د. محمد لبيب سالم - الماعز الأليف والعالم الخوارزمي: قراءة فلسفية في فيلم استشرف أزمات عصرنا

هناك أعمال فنية لا تُشاهَد مرة، بل تُفكّ شفراتها على مهل، كأنها لا تُعرض على العين فقط، بل تُلقى في العقل إلقاءً، ثم تظل تنمو فيه بعد انتهاء المشهد الأخير. ومن هذه الأعمال الفيلم القصير I, Pet Goat II؛ ذلك العمل البصري الكثيف الذي بدا عند ظهوره وكأنه مجرد احتجاج رمزي على العالم بعد 11 سبتمبر، ثم اتضح مع مرور السنوات أنه كان يلمح إلى ما هو أبعد من السياسة المباشرة، وأعمق من النقد الظرفي، وأخطر من مجرد السخرية من السلطة. لقد كان، في جانب مهم منه، نبوءة فنية عن عالم يتسارع نحو امتلاك القوة، بينما يتباطأ في امتلاك الحكمة.

فيلم، Pet Goat II رسوم متحركة كندي قصير صدر عام 2012، من إنتاج استوديو "هيليوفانت" (Heliofant) وإخراج لويس ليفيبفر. يشتهر الفيلم بكونه عملاً بصرياً سريالياً خالياً من الحوار، لكنه يعج بالرموز الغامضة التي تتناول موضوعات سياسية، واجتماعية، وتنبؤات حول "النظام العالمي الجديد"

يشير الاسم إلى كتاب الأطفال "The Pet Goat" الذي كان يقرأه الرئيس الأمريكي جورج بوش للأطفال لحظة وقوع هجمات 11 سبتمبر.: يظهر في الفيلم شخصيات سياسية مثل جورج بوش وباراك أوباما، بالإضافة إلى رموز دينية وتاريخية (مثل المسيح الدجال، وبن لادن، والرموز الفرعونية) في بيئة ما بعد نهاية العالم. يسعى الفيلم، بحسب مخرجه، إلى استكشاف "نار الحقيقة" وإثارة اهتمام الجمهور للتفكر في أحداث العقد الماضي والصراعات العالمية. استغرق العمل عليه عدة سنوات (منذ 2006) واستخدمت فيه تقنيات متطورة مثل التقاط الحركة (Mo-cap). نال الفيلم عدة جوائز في مهرجانات أفلام الرسوم المتحركة والسينما ثلاثية الأبعاد. أثار الفيلم جدلاً واسعاً على الإنترنت، حيث قام الكثيرون بتحليل رموزه وربطها بنظريات المؤامرة والأحداث العالمية الجارية.

عنوان الفيلم وحده يثير القلق. فالماعز الأليف ليس مجرد حيوان وديع، بل صورة للبراءة المروَّضة، للكائن الذي تم تدجينه حتى صار مأمونًا، مطيعًا، قابلاً للقيادة، قليل المقاومة. ومن هنا تبدو الإشارة مرعبة: هل الإنسان الحديث هو هذا “الماعز الأليف”؟ هل تحوّل، وسط ضجيج الحرية، إلى كائن تُدار انفعالاته، وتُهندس مخاوفه، ويُعاد تشكيل، وعيه بهدوء ودقة واحتراف؟

الفيلم لا يجيب مباشرة، لكنه يزرع السؤال في كل مشهد. فالعالم الذي يقدمه ليس عالم حرب فقط، ولا عالم سياسة فقط، ولا عالم دين فقط، بل عالم اختلطت فيه السلطة بالصورة، والعنف بالرمز، والخوف بالتربية، والإعلام بالعقيدة، حتى صار من الصعب على الإنسان أن يميز بين ما يراه، وما يُراد له أن يراه.

