت عنوان " مذكرات نيتشة .. مذكرات كلب وذاكرة المغلوبين " .
في مقدمة كتابي أشرت إلى أن الروايات التي كتبت عنها هي ما استطعت الحصول عليه ، لا عن الروايات كلها التي صورت الفلسطيني ، فقد تكون هناك روايات لم أقرأها أو لم أستطع الحصول عليها ، وتركت باب الدراسة مشرعا لدراسات أخرى .
ما الصورة التي أبرزها ورسمها الكاتبان العمانيان للفلسطيني ؟
هذا ما أطمح إلى الكتابة عنه بعد أن تنتهي الحرب الدائرة حاليا ويصفو الذهن للقراءة والكتابة .
وليس لي إلا أن أردد بيت " أبو نواس " :
"فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء "
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
١٨
غدا ذكرى معركة الكرامة :
للانتصار مائة أب ، وللهزيمة أب واحد .
هل بقي ما يتغنى فيه بهذه المعركة ؟
غدا هو اليوم ١٦٧ لطوفان الأقصى .
هل تغنى يحيى السسنوار في روايته " الشوك والقرنفل " بيوم الكرامة ؟
لقد ترك ذلك اليوم تأثيرا كبيرا في نفسية سارد الرواية أحمد الذي لم يتجاوز سن السادسة من عمره .
الآن أحمد في سن ال ٦٢ ، وإن طابقنا بين أحمد ويحيى ، فإنه أغلب الظن مشغول بما هو ... .
إن استمعنا غدا إلى إذاعات عربية فسوف نصغي إلى الحديث عن انتصارات وأمجاد لا يكاد ما جرى في غزة يذكر أمامها .
للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتنا وفي عالمنا كله أيضا .
وغدا قد نغني للأم " ست الحبايب " وللربيع و " أده الربيع عاد من تاني " والله يرحمكما يا فايزة أحمد ويا فريد الأطرش .
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٤
١٩
المجتمع الأدبي والتباغض :
غالبا ما يهاجم الأدباء بعضهم بعضا ، وكثيرا ما يتهم أدباء أدباء مشهورين بأنهم نرجسيون . وليس هذا بجديد ، فالشعراء ثلاثة : شاعر وشويعر وشعرور ، ومرة قرأت بيت جرير يهجو الأخطل :
" قل للأخيطل لم تبلغ موازنتي
فاجعل لأمك ... القس ميزانا "
وإن كنت كاتبا في بداياتك ونقدت أديبا مشهورا فستصبح موضع سخرية وتندر ، وربما مكروها .
في سيرته يكتب عبدالله إبراهيم ، أنه كتب مرة ، ولم يكن تجاوز الثلاثين ، عن الكاتب الروسي ( دوستوفسكي ) ، كتابة ليست لصالح الأخير ، وكان المجتمع الأدبي البغدادي يرى فيه ، كما أكثر قراء رواياته ، كاتبا كبيرا ، فقد ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات وأعيدت طباعتها وكتب عنها أضعاف أضعاف حجمها . كيف لكاتب لم يتجاوز الثلاثين أن يهاجم ( دوستوفسكي ) ؟
صار المهاجم موضع سخرية وتندر ودبجت فيه المقالات وكثر فيه الغمز واللمز والاستعداء وطعن في ذوقه الأدبي ووصل الأمر إلى الدفع بوقف دراسته الأكاديمية .
وجهة نظر عبدالله تبدو لي مقنعة . لقد رأى أن الحملة شخصية أكثر منها موضوعية ، وما ساقه ويدعم رأيه ممكن . يكتب :
" فقراء دوستوفسكي يعرفون أن رواياته الكبيرة كتبت بدافع الحاجة إلى المال ، فيوقع عقودا مع ناشري المجلات لإظهار فصول أسبوعية أو شهرية منها ، وغالبا ما كانوا يستعجلونه للكتابة ، وتسليمهم ما بحوزته ، لأنه لم يف به في المواعيد المطلوبة ، فيطارده الدائنون ، ويلحف عليه الناشرون ، فدبج فصولا تفتقر إلى الترابط الذي ينهض بمهمة التماسك بين مكونات النص السردي "
يكتب عبدالله أيضا :
" لم يغب عني الخلفيات الشيوعية لمعظم المتهجمين ... " .
لا أعرف إن كان الشاعر الأمريكي ( بوكوفسكي ) كتب شيئا عن تجربة ( دوستوفسكي ) ولكنه في قصيدته عن الكتابة ومتى يكتب المرء يطالب الكتاب بأن لا يكتبوا من أجل المال وأشياء أخرى ، وان يكتبوا فقط حين تأتي الكتابة .
" لا تكتب إلا حين تلح عليك الكتابة " .
أحيانا كثيرة كنا أيضا موضع تندر وسخرية واستهزاء حتى من كتاب لم يقرأوا لنا شيئا ، مكتفين بما يروج من إشاعات .
مرة هاجمني شاعر وروائي متسائلا :
- كيف يسمح لي أن أدرس طلاب جامعة ؟
عندما شاركنا معا في مؤتمر حكى فيه عن تجربته الأدبية أخذ يقرأ من ورقة أعدها ولو سحبت منه لما أكمل الحكي ، وبقصد تحدثت ، كما أتحدث غالبا ، مكتفيا بالنظر إلى رؤوس أقلام دونتها أنظر إليها حتى تكون المحاضرة متسلسلة متسقة .
بعين الله وحالة تعبانة يا ليلى
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٥
٢٠
نعزي أنفسنا ، عاجزين ، بقراءة الشعر
( لاحظوا كم مرة تتكرر لفظة موت ومشتقاتها )
"هنالك موتى ومستوطنات ، وموتى وبولدوزورات ، وموتى
ومستشفيات ، وموتى وشاشات رادار ترصد موتى
يموتون أكثر من مرة في الحياة ، وترصد موتى
يعيشون بعد الممات ، وموتى يربون وحش الحضارات موتا ،
وموتى يموتون كي يحملوا الأرض فوق الرفات .
إلى أين يا سيد البيض ، تأخذ شعبي .... وشعبك ؟
إلى أي هاوية يأخذ الأرض هذا الروبوت المدجج بالطائرات
وحاملة الطائرات ، إلى أي هاوية رحبة تصعدون ؟
لكم ما تشاؤون : روما الجديدة ، اسبارطة التكنولوجيا
و
ايديولوجيا الجنون
ونحن سنهرب من زمن لم نهييء له ، بعد ، هاجسا "
( محمود درويش ، خطبة الهندي الأحمر - ما قبل الأخيرة - أمام الرجل الأبيض ، ( دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ) ، )
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة
٢٠ / ٣ / ٢٠٢٦