حين ظهر الفيلم عام 2012، كان العالم لا يزال يعيش ارتدادات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: حروب ممتدة، جراح مفتوحة، وقلق عالمي يبحث عن لغة يفهم بها نفسه. لكن ما حدث بعد ذلك جعل الفيلم أكثر راهنية، لا أقل. فالعالم منذ ذلك التاريخ لم يهدأ، بل دخل في طور جديد من الاضطراب؛ طور لا تقوم فيه الصراعات على الأرض وحدها، بل على الوعي أيضًا. لم تعد القوة محصورة في السلاح، بل صارت موزعة بين الجيوش، والشاشات، والمنصات، والخوارزميات، وقواعد البيانات.

وهنا تتبدى عبقرية الفيلم. لقد لمح مبكرًا إلى أن الأزمة القادمة لن تكون فقط أزمة قنابل وحدود، بل أزمة إدراك. من يملك القدرة على تشكيل الصورة، وعلى ترتيب الرموز، وعلى ضبط ما يصل إلى العقل البشري، يملك شكلًا جديدًا من أشكال السيادة. لم يعد الإنسان المعاصر محاصرًا فقط بجدران مادية، بل بجدران ناعمة وغير مرئية: سلاسل من التوجيه الرقمي، والتكرار النفسي، والتحفيز الانفعالي، والإغراق في المحتوى، والتشويش على الفارق بين الحقيقة والانطباع.

في هذا السياق، يبدو “الماعز الأليف” هو الإنسان الذي يظن أنه يختار، بينما تُختار له مسارات اختياره. يظن أنه يرى العالم، بينما هو يرى نسخة منتقاة منه. يظن أنه يعبّر بحرية، بينما تدفعه البنية الخوارزمية دفعًا إلى أن يغضب حين ينبغي أن يغضب، وأن ينشغل حين ينبغي أن ينشغل، وأن ينسى حين ينبغي أن ينسى. وهنا نصل إلى جوهر القراءة الفلسفية للفيلم: إنه لا ينتقد فقط استبداد الأنظمة، بل ينتقد أيضًا استعداد الإنسان للترويض. فالطغيان لا ينجح بالقوة وحدها، بل ينجح أيضًا حين يتعب الناس من التفكير، ويستريحون إلى التبسيط، ويقبلون أن تُدار مخاوفهم نيابة عنهم. والفيلم، بهذا المعنى، ليس عن الحكّام فقط، بل عن القابلية الجمعية للانقياد؛ عن هشاشة الإنسان حين يفقد بوصلته الداخلية، ويستبدل يقظته بالاعتياد، ووعيه بالاستجابة التلقائية.

ولعل أخطر ما في العالم منذ 2012 أنه جمع بين ثلاثة أشكال من الصراع في وقت واحد: صراع مادي على الأرض والثروة والنفوذ، وصراع رمزي على الرواية والمعنى، وصراع تكنولوجي على البيانات والعقول والسلوك. هذه الطبقات الثلاث لم تعد منفصلة. الحرب تحتاج إعلامًا، والإعلام يحتاج خوارزميات، والخوارزميات تحتاج اقتصادًا سياسيًا يغذيها، والإنسان في النهاية هو ساحة المعركة الكبرى.

لقد دخلنا بالفعل عصرًا لم يعد السؤال فيه: من يملك الدبابة؟ بل: من يملك الخوارزمية؟ من يملك قدرة الاقتراح، والتصفية، والإخفاء، والإبراز، والتوصية، وإعادة ترتيب العالم أمام العين البشرية؟ من يملك القدرة على أن يجعل ملايين البشر يرون الشيء نفسه في اللحظة نفسها، ويغضبون من الشيء نفسه، ويخافون من الشيء نفسه، وربما يكرهون الشيء نفسه؟

هذا هو العالم الخوارزمي الذي يجعل قراءة الفيلم اليوم أكثر عمقًا. في 2012 كان التحذير موجّهًا أساسًا إلى العالم السياسي والإعلامي. أما اليوم فقد اتسعت الدائرة: لسنا فقط أمام سلطة الدولة، بل أمام سلطة المنصة؛ ولسنا فقط أمام رقابة السلطة، بل أمام رقابة النمط؛ ولسنا فقط أمام خطاب تعبوي، بل أمام بنية رقمية قادرة على إعادة تشكيل أولويات البشر من دون أن يشعروا. ومع ذلك، فالفيلم ليس محض ظلام. فيه خيط من الإيحاء بأن الخلاص ممكن، لكن ليس عبر أداة من أدوات النظام نفسه. لا يبدو أن النجاة تأتي فيه من مزيد من العنف، ولا من تبديل قناع سياسي بقناع آخر، بل من نوع من الاستيقاظ الداخلي؛ من استرداد الإنسان لمركزه الأخلاقي والروحي، من قدرته على أن يرى ما وراء المشهد، لا أن يستهلك المشهد فقط.

وهذه نقطة بالغة الأهمية. فالأزمة المعاصرة ليست أزمة تقدم تقني فحسب، بل أزمة توازن بين القدرة والمعنى. لقد أصبحت الإنسانية قادرة على ما لم تكن قادرة عليه من قبل: تحليل البيانات، محاكاة التفكير، صناعة الصور، تعديل الجينات، إدارة الشبكات، تسريع الاتصال، توسيع التنبؤ. لكن السؤال الذي يتضخم مع كل هذا هو: هل ازداد الإنسان نضجًا بالقدر نفسه؟ هل نمت حكمته كما نمت أدواته؟ هل أصبح أقدر على ضبط القوة التي بين يديه، أم فقط أقدر على استعمالها؟

من هنا يبدو I, Pet Goat II أشبه بتحذير مبكر من حضارة قد تبلغ ذروة الذكاء الأداتي، بينما تتعثر في أبسط أسئلة الضمير. حضارة تستطيع أن ترى كل شيء تقريبًا، لكنها لا تعرف دائمًا ماذا يجب أن تفعل بما تراه. حضارة تتقن السيطرة على الخارج، لكنها لم تحسم صراعها مع الداخل. حضارة تبني أنظمة مذهلة، لكنها لا تضمن أن يبقى الإنسان، في قلب هذه الأنظمة، إنسانًا كاملًا لا مجرد وحدة بيانات أو مستهلكًا مطيعًا أو “ماعزًا أليفًا” أكثر تهذيبًا من اللازم.

إن القيمة الحقيقية للفيلم اليوم ليست في عدد رموزه، ولا في غرابة مشاهده، بل في السؤال الذي يتركه في النفس بعد انتهائه:
كيف نحمي الإنسان من أن يتحول إلى كائن قابل للإدارة الكاملة؟ كيف نمنع التكنولوجيا من أن تصبح أداة لتقليص الحرية بدلًا من توسيعها؟ كيف نواجه صراعات المادة من دون أن نخسر الروح، ونواجه إغراء السرعة من دون أن نفقد التأمل، ونواجه سطوة الخوارزمية من دون أن نتنازل عن حقنا في الوعي الحر؟ لعل هذا هو المعنى الأعمق للعنوان كله. فالخطر ليس في وجود الذئاب فقط، بل في أن نعتاد نحن دور الماعز؛ ليس في أن توجد أنظمة ضخمة، بل في أن نرضى بأن نُختزل داخلها؛ ليس في أن تتقدم التكنولوجيا، بل في أن يتراجع الإنسان خطوة إلى الوراء كلما تقدمت هي خطوة إلى الأمام.

وهكذا يظل الفيلم، بعد أكثر من عقد على ظهوره، حيًّا بطريقة مقلقة. لأنه لم يكن يتحدث عن لحظة عابرة، بل عن قابلية زمن كامل للانحراف. ولأنه أدرك، قبل كثيرين، أن معركة المستقبل لن تكون فقط بين دول وجيوش، بل بين نمطين من الحضارة: حضارة تجعل الإنسان محور التكنولوجيا، وحضارة تجعل التكنولوجيا محور الإنسان.

وبين هذين الطريقين يقف عالمنا الآن، مترددًا، متوترًا، مبهورًا بقوته، وخائفًا من نفسه.

ا.د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
[email protected]


لينك فيديو الفيلم
فيلم الماعز الأليف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى