د. رشيد هيبا - سلطة الشعر "فجر الدولة العلوية" العصر الإسماعيلي

1774385875088.png



تصميــــم الموضـــــــوع
تقــــــــــديم
I/ مفهوم السلطة / سلطة الشعر
1-مفهوم السلطة
2-مفهوم سلطة الشعر: مصادرها
تاريخية النص الشعرية
انسجام النص الشعري مع المحتوى الثقافي
سلطة الشاعر المعنوية
الشعـــر والديــن
II/ مرجعيات سلطة الشعر فجر الدولة العلوية - العصر الإسماعيلي
1-الظروف والوقائع التاريخية
2-مرجعيات سلطة الشعر في العصر الإسماعيلي
1-سلطة المفهوم الشعري / النقدي
2-مرجعيات سلطة الشعر فجر الدولة العلوية
مرجعية الذاكرة الشعرية وسلطة الأماكــن
مرجعية سلطة القيم والأخلاق
مرجعيــة سلطة الزوايــا
مرجعية السلطة السياسية (التجلي والغياب)
خاتمـــــــــــــــة
لائحة المصادر والمراجع

تقــــــــــــــــــديم :
الشعر وسيلة تعبيرية عميقة الدلالات، وهو عملية شعورية نابعة من أسرار الذات، يصدر عما يعتمل في أعماق الشاعر من أحوال وجدانية، ويكشف عن المعاناة الكامنة خلف هذه الأحوال، وما تثيره من قلق في فكره واضطراب في نفسه، أو انشراح فيهما وابتهاج، ليس بسبب حالته النفسية فقط، بل بما يعيشه في حياته العامة، وما يحيط به أو يواجهه في مجتمعه من تقلبات الحياة والصراعات الوجودية/ السياسية أو المذهبية أو العرقية... حيث أصبح للشعر سلطة قوية ونافذة خصوصا في العصر الجاهلي، وتطورت هذه السلطة الشعرية، نتيجة التحولات التي عرفها المجتمع العربي، بعد انتشار الإسلام، والانتقال من مفهوم القبيلة إلى مفهوم الدولة / الخلافة، فأصبح الشعر يجري مجرى سلطة السلطة، يعارضها أو يتماهى معها، وفي الحالتين تتطور سلطة الشعر سواء على مستوى اللغة الشعرية الموظفة الموجهة إلى المتلقي، أو على مستوى اختيار المذهب الفني/ الشعري الملائم للأحوال الوجدانية والاجتماعية والثقافية السائدة في العصر. هذه السلطة الشعرية لا تستطيع أن تنفصل عن المرجعيات الدنيوية والروحية التي تجعل من لغة الشعر، لغة تمتلك زمام النفوذ، والسحر البياني، وبلاغة الإمتاع والإقناع في الآن نفسه.
إن الشعر كان ينظر إليه على أنه السحر الأبيض وفقا لأبي الحسن بن طباطبا[ -عيار الشعر : ابن طباطبا العلوي – تحقيق وتعليق طه الحاجري واحمد زغلول سلام- المكتبة التجارية الكبرى – شارع محمد علي- القاهرة 1956 ، ص :2]، حيث يصل الشعر المتناغم إلى الروح، وينفذ إليها بقوة أكثر من الرقى السحرية، أي إن الشعر يملك سلطة قد تكون أقوى من سلطة السلطة نفسها.
لقد هيمنت النصوص الشعرية التي أسست لمفهوم القصيدة النموذج، وأصبحت هذه النصوص تمتلك سطوة متطورة، كالتدرج الهرمي للسلطة السياسة، وشكلت القصيدة النموذج تصورا ثقافيا سائدا في عصور مختلفة، انطلاقا من البلاغة العربية، وعمودية القصيدة ومكوناتها الفنية، كالنسيب بكل عناصره؛ وإذا كانت السلطة السياسة تتمسك في خطابها بحق السيادة والقيادة كسلطة متحكمة، فإن سلطة الشعر، لا تختلف من حيث المنهج، عن السلطة السياسة، فهي تسعى من حيث الرؤية الفنية إلى الإخضاع والتأثير، بل وفرض سلطة القهر والقوة المعنوية، الناجمة عن سحر اللغة الشعرية وبلاغتها، لكن يمكن القول إن سلطة النص الشعري تبقى غير واضحة المعالم، لأن النص الشعري في حد ذاته نص قابل لتأويلات متعددة، ولابد من مراجعة شاملة من قبل الدارسين والنقاد والمثقفين العرب لإعادة الضبط المفاهيمي، والتحرر من سلطة النصوص الجامدة.

I/ مفهوم السلطة / سلطة الشعر
1-مفهوم السلطة :
جاء في لسان العرب لابن منظور مادة "سلط"، القهر ولسان سلط : أي لسان فصيح[ - لسان العرب ابن منظور مادة سلط، المجلد السابع، دار صادر، بيروت، ص ك 320]، والسلطان هو الحجة والبرهان، قال تعالى : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين" أي حجة بينة، والسلطان كذلك قدرة الملك وسطوته[ - لسان العرب : ابن منظور، ص : 321]، وجاء في كتاب العين، السلطان بمعنى الحجة "هلك عني سلطانية"[ - معجم العين: الخليل بن احمد الفراهيدي، ترتيب وتحقيق الدكتور عبد الحميد الهنداوي، ج II، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ط 1- 2002 ص 213]، وفي معجم مقاييس اللغة سلط بمعنى التسلط وهو القهر، ولذلك سمي السلطان سلطانا، والسلطان، الحجة والسليط من الرجال، الفصيح الذَربُ[ - معجم مقاييس اللغة، لابن فارس : تح وضبط عبد السلام هارون ج الخامس دار الفكر للطباعة والنشر / ص 90]، وفي القاموس المحيط، السَّلْط والسَّليط، الشديد، واللسان الطويل.[ - القاموس المحيط: الفيروزابادي، مراجعة أنس محمد الشامي وزكريا جابر / دار الحديث / القاهرة / ط 2008، ص : 791]
لقد ورد هذا المفهوم في مختلف معاجم اللغة العربية، بمرادفات متعددة: سلط – تسلط السلاطة، وسلط، وسليط وسلطان ...، وهذه المعاني التي تتضمنها مادة سلط تصب أغلبها في مفاهيم كبرى، كالشدة والقوة، والقهر، والحجة والبيان والفصاحة، إذ يبدو من خلال هذه المفاهيم، أن السلطة كمفهوم لغوي هي " الاستخدام المشروع للقوة... ولكن القوة تحتاج إلى الكفاءة والحجة والعلم والمعرفة"[ - مفهوم السلطة في الفكر السياسي الإسلامي : إشكالية المعنى والدلالة، خالد فوزي يعقوب المحاسنة، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بدمنهور : العدد الرابع ج IIن 2019/ ص 1200]، وقد استمد الفقهاء المسلمون من هذه التعريفات التي توزعت في مختلف المعاجم مرادفا مرتبطا بالتحولات التي عرفتها الجزيرة العربية بعد انتشار الإسلام، فلفظ السلطة هو مرادف للفظ "الولاية" بمعنى الوالي أو الإمام أو الخليفة أو السلطان[ - الأشباه والنظائر : جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت ط 1 / سنة 1990، ص: 154]، وهذا يعني أن مفهوم السلطة مرتبط بالمجال السياسي والديني.
طرح مفهوم السلطة مضمونين مختلفين، أحدهما مادي وهو مرتبط بالقوة والقهر والتسلط، والثاني معنوي مرتبط بالحجة والبيان والفصاحة والعلم والمعرفة والإقناع والخلق والإبداع.
أي إن مفهوم السلطة يقترن تارة بالمرجعيات الاجتماعية والسياسة والدينية / العقائدية، وتارة أخرى يقترن بالمرجعيات النفسية والإبداعية / اللغوية والصراع الفكري وعقدة التفوق والتميز. لهذا نود في هذا البحث ربط هذا المفهوم بالتراث الشعري العربي، لتحديد مدى امتلاك الشاعر للسلطة المعنوية / اللغوية، لكن قد تكون هذه السلطة إما صادرة عن ذات الشاعر بحسب ظروف العصر أو صادرة عن الشعر الذي ينتجه، أي طبيعة اللغة الشعرية المتداولة، ومن تم فإن مفهوم السلطة يصبح مفهوما زئبقيا مرتبطا بالقوة والقهر والتسلط، أو مرتبطا بالنموذج المقدس، أو مرتبطا بالمفهوم المعنوي للسلطة، لذلك لا يمكن الارتهان للمفاهيم اللغوية والاصطلاحية فحسب وإنما لابد من تناول المفهوم تبعا لمسيرة حركته التاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية، وما قد يعتري هذه المسيرة المتنوعة، من اختلاف في الرؤى والتصورات، خصوصا في مجال الحركة الشعرية العربية.
ب- مفهوم سلطة الشعر ومصادرها :
اكتسب الشعر سلطة قوية في الثقافة العربية فهو في كافة أشكاله ودلالاته تحريض وتثوير وتحرير سواء أكان تثويريا لغويا أم معرفيا أم تصويريا أم بنائيا على مستوى بنية النص[ - ثنائية سلطة النص، ونص السلطة في الشعر العربي / دالية دريد بن الصمة، نموذجا : قاسم بن أحمد / مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية / السنة السابعة ع 15/1440 : ص 6]، وهو كذلك رؤية وتصور للواقع والعالم، دون فصل بين الشكل والمحتوى، فالشعرية كما يرى الدكتور قاسم بن أحمد في " أصولها الأسلوبية والدلالية والثقافية، عدول عن الثابت المألوف، وخروج عن السنن الثقافي والرمزي والجمالي المعروف، وتأسيس لجماليات ورؤى، وإدراك آخر للعالم والذات والتاريخ والثقافة بصورة عامة.[ - نفسه، ص : 7]
إن سلطة النص الشعري ليست دوما سلطة تمرد، وثورة، بل قد تصبح سلطة جدل واستدلال، وتفكير عميق، ووعي نقدي بمكونات القصيدة العربية الأصيلة، فالشاعر قد يكون منصهرا ومتماهيا مع الخطاب السياسي السائد في عصره، لكنه قد يعبر بلغة المجاز، أو لغة السحر عن المسكوت عنه ضمنيا، والشعر خضع لسلطة القبيلة أولا، لكن عندما تتعارض المصالح قد يصبح الشعر سلطة موازية أو ثورية، كشعر الصعاليك[ - ثنائية سلطة النص ونص السلطة في الشعر العربي : ص 09]. وقد تنبه العرب قديما إلى أن سلطة الشعر يصل مداها إلى حدود السحر، فقد كانت القبيلة العربية "إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة... لأنه حماية لأعراضهم، ودب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشارة بذكرهم"[ - العمدة : ابن رشيق القيرواني/ تح محمد محيي الدين عبد الحميد دار الجيل، بيروت ط /4 – 1972 / ج 1، ص : 31-32]. ولعل هذا التقدير العظيم للشعراء في العصر الجاهلي، جعل ثلة من العرب تخلط بين الساحر والشاعر والكاهن لأنهم جميعا ينتمون بحسب هذا التصور إلى عالم الظلام الغامض، حيث تقف وراء كل منهم قوة خفية تمده وتعينه، وكأن هناك سلطة معنوية تصل إلى أرواح الشعراء، وتعطيهم قوة امتلاك الفصاحة والبيان، وسحر الكلمات، ومثل هذه المعتقدات، ولدت احتراما وتقديرا للشعراء، يصل إلى حدود الخوف من شر ألسنتهم وسحرها، والشعر رغم كل هذه المعتقدات والتصورات الأسطورية، إلا أنه مرتبط أشد الارتباط ببيئة الشاعر وواقعه ونفسيته، وظروف المجتمع الذي يعيش فيه، فالنصوص الأدبية بصفة عامة، والشعر خاصة، هي نصوص وقائع سلطة لا وقائع تبادل ديمقراطي[ - العالم والنص والناقد : ادوارد سعيد – ترجمة عبد الكريم محفوظ اتحاد الكتاب العرب – دمشق سنة 2000- ص 45]، هكذا يحدد نيتشه العلاقة التقليدية للنصوص بالواقع، والنص إما إخبار أو إنشاء، وهو في الحالتين تعبير عن سلطة وقوة وقهر، والشعر ليس إلا رسالة مشفرة يبعثها الشاعر / المرسل، إلى المتلقي، لإقناعه أو التأثير فيه، أو تمجيده إلى حدود التقديس أحيانا، أو حتى إذلاله وإخضاعه، لأن سلطة الشعر، قد تتحول إلى سلطة سحرية / بيانية مرتبطة بالإمتاع، فقوة النص الشعري تتجلى في قدرته على ربط علاقات رمزية ضمنية بين المرسل والمتلقي، لأن سلطة النص الحاسمة "تكمن في معناه أو في قدرته على إحداث دلالة"[ - الخروج من التيه : عبد العزيز حمودة / عالم المعرفة – الكويت 2000 / ص :305 ] ولهذا فإن حركة النص الشعري تنطلق من مجموعة استراتجيات لفرض السلطة الجمالية والمعنوية على المتلقي من جهة، والارتباط بالواقع وقضاياه من جهة ثانية، هذه الاستراتيجيات تتجلى في :
تاريخية النص الشعري: أي اعتبار الحركة الشعرية انعكاسا تاريخيا أنتجته ظروف الواقع الاجتماعي، وهذا الأمر يطلق عليه إدوارد سعيد مصطلح "الدنيوية" [ - العالم والنص والناقد : إدوارد سعيد ، ص 5 ] حيث تصبح الظاهرة المكانية حاضرة بكثافة ضمن مقومات القصيدة العربية الأصيلة، فالمقدمات النسيبية بكل عناصرها كالوقوف على الأطلال، ووصف الرحلة والراحلة، هي عناصر ظاهرة مكانية منبثقة من حياة الصحراء والبادية، ورغم التحولات التي عرفتها الحضارة الإسلامية، فإن الظاهرة المكانية ظلت حاضرة، من خلال الصراع بين مذهب البداوة ومذهب الحضريين.
انسجام النص الشعري مع المحتوى الثقافي السائـد، إذ يمكن للسلطة السياسية أن يكون لها دور محوري في عملية الإنتاج الشعري، سواء بالترغيب أو الترهيب، لأن السلطة حسب عبد الله الغذامي قد تكون غير مبرأة من فرض الشكل الثقافي وتسويقه.[ - النقد الثقافي : عبد الله الغذامي – المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء / ط 1 سنة 2000 – ص 24]
فالعلاقة بين الشاعر والسلطة السياسية، هي علاقة قديمة قدم الإنسانية، والشعر كان ولا يزال ملجأ الفرد من قهر السلطة، وأداة لكسر القيود التي تفرضها عليه، وقد يكون المرجع في نشأة الصراع بين الشاعر والسلطة السياسية، سوء الأحوال الاجتماعية، وتدهور الأوضاع السياسية، وبطش الأنظمة الحاكمة، فمنذ العصر الجاهلي والشاعر يعبر عن رأيه بوضوح أو ضمنيا، وينتمي إلى الجهة التي يرى أنها تلائم مذهبه وعقيدته السياسية، وقد جبل الشاعر العربي على السياسة، لأنه مدفوع بدافع الغريزة، لكن لا يمكن التسليم بهذا الطرح، فالنماذج الشعرية التي التصقت بالسلطة السياسية، واختزلت القصيدة في مجرد دعاية سياسية، وأطاحت بالجانب الفني، أمر لا يمكن تعميمه، فهناك نماذج كثيرة في الشعر العربي، فهمت أن الشاعر يملك سلطة قوية، بل سلطة قهرية معنوية، هذه السلطة يستمدها الشاعر من سحر اللغة، ومن استثمار الأبعاد الفنية التي رسختها القصيدة العربية الأصيلة، ومن تم فإن علاقة الشاعر بسلطة السلطة، هي علاقة قائمة على الندية وإظهار التفوق، وعلى إشباع للمطالب الاجتماعية والوجودية انطلاقا من سلطة اللغة وسلطة البيان من جهة ثانية.
سلطة الشاعر المعنوية : إن محاولة عزل النص الشعري باعتباره وثيقة تاريخية، هي محاولة عقيمة وعبثية عديمة الجدوى[ - الخروج من التيه، ص :318 ] لهذا يعتبر الشاعر قُطْبًا ومركزا للقول الشعري، فالمتنبي مثلا يميل إلى تضخيم الذات، واستحضارها قبل الممدوح، فهو يمدح سيف الدولة الحمداني مدحا خالدا، وينتقل إلى مصر فيمدح كافور الإخشيدي، ثم يهجوه بقصائد أشد إيلاما، لأنه ينطلق من مبدأ الفحولة الشعرية التي تمنحه سلطة وتوهجا يفوق أحيانا توهج أصحاب السلطة والقرار، فهو القائل[ - ديوان المتنبي: تحقيق عبد الوهاب عزام، دار المعارف الطبعة الثانية سنة 1966 – ص 207]:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

أما الشاعر المعري فقد كان يؤمن بشيطان اللغة وسلطتها المعنوية، وتأثيرها القوي، ويرى الدكتور عبد الله الطيب أن " المعري كان مقتدرا في لغة العرب، خبيرا بأسرارها وكان من أخبر الناس بصياغة الكلام، وزخرف البديع[ - المرشد: عبد الله الطيب/ مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر / ط 1 /1955: 194 - 198]، ولعل هذه الخبرة مستمدة من العلم والوعي النقدي بأسرار اللغة الشعرية، فالمعري كان يزاوج بين الفكر والعاطفة واللغة والصناعة، وكان شيطان اللغة أغلب عليه، وسلطانه فيه أظهر وأقوى[ - نفس المرجع: ص 198]، لقد فطن المعري للسلطة المعنوية التي يمتلكها رغم عماه ورغم أثار الجذري في وجهه.
إني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل[ - ديوان سقط الزند، لأبي العلاء المعري، شرح وضبط عمر فاروق الطباع دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر – بيروت- الطبعة الأولى سنة 1998 / ص 228]

تعتبر سلطة الشاعر سلطة وجودية مرتبطة بواقعه وعصره، وهي سلطة واعية / نقدية، فالشاعر يستمد مشروعية سلطته المعنوية من الأنا الشعري" لأن القصيدة العربية كما يذهب إلى ذلك الدكتور عبد الإله بنصر العلوي تقترن بتخيلات الشاعر أسلوبه وتنويعاته، وبدلالاته وانزياحاته... فهذا السلوك الشعري يهدف إلى التوازن بين الذات / الشاعر وبين الآخر / الممدوح، الموضوع في موقف فني يجعل التفوق ديدَنَ الفن والدربة ودأب المثال والقدوة"[ - الشعرية الاماراتية: الدكتور عبد الله بنصر العلوي / مطبعة انفوبرانت – فاس – طبعة 2014 : ص 17-18]
تعد الفحولة الشعرية بطاقة هوية الشاعر، لأنه يبارز من خلالها أقرانه من الشعراء، أو يبحث عن حُضوة لدى الممدوح / السلطان، أو يعبر عن التزامه الروحي والديني، خصوصا في المدحة النبوية، وقد تحول مفهوم الفحولة الشعرية إلى مفهوم مرتبط بالمبارزة، حيث استعمل الدكتور عبد الله بنصر العلوي مصطلح " الفروسية" و يستخلص من هذا المفهوم النقدي مكونين اثنين هما:[ - الشعرية الإماراتية : ص 18]
مكون البداوة باعتباره يحمل قيم الوجدان.
مكون الإبداع باعتباره الشعر خطابا فنيا وسلوكيا.
هذه الفروسية ليست سوى منحى نقديا يبرز سلطة القول الشعري. وإن مفهوم الفروسية مستلهم من النظريات النقدية العربية القديمة التي تدعو إلى ترسيخ مبدأ التأصيل الشعري"، هذا التأصيل لا يتم إلا في ضوء ما يقدمه الشاعر في سياق تجربته الإبداعية التي تهدف إلى إعادة بناء كون الشعر[ - نفسه : ص 20]، سواء من خلال استلهام الذاكرة بمخزونها الثري، أو من خلال التخييل الذاتي الذي يعيد خلق العالم في إطار سلطة شعرية نموذجية تحرص على صياغة فروسية معنوية داخل القصيدة العربية.
الشعر والدين : لقد استثمر الشاعر العربي، تلك العلاقة المقدسة مع الدين، ليحقق الفضيلة الروحية، فكانت المدحة النبوية شكلا من أشكال الاعتراف الضمني بمعجزات الرسول ، وهي كذلك استسلام، وخضوع روحي.
فالشعر الذي يتغنى بالنموذج ويستدعي المثال، هو الشعر الوظيفي الذي يحتاجه الإنسان ويلجأ إليه حينما تحاصره هموم الحياة، وحينما تفشل مشاريعه السياسية والاجتماعية، وهو الشعر الروحي الذي يواجه السلطة الرسمية، لهذا فقد تحولت المدائح النبوية إلى سلطة معنوية/ رمزية، يواجه من خلالها الشاعر فساد العصر والناس، وشكلت شخصية الرسول النموذج الذي ألهم الشعراء. وقد ساعدت البيئة الصوفية التي امتدت على نطاق واسع في المجتمعات الإسلامية، على انتشار هذا الغرض الشعري، والمدائح النبوية كما يعرفها الدكتور زكي مبارك " بأنها فن من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص"[ - المدائح النبوية في الأدب العربي : زكي مبارك، منشورات دار الشعب – القاهرة سنة 1971 : ص 17] والمؤكد أن هذا المدح النبوي الخالص لا يشبه ذلك المدح التكسبي أو المديح السلطاني، أو مدح التملق الموجه إلى السلاطين والأمراء والوزراء، وإنما هذا المدح خاص بالرسول محمد ، يتسم بالصدق والمحبة والوفاء والإخلاص والتضحية، والنهل من بحار التجربة الصوفية.
إن قصائد المديح النبوي التي نظمها شعراء عهد الرسول، لم يكن هدفها مدحه عليه السلام، بقدر ما كانت ترمي إلى الاعتذار له، وإلى نصرة الدعوة الإسلامية، ولهذا السبب تأخر ظهور قصيدة المديح النبوي في المشرق، ولم ينتعش ويزدهر إلا مع الشعراء المتأخرين، خاصة مع الشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري، حيث عارضه كثير من الشعراء الذين عاصروه أو جاؤوا بعده، خصوصا شعراء الغرب الإسلامي في الأندلس والمغرب، وكانت لأهل الغرب الإسلامي سلطة الإبداع في غرض المديح النبوي، لعلو المكانة التي يحتلها الرسول في قلوب أهله، وشاعت المولديات لديهم، وتعددت أنماطها، وحافظت على بناء القصيدة العربية بمقدماتها النسبية وإشادتها بمولده ودلائله وشمائله، ثم مدح السلطان باعتباره امتدادا للخلافة الإسلامية.
وكانت البردة البوصيرية تحتل مكانة رفيعة بين المدائح النبوية، عند أهل التصوف؛ ويرى زكي مبارك أنها قد أثرت في المدائح النبوية تأثيرا عميقا سواء من حيث المضمون أو من حيث الشكل،[ - المدائح النبوية: زكي مبارك ص 171] إذ نقلت المدائح النبوية من المدح المعتاد للنبي الرسول بأوصافه المشهورة المعروفة، إلى أوصاف مبالغ فيها على نحو مثالي خارق، حتى إن المتصوفة والعارفين اصطلحوا على هذه الأوصاف "بالحقيقة المحمدية "[ - نفس المرجع : ص 171].
إن وصول البردة إلى المغرب والأندلس، أدى إلى تهافت الطلاب والعلماء والشعراء على حفظها وتدريسها وشرحها، ويعتبر البوصيري شاعرا ملهما للمسلمين. وساهمت في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، واكتسب المتعلمون منها خطابا شعريا جديدا، وهذا ما جعل ثلة من الدارسين يترجمونها إلى العديد من اللغات، فقد ترجمها إلى الألمانية المستشرق رولفس عام 1825 م وإلى الانجليزية ردهاوس عام 1894، كما ترجمت إلى اللغة التترية، وطبعت بقازان الروسية عام 1849 م، وترجمها إلى الفرنسية مع شرحها المستشرق دي ساسي عام 1822[ - البنية اللغوية، لبردة البوصيري، رابح بوحوش ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1982 (د – ط) ص 10-11] . إن قصيدة البردة؛ ومعها كل أنواع المديح النبوي؛ سعت إلى إبراز فحولة شعراء المديح النبوي، و نالت تداولا كبيرا بين رجالات التصوف وأقبل الجمهور عليها لجمعها بين البساطة والجدة، ولما تضمنته من الإشادة بشمائل الرسول وسيرته العطرة، فكان لها إسهام كبير في تفعيل حركية الإنتاج في المدحة النبوية، بشكل عرف ازدهارا كبيرا على صعيد اللغة والبلاغة والنقد، و نالت محبة العلماء[ - ينظر مقدمة كتاب ابن علان الصديقي (الدخر والعدة في شرح البردة وانظر الشيخ بسام محمد بارود في حاشيته على العمدة في شرح البردة] على الخصوص.
اشتهرت المدحة النبوية في الغرب الإسلامي أكثر من اشتهارها المشرق، للمكانة التي يحتلها الرسول في قلوب أهله، وكانت قصيدة المديح النبوي في المغرب شكلا فنيا يبتغي منه الشعراء المغاربة تحقيق التمايز عن الشعرية المشرقية وإظهار الفحولة الشعرية، خصوصا وأن أهل المغرب اعتنوا بعيد المولد النبوي، منذ الخليفة الموحدي عمر المرتضى، ومع أسرة العزفي في سبتة، وبلغ أوجه في عصر السعديين، ولعل فرادة التجربة الشعرية في مجال المدحة النبوية، يقصد منها إظهار علو كعب المغاربة وإجادتهم في صنوف المدائح النبوية، كالمولديات التي يعتبرها الدكتور عبد الله بنصر العلوي "ظاهرة مغربية" [ - ومضات معرفية : كتاب جماعي تنسيق عبد الوهاب الفيلالي وخالد سقاط منشورات المركز الاكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق اوسطية والخليجية / كلية الآداب ظهر المهراز مطبعة انفوبرانت – فاس 2017 : ص 142]، ترعرعت في العصر السعدي وبلغت ازدهارها في العصر العلوي كظاهرة اجتماعية وفنية / إبداعية ونقدية ، وهذا الأمر ساهم حتما في ظهور بعض الفنون الموازية لشعر المولديات، كفن السماع[ - نفسه : ص 142]. إن السلطة الدينية التي تتجلى في الحث على الالتزام بالقيم الإسلامية من خلال مدح الرسول والتغني بخصاله، جعل الشاعر المادح يشعر بقوة السلطة الروحية التي يمتلك زمامها، وهي سلطة قادرة على تجاوز مظاهر النفاق أو الانتهازية التي تتسم بها قصائد المديح الرسمي / السلطاني. وأفرزت قصيدة المديح النبوي بكل أنماطها، كالمعارضات والوتريات والمقصورات والغراميات والتوسلات والتصليات والمولديات، خطابا شعريا مقترنا بالسلطة الدينية / الصوفية، والمعرفية وساد في العصر العلوي مدح العلماء الذي عبر من خلاله الكثير من الشعراء ضمنيا عن توجهاتهم السياسية، حيث تجاوزوا المديح السياسي الرسمي، إلى مدح العلماء وأهل المعرفة الربانية خصوصا في فجر الدولة العلوية.[ - ينظر دالية اليوسي في مدح شيخه الغوت ابي عبد الله بن محمد ابن ناصر الدرعي / انظر نيل الاماني في شرح التهاني لأبي الحسن بن مسعود اليوسي]
II/ مرجعيات سلطة الشعر في فجر الدولة العلوية
-العصر الإسماعيلي نموذجا –
1-الظروف والوقائع التاريخية
كان لمبايعة المولى إسماعيل[ - ولد عام 1051 وتوفي عام 1139 هـ (انظر تاريخ الضعيف، ص : 58-98 ] بعد وفاة المولى رشيد سنة 1082م، مساهمة فعالة في تثبيت دعائم الدولة العلوية، رغم أن عصره لم يشهد كله حالة استقرار وأمن، بل إن الحروب الداخلية والخارجية استغرقت معظم العهد الإسماعيلي[ - ينظر تاريخ الضعيف / كتاب الاستقصا وغيرها من المصادر التي أرخت للفترة.] على أن الحالة السياسية والاجتماعية بوجه عام كانت فيه أفضل بكثير من عهود أخرى، فقد أخذ المغرب يظهر بمظهر القوة، ويتمتع باحترام الدول الأجنبية، ويسترد الأطراف المغتصبة كالعرائش وطنجة...[ - تاريخ الضعيف : تحقيق أحمد العماري – نشر دار المأثورات الرباط الطبعة الاولى / 1986 : ص 67 - 71]، وساعدت قوة السلطان المولى إسماعيل وشدة بأسه على استتباب الأمن، رغم تبرم الناس وضيقهم، وهذا الأمر كان له انعكاس إيجابي تجلى في:
ضمان استقرار النظام واستمرار الدولة
الاهتمام بالشأن الاجتماعي والاقتصادي
تجريد القبائل من الخيل والسلاح، وتكوين جيش نظامي
الاعتناء بالعلماء وأرباب الزوايا، وتزويدهم بالصلات الجزيلة، والعطايا المتوالية لتعاونهم مع النظام.
التوسع في العمران، وقد ساهم في هذا الأمر كثرة عدد الأسرى من الأوربيين، ولعل الأسوار العظيمة، والحصون المنيعة والقصور الفخمة التي بناها هذا الملك تشهد باهتماماته العمرانية والثقافية[ - نفسه : ص 69].
إن عصر المولى إسماعيل لم يكن عصر مد وجزر بين السلطة والمحكومين بل كان أيضا عصر صراع مباشر بين السلطة والعلماء، باعتبارهم سلطة دينية لها مكانتها ونفوذها فكانت للعلماء سلطة واسعة داخل المجتمع المغربي في هذه الفترة، وهذا الصراع ابتدأ عندما أطاح المولى رشيد بالزاوية الدلائية، التي اعتبرت مركزا مهما استقطب كبار علماء المغرب، مما ولد نزوعا نحو الكراهية لدى العلماء والفقهاء الذين كانوا ينتمون إلى هذه الزاوية، إزاء السلطة المركزية، فالمحن التي أصابت أهم علماء الفترة من نفي وسجن وقتل، ولدت هوة كبيرة بين السلطة السياسية والعلماء. وهذا أبو الحسن اليوسي العالم والفقيه المتصوف والشاعر، يعبر من خلال رسائله[ - قامت بدراسة هذه الرسائل وجمعها الاستاذة فاطمة خليل القبلي، دار الثقافة – الدار البيضاء 1981] إلى السلطان، عن فكر سياسي مرتبط بالثقافة الإسلامية، من خلال "توجيه السلطة السياسية بالفكر الذي يتحمله العالم المسلم في البيئة الإسلامية"[- ملامح الفكر السياسي عند اليوسي : محمد الكتاني مجلة المناهل / العدد 15، السنة السادسة 1979 / ص 204 ] حيث كان يخاطب السلطان " منتهي الشجاعة الأدبية والصراحة في النقد والتوجيه والنصيحة"[ - رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي جمع وتحقيق ودراسة فاطمة القبلي – دار الثقافة – الدار البيضاء ج 1/ 1981 – ص 233 -238]، ورغم ما كان يسود العصر من عنف وسلطة تميزت بالاستبداد ووصلت في كثير من الأحيان إلى كتم الأصوات المعارضة، وبذلك عمل من منطلق مسؤوليته كعالم، على التعبير عن مواقفه وأرائه بكل جرأة وصراحة يقول " صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، الأمراء والعلماء، وقد فسدوا جميعا، وإلى الله المشتكى، وكان الأمر يصلح بأئمة العدل وفقه الفقهاء، وأدب الصوفية، ولقد فسد هؤلاء الثلاثة بالجور والمداهنة والبدعة، ففسد الدين بهم أولا والدنيا ثانيا"[ - كتاب / المحاضرات : الحسن اليوسي : إعداد محمد حجي، دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر – الرباط 1976 ، ص 121].
إن مثل هذا الخطاب المباشر الذي تكرر عند اليوسي في كثير من رسائله التي وجهها للسلطان المولى إسماعيل ليؤكد على الاستعداد القوي لدى اليوسي لتحمل تبعات دخوله في جدال مع السلطة، خصوصا أن أعوان السلطان كانوا أشد تعرضا للعلماء، فمعَاصِرهُ عبد القادر التستاوتي تعرض لمحن عديدة، وقد كان أقل جرأة من اليوسي في مواجهة ظلم السلطة، إذ إنه انزوى بآرائه المثالية، وجعل من التصوف جدارا واقيا له من الفساد الذي عرفه العصر، فأفكاره في التصوف من خلال شعره تعبر عن الفراغ الذي ينتاب الشاعر، والهوة التي تفصله عن واقع لم يتكيف معه، لقد كان عبد القادر التستاوتي من المتصوفة الذي نهلوا من معين الزاوية الناصرية، مما جعل إشراقاته التصوفية ذات نبرة حزينة نابعة من امتهان الحياة له، وهو العالم والشاعر المتشبع بروح التصوف[ - ينظر شعر عبد القادر التستاوتي: جمع وتقديم وتصنيف عبد اللطيف شهبون – رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا – كلية الاداب والعلوم الانسانية – الرباط السنة الجامعية 1990 – 191 (مرقونة). ].
ومن الأسباب التي ساهمت في تأجيج الصراع بين السلطة والعلماء، قضية تمليك الحراطين ومقتل العالم الكبير عبد السلام جسوس[ - ينظر تاريخ الضعيف / قضية تمليك الحراطين ومقتل عبد السلام جسوس : ص 83.] ولعل مثل هذه الأحداث الجسام التي تعرض لها هؤلاء العلماء، قد أحدثت فجوة كبيرة على المستوى الثقافي، فتأججت عواطف الشعراء، مما جعل العلماء وأقطاب الزوايا مثار اهتمامهم، حيث إن الإنتاج الشعري في غرض المديح الرسمي كان أقل بكثير من المديح السلوكي، وتعتبر "دالية اليوسي"[ - نيل الاماني في شرح التهاني : لأبي الحسن بن مسعود اليوسي – دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء -2011 – ص 92.] خير مثال على هذا العزوف عن مدح السلطان والنزوع إلى أقطاب الصوفية:
قل للمقل من الدراية والتقى
ألمم بدرعة لا أبا لك ترفد

ويذهب الدكتور محمد الدناي، إلى أن هذه الدالية، تنتمي من حيث كونها جنسا أدبيا إلى نموذج القصيدة المادحة في صورتها المكتملة... فهي وثيقة تاريخية موثوقة تأخذ مكانها وسط المصادر التي أرخت للزاوية الناصرية، ومؤسسها الشيخ ابن ناصر الدرعي.[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية : الدكتور محمد الدناي منشورات المركز الاكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرف اوسطية والخليجية / كلية الاداب والعلوم الانسانية، فاس مطبعة انفوبرانت سنة 2018، ص 95]
لقد تنبه السلطان المولى إسماعيل إلى خطورة العلماء ودورهم الفعال في التأثير على الناس، كما أنه تنبه إلى قضية جوهرية تتعلق بالتعليم، إذ لاحظ أن البوادي المغربية في ظل الزوايا تستقطب الطلبة والمريدين والعلماء، ونظرا لبعد هذه المراكز البدوية، فإن التعاطي لمختلف العلوم يستمد من شعار حرية التعليم والتعلم، لذلك عمل السلطان على تكثيف الجهود لجعل المدن مراكز استقطاب علمي بدل البوادي، وذلك من خلال تهجير العلماء والأدباء، ومن خلال تقليص دور الزوايا والبوادي التي تهتم بالعلم والعلماء، وهذا ما جعل اليوسي يعارض هذه السياسة ويرى أن الأمور لن تستقيم إلا ببسط أسباب كالمال الكثير، ووجود العلماء في كل بادية وحاضرة"[ - مقدمة ديوان الهلالي السجلماسي : تقديم تحقيق عبد الله الهمس رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا – كلية الاداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز – فاس ]، ويبدو أن انتباه اليوسي لسياسة المولى إسماعيل في مجال التعليم، لم يكن أمرا نابعا من الانتماء الجغرافي (بداوة اليوسي)، ولكنه إحساس نابع من اقتناعه بأن العلم لا يخص طبقة محدودة ولا نخبة محظوظة داخل المجتمع، فالجهل داء يمس الأمة كلها، عامتها وخاصتها، وهو بهذا التصور يدعو إلى فكرة تعميم التعليم وجعله منتشرا في كل إرجاء المغرب.[ - ينظر رسائل اليوسي : ح 1 /147 - 205]
إن هذا الصراع الذي أثر على العلاقة بين أصحاب السلطة والقرار وبين العلماء / الشعراء، أدى إلى ظهور صراع بين سلطتين متناقضتين، وهما سلطة السلطة، وسلطة العلماء، ويمكن أن تتحول سلطة العلماء إلى سلطة معنوية قوية عندما يصبح الشاعر منخرطا في هذا الصراع، ليقف إلى جانب الحق في مواجهة الاضطهاد الفكري.

أ- سلطة المفهوم الشعري / النقدي
إن الشاعر في فجر الدولة العلوية، لم يكن مهتما بشكل القصيدة حسب التعريف القديم " الشعر هو الكلام الموزون المقفى"[ - نقد الشعر: قدامة بن جعفر: تحقيق عبد المنعم خفاجي/ دار الكتب الحديثة القاهرة 1966 ص 12.]، بل كان مهتما كذلك بطريقة الصياغة، فالخوض في مجال الشعر يتطلب كدًّا وعناء وإجادة صنعة، والشعر في رأي اليوسي علم وصناعة " وأما علم الشعر، موقوف على ثلاثة أمور، أحدها معرفة العروض تعلما وطبيعة، والثاني معرفة النحو كذلك، والثالث وجود سليقة فيه، وإلا فلا ينفعه العلم إلا تكلفا"[ - القانون في أحكام العلم العالم وأحكام المتعلم: الحسن اليوسي، تحقيق وشرح وتعليق وفهرسة وتقديم حميد حماني ، مطبعة شالة الرباط – الطبقة الاولى 1998 ص 147.]، فاليوسي يركز على جانب السليقة والعلم، والإقبال على قول الشعر تكلفا ودون علم بحقيقته يؤدي إلى فساده من جانب الصياغة التي ركز عليها كثير من النقاد القدماء؛ وذهب الآمدي إلى أن الشعر ليس مجرد شكل "يحتذى وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بماله، غير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف[ - الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري: أبو القاسم الآمدي تحقيق احمد صقر – دار المعارف – مصر – ط 3/1972/ ص 380.]" فطريقة الإبداع لا تنحصر في مجرد القول، وإنما في كيفية القول، وبالرغم من تدخل عوامل خارجية لا تتعلق بشكل وطريقة القول الشعري، كالأجواء الاجتماعية والنفسية والجغرافية، فإن هذه العوامل لا تؤثر في المفاهيم الجمالية التي يجب أن تتحلَّى بها القصيدة، ويرى الجاحظ أن "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير"[ - الحيوان : الجاحظ / تحقيق وشرح عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت ط 2/ ح 3/ص 444.]، فكيفية قول الشعر لها علاقة بتحديد مفهومه وهذا ما أشار إليه أبو هلال العسكري بقوله"وليس الشعر في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي.. وإنما في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته..."[ - الصناعتين لأبي هلال العسكري: تحقيق مفيد قميحة / دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان 1989 : ص 72 ]، والشعر لا يتحقق إلا بكيفية الإنجاز، وقد اعتبر اليوسي الشعر من بين علوم ستة، هي علم البديع، وعلم الميزان، وعلم القافية، وعلم الشعر، وعلم الكتابة، وعلم النقد[ - ينظر القانون : أبو الحسن اليوسي : ص 146]، ولعل هذا العلم يتطلب معرفة واعية ونقدية، بأصول القصيدة العربية، فهو يكشف عن تمثل واضح لمذاهب الشعر عند القدماء، وعن استيعاب لأهم النظريات النقدية القديمة في مجال الشعر. فالشعر البدوي هو بناء فني متميز ومستقل عن الشعر الحضري[ - تطلعا إلى إثراء المعرفة الشعرية : محمد الدناي ص 86]، بل يرى أن الجمع بين مذهب البداوة ومذهب التحضر، هو إفساد للبناء الشعري لا يستطيع تفاديه إلا حذاق الشعراء أمثاله[ - نفسه : ص 86]؛ ويرى الدكتور محمد الدناي أثناء دراسته لمفهوم الشعر عند اليوسي من خلال كتاب "نيل الأماني في شرح التهاني" أن الشاعر اليوسي يعتبر الخلط بين المذاهب الفنية في القصيدة الواحدة أمر لا يليق بالشاعر الحريص على جودة أشعاره[ - نفسه : ص 86]، فاليوسي بحسب رأي الدكتور محمد الدناي كان مدركا طريقة القدماء في توزيع الأغراض الشعرية داخل القصيدة، فالنسيب عنده غرض تفتتح به القصائد والاستعطاف غرض يأتي في آخر القصائد...[ - نفسه : ص 86]، إن هذا المفهوم الذي قدمه اليوسي مرتبط بأصالة القصيدة العربية القديمة، وبمسألة الهوية الشعرية التي يتشبث بها أغلب شعراء الجيل الأول في فجر الدولة العلوية، وبهذا الأمر فهو يحاول امتلاك سلطة معنوية نابعة من مسألة الثقافة الموسوعية التي يمتلكها وكذلك مضاهاة التجربة الشعرية المشرقية، لكن سلطة امتلاك اللغة الشعرية المناسبة، لا تتأتى إلا عن طريق العلم والصناعة، والوعي النقدي، وقد ساد هذا التصور عند شعراء آخرين منهم أبي سالم العياشي، وعبد القادر التستاوتي، و ذهب جيل الشعراء الشباب الذين جاءوا بعد جيل اليوسي في تلك الفترة إلى نفس هذه التصورات، لكن مع تأثر شديد بمظاهر الحياة الحضرية، فالشاعر علي مصباح الزرويلي قد أشار في مقدمة كتابه " أنس السمير في نوادر الفرزدق وجرير"[- ينظر مخطوط أنس السمير في نوادر الفرزدق وجرير: تأليف على مصباح الزرويلي، مح. م . ح .ع. رقم 300 -5 / القسم الأول ورقة 91] إلى أن " الشعر هو العلم... والشاعر العالم، ومنه ليت شعري، كذا في القاموس، هذا تفسير الشعر والشاعر في أصل اللغة"[ - نفسه : ورقة 91
+ (يلاحظ أن رأي علي مصباح الزرويلي مقتبس من طبقات فحول الشعراء / وكتاب العمدة ..)]، أي إن الشعر ليس مجرد كلمات نابعة من الشعور، بل هو عملية مرتبطة بالعلم والوعي النقدي واللغوي والبلاغي والبياني، وهذا العلم بمثابة سلطة معنوية تتحقق من خلالها البطولة الشعرية، ويذهب في نفس السياق معاصره الشاعر ابن الطيب العلمي، حيث يرى أن مسألة العلم بأسرار القصيدة أمر ضروري، يقول[ - شعر ابن الطيب العلمي: جمع وتحقيق ودراسة عبد الرحيم الراجي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا – كلية الآداب والعلوم الانسانية الرباط – 1985 (مرقونة) : ص 222]:
الشعر عند ذوي البصائر والبصر
علم يجل عن النظائر في النظر

والعلم بحقيقة الشعر يؤدي إلى التفوق وتحقيق البطولة الشعرية، خصوصا وأن الشعر الذي تولد لدى الشاعر المغربي في هذه الفترة، ليس سوى سلطة معنوية تواجه سلطة القهر والقوة يقول الشاعر مصباح الزرويلي:[ - ديوان على مصباح الزرويلي: دراسة وتحقيق محمدي حسن - عالم الكتب الحديثي الطبعة الاولى 2011 ص 71]
هو الشعر فلتخضع إليه العوالم
له كلمات نافذات كأنها
فكم نبهت من خامل الذكر فارتقى
وكم وضعت من شامخ العز إنها
وتذعن لنجواه الملوك الأعاظم
سيوف بأيدي الفاتكين صوارم
مراقي تحكيها النجوم الرواجم
بذاك وذا بين الأنام حَواكِمُ

والشاعر يرى أن الشعر هو سلطة معنوية فتاكة، والقصيدة بمفهومها التقليدي القديم، سلاح قادر على إخضاع الآخر والتأثير فيه بسحر البيان والرهبة والخوف، ولعل الإحساس بمسألة التفوق، كان معروفا مند فجر الدولة العلوية، فاليوسي كان من الشعراء الذين رفضوا الانصهار في فضاء حاضرة فاس خصوصا وأن وجوده فيها كان أمرا قسريا، حيث عمل السلطان المولى رشيد على تهجير علماء الزاوية الدلائية وأدبائها إلى مدينة فاس ومن الطبيعي أن ينشأ صراع فكري وعلمي بينهم وبين علماء المدينة وأديانها، وشكل هذا التفوق العلمي والأدبي دورا فاعلا في ظهور صراع مرير بين أهل البوادي وأهل الحواضر، ومثل هذا الصراع، جعل الشعر في كثير من الأحيان مقترنا بمفهوم التفوق.[ - ينظر المعسول: محمد المختار السوسي، مطبعة النجاح الدار البيضاء 1960 – (نص نفحات الشباب المضمن داخل الجزء 18)]
لقد الشاعر في العصر الإسماعيلي كان على وعي بحقيقة المذاهب الشعرية القديمة، وهذا الوعي يختلف باختلاف التوجهات الثقافية والعلمية التي تميز جيل اليوسي عن جيل ابن الطيب العلمي وابن زاكور وعلي مصباح الزرويلي، وهي توجهات مرتبطة بمرجعيات مختلفة، فتوجه القصيدة المغربية في هذه الفترة تدخلت فيه عوامل خارجية لها علاقة بالتاريخ والمكان والجغرافيا، هذا التوجه انطلق من أمرين مهمين هما:
علاقة الشعر بالدين والزوايا والتصوف.
علاقة الشعر بجمالية اللغة وسحرها، من خلال ترسيخ النموذج الشعري البدوي الأصيل.
سعى الشعراء بعد جيل اليوسي، في كثير من الأحيان إلى التخلص من قيود الشخصية الفقهية الملتزمة وعمل بعضهم كابن زاكور إلى تحقيق استقلالية الأديب، وبذلك بدأ الشعر يتحرر بعد فترة اليوسي والعياشي والتستاوتي من سلطة الدين ومؤسسة الزوايا، ليصبح مرتبطا بسلطة المكان، خصوصا لدى الشعراء الحضريين كابن الطيب العلمي.
هذا التوجه الشعري الجديد الذي ظهر لدى شعراء الحواضر يتناقض مع التصور النقدي / الفني الذي رسخه جيل اليوسي، إذ بدأ هذا التصور يضمحل بسبب تزايد سلطة السلطان المولى إسماعيل وقوته، وبسبب تقلص أو غياب مؤسسة الزوايا المعارضة وأقطابها، وظهر جيل جديد ينزع نحو ازدواجية الخطاب الشعري، فهم أقبل على المديح الرسمي، وفي نفس الآن على شعر الزهد والتصوف، كما نجد نزعة الأبيقورية واللذة حاضرة في أشعارهم (ابن الطيب العلمي والصاحب الشرقي..)، وأحيانا ينساق الشاعر علي مصباح الزرويلي البدوي مع مذهب الشعراء الحضريين، لتأكيد علو كعبه في مجال نظم الشعر.
ب- مرجعيات سلطة الشعر في فجر الدولة العلوية
أشرنا سابقا إلى أن حركة النص الشعري انطلقت من مجموعة من التصورات التي تم رصدها، وهذه التصورات تولدت من تاريخية النص الشعري، والانسجام مع المحتوى الثقافي، وسلطة الشاعر المعنوية إضافة إلى علاقة الشعر بالمجال الديني / الروحي.
لذلك فإن الشعر المغربي في فجر الدولة العلوية باعتباره سلطة معنوية مؤثرة وفاعلة مرتبطة بالسحر والجمال اللغوي والبلاغي، استمد مشروعية سلطته من عدة مرجعيات، منها :
مرجعية الذاكرة الشعرية وسلطة الأماكن
يعتبر حفظ المتون الشعرية القديمة، ودراسة المصنفات الأدبية مشرقية أو أندلسية مظهرا من مظاهر تأكيد علاقة التماثل بين المشرق والمغرب، وعاملا من عوامل توجيه الشاعر المغربي في فجر الدولة العلوية، فقد كان اليوسي يحفظ عن ظهر قلب دواوين كبار الشعراء كالمتنبي وأبي تمام والمعري، فيقوم معبرا عن تفوقه الشعري "لو شئت أن لا أتكلم شعرا لفعلت"[ - صفوة من انتشر من أخبار وصلحاء القرن الحادي عشر : محمد الافراني طبعة حجرية : ص 206]، وكذلك كان كثير من شعراء الفترة. حيث حفظوا المقامات الحريرية، وقصائد كثيرة للمتنبي والبحتري، وجرير والفرزدق والأخطل وأبي نواس وبشار بن برد فضلا عن المعلقات، وقد استحضروا كثيرا من حماسة أبي تمام ومن الحماسة المغربية[ - سوس العالمة : المختار السوسي / مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر / الطبقة الثانية 1984 – ص 66]، على أن الحفظ لا يعني إعادة الإنتاج الفكري أو الأدبي، وإنما هو إعادة قراءة جديدة، واستعانة بهذه المحفوظات التي تساعد على إثبات القيمة العلمية والقدرة على مجاراة الخصوم.
إن الحفظ مقرون بقوة الذاكرة وسرعة البديهة، ولهذا فإن إقبال الشعراء على حفظ متون الشعر القديم، ليس مجرد عملية تدخل في إطار المنهج التعليمي الذي دأبت عليه العديد من الزوايا والمدارس المترامية في البوادي أو الحواضر، بل إن هذا الاستظهار والحفظ بمثابة سلطة فنية يمتلكها الشاعر، فيتحول الماضي إلى حاضر جديد، ويصبح الزمان والمكان مخترقين بحس غير واقعي[ - جماليات المكان : غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الثانية 1984 – ص 39]، فالإبداع الشعري يكون مرتبطا بما استوعبته الذاكرة من محفوظات؛ واليوسي في هذه المسألة يربط بين العلم والصناعة والموهبة مع ضرورة مراكمة كم هائل من المحفوظات الشعرية القديمة، ومراكمة هذه المحفوظات هو نزوع وميل نحو ترسيخ قصيدة عربية الأصول وبدوية الطبع وذات دلالات فنية إلا أن عبد الرحمان الفاسي يعتبر الحفظ جزءا من الثقافة العربية... وهو من أنواع شعر العرب[ - الاقنوم في مبادئ العلوم : عبد الرحمان الفاسي، مخ. م. ع. الرباط رقم 15 ك. ص 57 ] فهو يشترط في مسألة الحفظ نسيان ما استوعبته الذاكرة.[ - نفسه : ص 57] يقول:
وقيل في المحفوظات شرط النسيان
وتتكيف به النفس، لأن
ليمحى لفظه عن اللسان
تقول في أسلوبه قولا حسن

إن المحفوظ الشعري لدى الشاعر في هذه الفترة هو احتجاز فني للقصيدة العربية القديمة في مقصورات الذاكرة[ - جماليات المكان : ص 39] وهي مقصورات تأخذ أبعادها من خلال الوعي الفني والمذهبي بأصول القصيدة ومكوناتها الفنية، كما أن الذاكرة الشعرية هي تجسيد لاستمرارية البطولة الشعرية والتفوق. إن الحفظ واستلهام أعماق الذاكرة الشعرية لا يتحقق إلا من خلال العلم والصناعة الشعرية. ومن خلال استلهام عناصر الأماكن التي تم ترسيخها ضمن المقومات الفنية للقصيدة القديمة، فسلطة المكان في الشعر القديم تبدو سلطة قوية وغريبة، وفي الصحراء ولد الشعر وبها يعيش. فعندما قتل أبو نواس أدبه الشعري أحياه أبو تمام بالصحراء[ - تطلعا إلى اثراء المعرفة الشعرية، محمد الرناي ، ص 8]، وقد أشار الدكتور عبد الله الطيب إلى مسألة ظاهرة المكان في الشعر العربي "فالشعراء الأوائل فطنوا إلى ما في تسمية المواضع من تأثير سحري، وإلى قوة اللون العاطفي الذي تشيعه في المقدمات النسيبية، وإلى عنصر اللا واقعية الملابس لها، وإلى عنصر الحنين الخالص الذي يخاطب الوهم فيها، فحفزهم هذا على الإكثار منها في أشعارهم[ - المرشد : ج II: ص 78]، إن المكان كتصور هندسي حقيقي، حينما يتحول إلى ذكريات تتجاوز الرسوم الهندسية، يصعب استعادة عناصره الحساسة كالضوء والأصوات والروائح، لكن حسب غاستون باشلار، فالشعراء هم القادرون على إمدادنا بوثائق ذات طبيعة نفسية دقيقة في لمحات الذاكرة الدقيقة[ - جماليات المكان : ص 77]، ولعل تعدد الموضوعات والأماكن في الشعر القديم باعتباره منطلقا فنيا أكسب القصيدة العربية أصالتها، لم يعد يتناسب مع التطور الحضاري الذي عرفته الدولة الإسلامية، مند عصر الأمويين، فقد فطن الشعراء الذين جاءوا بعد جرير إلى الناحية الفنية السحرية في شعره، وبحسبك أن تنظر في دواوين البحتري ومهيار الديلمي والشريف الرضي، فعندهم ما يوشك أن يوقع في خلدك أنهم قد طوفوا آفاق الجزيرة العربية، وعرفوا منها ما عرفه جرير، رغم أن هؤلاء مولدون حضريون[ - المرشد : ص 80]، وقد برر الدكتور عبد الله الطيب سيطرة هذه الأماكن لديهم ولدى شعراء الشعوبية، بسبب الجمالية الصورية التي يضفيها ترديد المواضع على جو القصيدة[ - نفسه : ص 81]، رغم أن مدرسة المجان جعلت أحد منطلقاتها الأساسية، الهجوم والسخرية من الوقوف أو البكاء على الأطلال[ - جماليات المكان : ص 8] وغيروا الأماكن البدوية القديمة، بأماكن حضرية جديدة كالأديرة التي أصبحت مطلبا رمزيا لدى المتصوفة من الشعراء.
ولهذا فإن شيوع الظاهرة المكانية لدى شعراء الفترة المدروسة هي تجسيد لاستمرارية البطولة الشعرية، وهذه سمة ملازمة للشاعر المغربي في فجر الدولة العلوية، فإذا كان اليوسي قد حاول تأسيس مدرسة شعرية، يكون أحد منطلقاتها التركيز على الأماكن ودلالاتها من خلال بنية الذاكرة الشعرية والمحفوظات، سواء في المديح السلوكي، أو الصوفي، أو أثناء رثائه للزاوية الدلائية، فإن الأجيال التي جاءت بعده، حاولت ترسيخ مفهوم جديد للقصيدة العربية يقوم على جعل البيئة طرفا أساسيا، وهذا ما يفسر وجود صراع ثقافي وسياسي بين أهل البوادي وأهل الحواضر، ومطولة اليوسي في مدح شيخه محمد بن ناصر الدرعي :
قل للمقل من الدراية والتقى
ألمم بدرعه لا أبالك ترفد

نموذج للقصيدة المادحة في صورتها المكتملة، فقد استثمر اليوسي مخزون المعاني المادحة الذي رسخ في الذاكرة من خلال تنوع المحفوظ الشعري، ويؤكد الشاعر في داليته، أن ممدوحه ينتمي إلى صنف الممدوح المثال/ النموذج الذي يجب أن يمدح في ظل ظروف سياسية متوترة، ويمكن القول إن هذه الدالية هي وثيقة تاريخية تعبر عن مدى تمسك الشاعر في هذه الفترة بسلطة النموذج الشعري، واستلهام الذاكرة المكانية القديمة، للرفع من شأن الممدوح/ شيخ الزاوية الناصرية. إن الأماكن التي سادت عند اليوسي أو العياشي أو عبد القادر التستاوتي، هي أماكن تولدت عن مفهوم الذاكرة الشعرية أو ما يسمى بالطفولة الشعرية حسب غاستون باشلار، وهي أماكن ذات حساسية بدوية سادت في شعر المديح النبوي والسلوكي، وقصائد التصوف، وهذا المذهب الشعري الذي ساد لدى جيل اليوسي، ظل مستمرا مع بعض شعراء الجيل الثاني كعلي مصباح الزرويلي، الذي يحاول التشبث بمذهب البداوة، رغـم أنـه اتجه إلـى المديـح الرسمـي، يقـول فـــي مـدح الوزيـر اليحمـدي مضمنا قصيـــدة كثيـر عـزة[ - هذه القصيدة مضمنة من قصيدة كثير عزة التي مطلعها :
]:
خَلِيليَّ هَذَا رَبْعُ حُبِّي فأَنزِلِ
وَغَفْرٌ بِأَرْضٍ حَلَّ فِيهَا وَقبِّلِ[ - ديوان مصباح الزرويلي : ص 68]

وإشارة الشاعر علي مصباح الزرويلي لمثل هذه الأماكن البدوية، هي إشارة لقيم إنسانية عميقة منبعثة من الذاكرة، وهي بمثابة أماكن أحلام اليقظة، تعيد تكوين نفسها من خلال حلم جديد، وإعادة التكوين التي يقوم بها الشاعر تمر عبر مقصورات الذاكرة[ - جماليات المكان : ص 44]، حيث تصبح الأماكن القديمة متوافقة مع الزمن والبيئة، بل ومتوافقة مع ثنائية القديم / الحديث، وحينما نشير إلى إعادة تكوين الأماكن، فإننا نقصد بالضبط، التجاوز الفني لمفهوم التكرار والتكلس والنمطية التي عرفتها القصيدة العربية، واستعادة هذه الأماكن ثم تمثلها في الشعرية المغربية عصر المولى إسماعيل، هو تجاوز للاستعمال الوظيفي للذاكرة، فالنسيان شرط الحفظ بحسب رأي عبد الرحمان الفاسي، والذاكرة تصبح أكثر توهجا عندما تقترن بالخيال في إطار موضوعية التاريخ النفسي مع الجغرافي، وهذه العوامل هي التي تحدد الوجود الحقيقي لهذه الطفولة الشعرية[ - جماليات المكان: ص 44] فالذاكرة آلة ووسيلة مساعدة على تبلور الوعي النقدي والفني بحقيقة الشعر ومفهومه، كما أن الذاكرة تظل حية نافعة شعريا، لأنه من خلال الطفولة الشعرية يتم الاحتفاظ بشعر الماضي[ - نفسه : ص 44]، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار سلطة الأماكن ومرجعية الذاكرة الشعرية من أهم المرجعيات الفنية التي تحكمت في صياغة المفهوم الشعري/ النقدي الواعي فجر الدولة العلوية، خصوصا على يد الرواد الأوائل كاليوسي وعبد القادر التستاوتي وأبي سالم العياشي.
مرجعية سلطة القيم والأخلاق
لقد وجد الشعر في ظل الإسلام فضاء تعبيريا وإبداعيا جديدا، ومذهبا له مقوماته وخصائصه الفنية في إطار المنهج الإسلامي، أو ما اصطلح عليه بالإسلامية[ - انظر في هذا الصدد : - الاسلامية والمذاهب الأدبية لنجيب الكيلاني
- الواقعية والإسلامية في الأدب والنقد : أحمد بن سالم ساعي
- منهج الفن الاسلامي : محمد قطب ...]. ويذهب محمد قطب يذهب إلى اعتبار الإسلامية ذلك "الفن الذي يرسم صورة للوجود من زاوية التصور الإسلامي، وهو ذلك التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان[ - منهج الفن الإسلامي : محمد قطب / دار الشروق – بيروت / الطبعة السادسة 1983 – ص 6-7]، والإسلام أقر الشعر شريطة أن يكون أداة لخدمة الدين، فهو وسيلة تعبيرية، يعلو ويشرف بقدر ما يقدمه من مبادئ تنير للناس طريقهم، وذلك من خلال التشبث بالربانية والثبات والشمول والتوازن والإيجابية والواقعية والتوحيد[ - ينظر كتاب خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب]، فالشاعر في ظل الإسلام يكتب قصيدته بحيث تولد في نفس المتلقي مشاعر وحالات روحية عميقة، تدفعه لنصرة الدين، وهذا الأمر جعل القصيدة الإسلامية شكلا متطورا ومنقحا لطريقتي المدح والهجاء، وقد طرح منهج "الإسلامية" إشكالية عميقة تتعلق بقضية التواصل بين المفاهيم النقدية، والقيم الإسلامية، فكثير من النقاد لاحظوا تأثير الدين والأخلاق في الشعر، مما أدى إلى التأثير في المفاهيم النقدية القديمة؛ ويعتبر قدامة بن جعفر أول بلاغي عربي حاول أن يقنن مفهوم الشعر في كتابه "نقد الشعر" حيث رفض استعارة أحكام غريبة عن طبيعة الشعر وتطبيقها عليه، ومن تم رفض تطبيق الأحكام الأخلاقية المرتبطة بالصدق والكذب، وأي حكم خارجي، لا قيمة له أمام المعايير النقدية، إلا أن نقادا آخرين ذهبوا إلى اعتبار الصدق قيمة أساسية داخل المنظومة الإبداعية فالآمدي يحرص على قيمة الصدق في الشعر[ - تاريخ النقد الأدبي عند العرب: احسان عباس – دار الثقافة – لبنان ص 70 ]، والباقلاني ينكر التفحش الشعري[ - نفسه : ص 345]، وعبد القاهر الجرجاني يرفض عبث الشعراء بالمفاهيم الدينية أو الاستهانة بها على سبيل الأغراب[ - تاريخ النقد الأدبي عند العرب : ص 430]، وابن رشيق يذهب إلى حد الحكم على الشاعر خلقيا وذلك بأن يكون "حلو الشمائل حسن الأخلاق، طلق الوجه .. مأمون الجانب... شريف النفس"[ - العمدة : ح 1/ ص 196]، لكن حازم القرطاجني يذهب بخلاف هذه المقولات النقدية، و يدعو إلى تأسيس التخييل الشعري على مبدأ الكذب[ - منهاج البلغاء وسراج الأدباء : حازم القرطاجي – تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة - دار الكتب الشرقية تونس 1966 / ص 77]، وهي نظرية نقدية مناقضة للمنهج الإسلامي في مقوماته وعناصره، ولعل ابن الخطيب قد تنبه إلى هذه المسألة من خلا تأليفه كتاب " السحر والشعر" حيث اعتبر الجانب المتعلق بالسحر هو ذلك الجانب الذي يغلب عليه المعيار الجمالي والفني، أما جانب الشعر في رأيه، فله علاقة بالدين والأخلاق[ - السحر والشعر : ابن الخطيب : تحقيق ودراسة قدور ابراهيم عمار دائرة الشؤون الثقافية والنشر 1975 / ص 8]، ومفهوم الشعر يقترن بالجد والالتزام الأخلاقي، أما مفهوم السحر فيقترن بالإبداع والحرية، والشعر بحسب النظرة الإسلامية فاعلية وإدراك للواقع، وتأثير نفسي يصدر عن وعي كامل، وعقل راجح، أما عندما يتحول الشعر إلى "سحر" بحسب رأي لسان الدين ابن الخطيب، أو إلى مجرد هزل، فإنه ينطلق من منظومة الكذب والرفت الشعري الذي يجوزه قدامة بن جعفر[ - تاريخ النقد الأدبي عند العرب : ص 189]. وعلى العموم فإن قضية الصدق والكذب تشكل مظلة واسعة تندرج تحتها كل القضايا الخاصة بعلاقة الشعر والواقع الخارجي، وتجسد الغايات العملية والأخلاقية التي قد لا تتطابق في كثير من الأحيان مع حرية الإبداع.
كان الشعر مع بداية فجر الدولة العلوية، منتعشا في ظل ظروف اجتماعية وسياسية، وأخرى تتعلق بالشخصية المغربية التي كانت متشبثة بالهوية الإسلامية، وكان الشعر الدلائي محافظا على الروح الإسلامية، مراعيا لما يفرضه الدين من طقوس وتعاليم، ومن تم فإنه لم ينصرف إلى موضوعات الخلاعة والمجون[ - الشعر الدلائي : عبد الجواد السقاط / مكتبة المعارف – ارباط 1985 / ص 311] فلا نكاد نعثر في أشعارهم على موضوعات الخمريات أو الغزل الفاحش أو التعهر الشعري، وهي أشعار تتصف بالنزاهة والابتعاد عن طابع التملق والاستجداء، وقد كانوا يمدحون اعترافا بالجميل لا حبا في المال، كما أنهم يرثون تحسرا صادقا[ - نفسه : ص 311]. فالشعر الدلائي ظل محاطا بسياج من الصدق والواقعية، وهذا لا يمنع من القول بوجود شعراء خالفوا هذه المميزات كأبي العباس الدغوغي[ - كان شاعرا رسميا للزاوية الدلائية ، وضاع كثير من شعره أثناء تخريب الزاوية، ينظر في نزهة الحادي ص 243 / والحركة الفكرية في عهد السعديين ج 1/28] الذي اعتبر شاعر الدلائيين الرسمي.
يعتبر اليوسي أهم من تطرق إلى مفهوم الشعر، في علاقته بالقيم الإسلامية، فالشعر الجيد في رأيه هو الذي "يمنع من الجهل والسفه"[ - زهد الألم في الأمثال والحكم : الحسن اليوسي / تحقيق محمد حجي ومحمد الاخضر – دار الثقافة – الدار البيضاء 1981 / ج 1/48 ] وهذا المفهوم ينطلق من معايير أخلاقية تأخذ بعين الاعتبار غاية التجربة الشعرية ومقاصدها، فالشعر الذي يتضمن الثناء على الله تعالى أو مدح الرسول.. وكل من يجب تعظيمه وتوقيره والثناء عليه في الدنيا، والترغيب في الآخرة، فهو مندوب إليه مرغب فيه[ - نفسه : ج 1/48 ]، أما الشعر الذي يتضمن الهجاء، فاليوسي لا يرى مانعا فيه مادام يعمل على الدود عن الإسلام، أما إذا تحول إلى فحش ورفث وسباب وطعن في الأعراض فهو حرام، أما الشعر الذي اشتمل على وصف القد والخد والمجون التي تحرك دواعي الشهوة والغواية فهو قد يحرم وقد يباح بحسب حال القائل والمخاطب[ - نفسه : ج 1/48 ]، إلا أن اليوسي لم يعتمد على المعيار الأخلاقي كليا في إصدار أحكامه، فهو لا يحرم الكذب في مجال الشعر، لكنه بالرغم من جوازه، لا يفضل أن يتحول هذا الكذب إلى مبالغة وإيغال[ - نفسه : ج 1/49].
انطلق اليوسي في تحديده لمفهوم الشعر، من حافزين اثنين كما يذهب إلى ذلك الدكتور عباس الجراري[ - عبقرية اليوسي، عباس الجراري / دار الثقافة – مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء / الطبعة الأولى 1981 - ص 19]، هما :
إيمانه الصوفي العميق
تأثره بعادات وتقاليد اجتماعية
إن الانحياز لترسيخ مفهوم شعري قائم على الإسلامية في فجر الدولة العلوية، ربما يفسر قلة المديح الرسمي الذي يختص بمدح الملوك والأمراء، خصوصا مع جيل الرواد " الذين عاصروا المولى إسماعيل، باعتباره المؤسس الفعلي للدولة العلوية، والتحول الذي أصاب القصيدة المادحة مند عصر السعديين، هو تحول مرتبط بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها الفترة، ومرتبط بطبيعة الشخصية المغربية (الفقهاء / العلماء)، ولعل الاختلاف الحاصل في الشخصية ذاتها أعطى صبغة من التنوع على مستوى التجربة الشعرية، فالعياشي اهتم بالأمداح والحجازيات النبوية التي لا توجد كثيرا عند اليوسي، كان يلتمس في النبويات الفرج بعد الشدة النفسية التي تغيبه عن الواقع المنهار[ - أدب التستاوتي : محمد الطريبق – رسالة جامعية مرقونة / الرباط 1986 ح 3/496.] وفي هذا الالتماس تقاطع مع ظاهرة التوسل الشعري بين يدي الصالحين التي وجدت في شعر اليوسي، كما أن نبويات العياشي وحجازياته تختلف كثيرا عن تلك التي عرفناها في العصر السعدي، نظرا لخلوها من مدح السلطان، فالمدائح النبوية في هذا العصر لدى كل من العياشي واليوسي، نشأت في ظل التصوف الناتج عن ضغط السلطة السياسية.
إن الشعر في هذه الفترة، لم يستطع التحرر من الثقافة السلوكية، التي كان العنصر الديني فيها هو السائد والموجه لها.
فالملامح الفقهية والعلمية شكلت أساس هذه الثقافة، ومن تم فإن الفصل بين المكونات الثقافية والروحية / النبوية، وبين الشاعر والفقيه، هو أمر في غاية الصعوبة لطبيعة الشخصية المغربية العالمة التي تميزت بالموسوعية، ولعل سيادة شعر المديح النبوي والسلوكي، كان استجابة للظروف الاجتماعية والتاريخية، وقد استنتج الأستاذ محمد بن تاويت، وهو يدرس شعر اليوسي إلى أن طابع "الجدة" هو الصفة الغالبة على شعره، وهي صفة غالبة على جيل الرواد من الشعراء الذين عاصروه، فأبو سالم العياشي كان يحاول في إطار قصيدة المديح النبوي طرح رؤية فنية تمزج بين المفاهيم النقدية والقيم الإسلامية حيث يدعو إلى ترسيخ مقومات القصيدة العربية فنيا، وفي نفس الآن يرى أن الرسول أحق بالمديح من دون غيره "وإذا كان الشعر يهدى إلى أبواب الرؤساء والأمراء، والفضلاء فتستحسنه العقول ويتلقاه الناس بالقبول، ولا باب أكبر وأعظم ولا مقام أعلى وأكرم، ولا أحد أرأس وأفضل من سيد الوجود ..."[- الثغر الباسم في جملة من كلام أبي سالم، محمد بن حمزة بن أبي هاشم مخطوط / خ.ع. ل /304 -396 ]، وعلى هذا الأساس فإن شعر المدحة النبوية هو غاية الشعراء، من خلال حرص العياشي على المقومات الفنية، فهو يرفض موقف بعض النقاد في قضية ضعف إبداع المدحة النبوية، كالباقلاني الذي يرى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر، وابن حزم الذي يعتقد أن المواعظ والحكم والمدائح النبوية خارجة عن حد الشعر، لأنها تقوم على الصدق، بينما الشعر يقوم على الكذب، وابن خلدون الذي يذهب إلى أنه من الصعب الإجادة في الربانيات والنبويات، لأن معانيها متداولة بين الجمهور، فتصير بذلك مبتذلة ، لكن إقبال الشعراء في هذه الفترة على الشعر المرتبط بالقيم والأخلاق والدين، كان مبعثه السلطة الدينية التي كانت نابعة من إشعاع الزوايا، وسيادة ثقافة التصوف، فالإبداع الشعري لدى جيل اليوسي، كان دعوة إلى مبدأ "الإسلامية" ونفورا من شعر التكسب، والتشبث بالمعيار الأخلاقي، والدعوة إلى ربط مفهوم الشعر بالدين هي دعوة فنية وتوجيهية، تتحكم فيها مميزات الشخصية المغربية، والبواعث الثقافية لهذا العصر، ولهذا فإن الجيل الثاني الذي جاء بعد جيل اليوسي، تجاوز كثيرا من هذه المفاهيم النقدية التي حاول جيل الرواد ترسيخها، حيث ظهر ثلة من الشعراء الحضريين كابن زاكور وابن الطيب العلمي وغيرهما ممن تجاوز هذا المعيار الأخلاقي/ الديني، واعتمد مبدأ الحرية في التعبير، مع استلهام مفهوم السحر الذي أشار إليه لسان الدين ابن الخطيب، هذا التحول، أدى إلى نشوب صراع في هذه الفترة بين الشعراء البدويين والشعراء الحضريين.[ - ينظر نفحات الشباب لابن إبراهيم الروداني المضمن في كتاب المعسول للمختار السوسي ج 18.
الصراع الذي نشب بين علي مصباح الزرويلي وابن الطيب العلمي]
مرجعية سلطة الزوايا
إن تتبع سيرورة الحركة الشعرية في مغرب القرن الحادي عشر، يفرض في كثير من الأحيان تتبع المجال الجغرافي الذي احتضن الشعر والشعراء، ففي فجر الدولة العلوية، كانت خارطة الشعراء تتوزع بين المدن والبوادي، ويبدو أن فترة ما قبل السلطان المولى إسماعيل قد عرفت نزوح العديد من الشعراء إلى بعض المناطق النائية البعيدة عن مركز القرار، إذ إن مؤسسة الزوايا جاءت نتيجة الفراغ السياسي والاجتماعي والثقافي الذي شهدته هذه الفترة، خصوصا بعد انهيار الحكم السعدي، وهكذا شهدت الحركة العلمية في المغرب بعد وفاة المنصور الذهبي، فتورا كبيرا لاسيما عندما أراد السلطان المأمون بن المنصور الملقب بالشيخ، من العلماء أن يوافقوا على احتلال العدو لمدينة العرائش، فلم يرتضوا ذلك، وخرج الكثير منهم فارين بدينهم إلى البوادي[- النبوغ المغربي في الادب العربي – عبد الله كنون – دار الكتاب اللبناني – بيروت الطبعة الثالثة : 1975 ، ج1/274 ]. ويذهب الأستاذ علال الفاسي إلى أن القرن الحادي عشر كان عصر انحطاط في الهمم، وتقاعس في العزائم، وإسفاف في الأفكار، وهو عصر عم فيه الجهل جميع الأنحاء المغربية، وكثرت فيه الفتن والقلاقل، إلى حد أصبح عسيرا معه طلب العلم والجد فيه"[ - مجلة المغرب العربي الجديد / السنة الأولى، العدد الرابع ، سنة 1935 – ص 18] ولعل تركز الصراعات السياسية بين الأمراء في المدن أدى إلى نضوب الإشعاع الثقافي فيها، إذ سطع هذا الإشعاع في ربوع البادية المغربية التي اشتهرت فيها عدة مدارس علمية منبثة في السهول والصحراء وسوس وجبال الأطلس والريف[ - عبقرية البوسي : عباس الجراري ص 37] وقد كانت هذه البوادي مركزا للزوايا التي ظهرت كمؤسسة منافسة للسلطة، تلعب دورا مهما في سد الفراغ الذي عرفته الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية / العلمية والدينية، وظهورها جاء في اللحظة التي فقد فيها المجتمع ثقته بالسلطة فأصبحت غير قادرة على توفير الأمن والعدالة.
لقد عرف المغرب في هذه الفترة حركة مزدهرة للزوايا كالزاوية الدلائية والزاوية العياشية والزاوية ناصرية، فالزاوية الدلائية كما يرى الأستاذ عبد الله كنون ، كانت تشهد توهجا فكريا وعلميا وأدبيا، وأحيت دماء الأدب في المغرب بعد عدم[ - حل وبقل : عبد الله كنون ، المطبعة المهدية – تطوان د. ت . ذ.ط ص 275] فالشعر الدلائي هو نتاج لمشاعر مختلفة، تجسدت من خلال الأغراض الشعرية التي طرقها الشعراء، خصوصا المديح النبوي والغزل والرثاء، ولعل رثاء الزاوية الدلائية هو رثاء لمكان مترسب في الذاكرة له علاقة بالمفهوم الشعري الذي طرحه بعض الشعراء الكبار، وعلى رأسهم أبو الحسن اليوسي، ورائيته التي رثى بها الزاوية الدلائية هي طريقة في الشعر العربي عامة، والشعر المغربي خاصة، لأنها لا تتعلق برثاء شخص، وإنما تتعلق برثاء معهد من المعاهد الحبيبة إلى نفس الشاعر.[ - الوافي في الادب العربي : ج 3/744] يقول في مطلعها.[ - ديوان اليوسي : طبعة حجرية : ص 173]
أكلّف جفن العين أن ينثر الدُّرا
فيأبى ويعتاض العقيق بها جمرا

واليوسي في ظل ارتباطه بمؤسسة الزاوية الدلائية، يعبر في رائيته عن شعور بالمرارة والحزن والحسرة، ويعكس مدى الحنين إلى الديار، وهو إحساس وجدناه في أمهات القصائد القديمة، فسلطة الشعر تشكل متنفسا للتفريج عن الكُرَبِ التي يحس بها كل منتم إلى الزاوية الدلائية، وكذلك تضمنت بعض الموضوعات الشعرية كالوصايا والمواعظ والحكم، التي تحيل على المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها اليوسي، ونلاحظ أنه ذيلها باثنين وعشرين بيتا بنيت من الناحية التركيبية بناء شرطيا كما في قصيدة زهير الشهيرة، من حيث ترديد بعض أفكار زهير في الحكمة مثل قوله:[ - ديوان اليوسي : ص 137 / وهو متأثر في هذا البيت بيت زهير بن ابي سلمى
ومن يصنع المعروف في غير اهله يكــــــن حمده ذَمَّا عليه ويندم]
ومن يصنع عرفا إلى غير أهله
فليس بلاق من جزاء ولا شكر

ويبدو أن البعد المجازي في رائية اليوسي على مستوى البناء الفني وعلى مستوى المضامين الشعرية، ليس مجرد رثاء للمكان (الزاوية الدلائية) بل هو حنين إلى ماضي القصيدة العربية القديمة، فقد بكى معانيها وأطلالها ومنازلها وقصورها ودورها.."[ - ينظر مجلة المناهل خاص باليوسي : عدد 15] وهي ظاهرة فنية تأخذ من البعد المكاني أساسا لها، وهذا الاهتمام بالظاهرة المكانية خصوصا ضمن مؤسسة الزوايا، أدى إلى بروز ملامح مدرسة شعرية، قوامها المحافظة على الأسس الفنية الأصيلة للقصيدة العربية، يغذيها اطلاع واسع وفهم عميق لأسرار الشعر والنقد.
كما برز تأثير الزوايا في نفوس الشعراء من خلال شد الرجال إلى الزاوية الناصرية البعيدة، ذلك أن قطب الزاوية الناصرية محمد بن ناصر الدرعي قد نال اهتماما كبيرا من طرف الشعراء، حيث أصبح بطلا نموذجا، في القصيدة المادحة، فهو المثال الكامل الأوصاف والصوفي العارف الذي أثر في أتباعه ومريديه، ولعل عناية اليوسي بممدوحه في الدالية المشهورة[ - نيل الأماني في شرح التهاني : ص 97]:
عرج بمنعرج الهضاب الورد
بين اللصاب وبين ذات الأرمد

هي عناية مبعثها حبه للزوايا ذات الطابع العلمي والصوفي من جهة وتأكيد على قوته الشعرية وفحولته، فالقصيدة تجاوزت خمسمائة بيت، لم يكرر فيها على طولها قافية واحدة[ - نفسه : ص 83 ]، وهو يخاطب ممدوحه على الطريقة الشعرية القديمة، حيث شكا الدهر ورحل في شعره كباقي المادحين، ثم مدح فهنأ واستعطف[ - نفسه : ص 82]. واليوسي وهو يقدم ممدوحه في صورة مثالية، يسعى إلى بث التناغم بين الدلالات التاريخية والواقعية للممدوح، وبين الدلالات الفنية لقصيدة المديح، حيث يستقي معجمه التصويري من خلال سلطة الذاكرة، فيردد صورا شعرية متكررة ألفها التراث الشعري القديم.
إن دالية اليوسي كانت مناسبة لتفجير خطاب المديح السلوكي، حيث استطاع أن يفتح بابا جديدا نحو طريقة شعرية تؤثث فضاء المرحلة، ومن تم دغدغة الكوامن الإبداعية لدى شعراء معاصرين له، مما أدى إلى اتساع باب " المعارضة الشعرية" كإفراز لمرحلة ثقافية، ومن أهم الذين عارضوا قصيدته، الشاعر عبد القادر التستاوتي[ توفي عام 1127 هـ/ عاصر اليوسي، ويعتبر من كبار شعراء التصوف في عصر المولى اسماعيل، تنظر حوله رسالتين جامعيتين للأستاذ الطريبق وهما الخطاب الصوفي في الادب المغربي على عهد المولى اسماعيل وأدب التستاوتي من خلال نزهة الناظر.] الذي يبين سبب معارضته لدالية اليوسي : "أما بعد فقد طالعت قصيدة الشيخ أبي علي سيدي الحسن بن مسعود اليوسي.. التي امتدح بها الشيخ العارف الرباني الإمام العالم بن ناصر الدرعي، فوجدتها بحرا تلاطمت أمواجه بالبيان وروضا مفتقا بأزهار من العرفان"، فإعجاب التستاوتي بدالية اليوسي، جعله ينظم قصيدة أخرى على نفس الروي في مدح الرسول يقول في مطلعها [- نفسه ج 1/4]
عرج بأطلال الأحبة واَقصد
آثارها يوما لعلك تهتدي

إن التستاوتي من خلال هذه المعارضة، ضمن نطاق مؤسسة الزاوية، يؤكد على انتسابه لمدرسة اليوسي، خصوصا وأن الزوايا المترامية في البوادي وأطراف الصحراء، كانت باعثا على نهج الطريقة البدوية، وتحقيق البطولة الشعرية، انطلاقا من مبدأ الوعي والعلم والصناعة الشعرية. والزاوية بصفتها مؤسسة قائمة بذاتها ومتفردة بشيوخها، ساعدت في توجيه القصيدة المغربية فجر الدولة العلوية، ذلك أن المكان، لدى كل من اليوسي وعبد القادر التستاوتي نلمس من خلالها تدفق المشاعر والحنين إلى أمكنة ترسخت في الذاكرة، وتحولت إلى أمكنة معنوية ذات بعد روحي.
لكن يمكن القول إن الاضمحلال التدريجي وضعف دور الزوايا نتيجة قوة السلطة السياسية، أدى إلى اضمحلال هذا المفهوم الشعري الذي طرحه اليوسي والتستاوتي، انطلاقا من سلطة الزوايا، ذلك أن الشعراء الذين جاؤوا بعد هذا الجيل الأول أغلبهم من المجال الحضري، لم تعد تستهويهم سلطة القصيدة العالمة المرتبطة بالعلم والصناعة والبراعة، بل أصبحت بيئة الحواضر وثقافة أهل الحضر أكثر تأثيرا في مذاهبهم الشعرية.
مرجعية السلطة السياسية / التجلي والغياب:
إن ازدهار المديح مرتبط بمدى تداوله بين الناس، وهذا يتوقف على مدى تشجيع الملوك والأمراء وغيرهم من وجهاء الدولة وسخائهم، وطربهم لسماع الشعر، فهو أداة من أدوات التكسب والتزلف لأصحاب السلطة والقرار، وفي المغرب، فإن المديح السياسي/ السلطاني، سار على مهيع الأقدمين منذ العصر الموحدي[- ينظر في هذا الصدد أشعار أبي العباس الجراوي وابن حبوس ] ثم المريني[ - الشعر المغربي العصر المريني : قضاياه وظواهره : عبد السلام شقور، منشورات كلية الاداب والعلوم الإنسانية، تطوان – الطبعة الاولى 1996 / ص 164 ]، أما في العصر السعدي فقد استعادت القصيدة المادحة حيويتها، حيث شكل وجود البطل الممدوح (المنصور الذهبي) حافزا فنيا، خصوصا وأن العصر شهد انتشار شعر المولديات الذي خصص جانب منه لمدح السلطان[ - الشعر السعدي في سياق التفاعل بين الواقع والفكر والإبداع : د عبد الله بنصر العلوي : أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الاداب والعلوم الانسانية جامعة سيدي محمد بن عبدالله – فاس 91-92 (مرقونة) ج 1/ 196 ] .
لقد حاول الشعر المغربي استهداف القصيدة النموذج، سواء لدى الشاعر أو الممدوح، من خلال تحقيق البطولة الشعرية التي تجسد وعي الشعراء بصورة الشعر المثلى، وإدراكهم لواقع الجماعة الأفضل[ - البطولة الشعرية في أدب المغاربة : عبد الله بنصر العلوي : مجلة آفاق للثقافة والتراث عدد 5 – يونيو 1994 : ص 24]، وهو وعي بسلوك تيار شعري سائد، وإن تنوعت الأغراض، حيث إن الشاعر المغربي من خلال هذا الوعي النقدي، كان يسعى إلى التماثل مع القصيدة المادحة العربية في أصولها الشعرية، فإذا كانت القصيدة المادحة في المشرق في نهاية عصر المتنبي قد بدأ يعروها الضعف، ثم جددت فحولتها مع البوصيري والبرعي[ - القصيدة المادحة : عبد الله الطيب / الخرطوم – طبعة 1982 – ص 12]، فإنه يمكن الحديث عن قوة القصيدة المادحة في العصر السعدي، فقد رامت بعثا وإحياء، خاصة في ظل فتور الحركة الشعرية في المشرق، وحرص الشعراء السعديون على هذا التمثل كإجراء إبداعي، اقتدوا فيه برواد قصيدة التبادي، كأبي تمام والمتنبي، وكان إدراك الشعر المغربي للواقع الحضاري والثقافي تطلعا إلى اعتبار الممدوح جوهريا فاعلا في القصيدة العربية. ولعل غياب هذا الممدوح بعد وفاة المنصور الذهبي أدى إلى تراجع المديح السياسي لصالح المديح السلوكي ومديح العلماء والأشياخ، خصوصا مع رواد الجيل الأول من شعراء فجر الدولة العلوية.
هذه السيطرة لشعر المديح النبوي والصوفي، ومدح الأشياخ والعلماء، أدى إلى بروز ثنائية التجلي والخفاء لشعر المديح السياسي بكل أنواعه.
إن رصد الإطار الفني لقصيدة المديح السياسي، يطرح إشكالية التوجه النقدي الذي يحدد معالمها، على اعتبار أن النصوص الشعرية الدقيقة التي تختص بهذا الغرض لا زالت مفقودة، وإن تم العثور على بعضها، فهناك إشكال آخر يواجه الباحثين في خصائصها، ويتعلق الأمر بالبتر الذي تعرضت له، إذ إنه قلما نجد قصائد كاملة، نستطيع من خلالها رصد ظاهرة المديح السياسي، التي كانت ضئيلة هذه الفترة مقارنة مع المديح السلوكي، على اعتبار أن الفاصل بين الغرضين، أخلاقي، فمدح السلاطين والأمراء والقادة وغيرهم من أرباب السلطة، يقترن بمبدأ التكسب والكدية الشعرية، أما المديح السلوكي فغالبا ما يقترن بالدين والقيم والتصوف، ولهذا كان للشاعر علي مصباح الزرويلي رأي في مسألة المديح السياسي، يقول ".. وقد عصمني الله عز وجل من مدح الرؤساء وولاة الأمر، ابتغاء صلات رفدهم، أنفة وسموا بهمتي عن بذلها في ذلك.. إلا أن ما جرى من مدح الرئيس الوزير أبي العباس السيد أحمد بن الحسن اليحمدي، الفاضل الجواد... فإن لي فيه أماديح عديدة..وما مدحته إلا وقد رأيته علي فرضا حتما من جهة العادة والأخوة والمداراة، وما زلت بعد أستغفر الله من تبعة ذلك المدح وما وصلني به، فإن لم يغفر لي فأنا عبده، وإن يرحمني فهو العزيز الحكيم"[ - ديوان علي مصباح الزرويلي : ص 39]، إذ إن الأمر ليس مجرد موقف اتخذه علي مصباح الزرويلي من المديح الرسمي، بل هو حالة عامة سادت في هذا العصر، حيث كان مدح الرسول وشيوخ الزوايا والعلماء، بغية شعراء الجيل الأول، لكن بوادر الانفصال عن مركزية الأقطاب والشيوخ بدأت تلوح مع الشاعر ابن زاكور وتقلصت المساحة الفنية داخل مضمار فن الأماديح، والمفارقة الفنية أن الشعراء، لم يصنعوا من السلطان وحده بطلا شعريا رغم قوته وجبروته، إذ كان في الدولة رجال أقوياء، وقادة متمرسون على قمع الثورات. ولعل أشهر هؤلاء القائد الروسي الذي يصوره لنا ابن زاكور في صورة مغايرة عن تلك التي نقلتها لنا المصادر التاريخية، باعتباره قائدا مستبدا وجائرا، حيث وصفه بالرقة والعذوبة وغيرهما من الصفات التي ميزت المجتمع الحضري بديلا عن تلك الصور التي سادت في قصائد أصحاب مذهب التبادي، يقول :[ - المنتخب من شعر ابن زاكور : تحقيق عبد الله كنون – دار المعارف مصر سنة 1966 / ص 87]
أبهاهم وجها وأوجههم
أنقاهم ثوبا، وألبسهم
في أعين الأعيان والروس
للمجد، وهْوَ اجل ملبوس

فالشاعر أصبغ على ممدوحه القائد العسكري، صفات تتعلق بجمال المظهر ورفعة الشأن، وأحدث خرقا على مستوى قواعد المديح الرسمي، فهذه الصفات أولا تتشابه مع تلك التي يصبغها الشعراء على الملوك، ومن المفروض أن يكون أسلوب الخطاب متوازنا مع طبيعة الشخصية الممدوحة، فالقائد العسكري تكون صفة الشجاعة فيه أقرب من الصفات الأخرى، كما أن إظهار ابن زاكور لممدوحه/ القائد في صورة الشخصية الرقيقة المهذبة، يتناقض مع التزامات القائد الميدانية، فالشاعر كما يرى ابن رشيق لا يجب أن يقصر عما يستحقه الممدوح، ولا أن يعطيه صفة غيره[- العمدة : ج 2/129 ] ولعل مثل هذه الأمداح في هؤلاء القادة، قد تكون مرتبطة بالضغوط التي كانت تمارس على العلماء وشعراء الفترة، فالقائد الروسي كان ممن ساهموا في المحنة التي تعرض لها العلامة عبد السلام جسوس[ - انظر تاريخ الضعيف وقضية تمليك الحراطين واغتيال عبد السلام جسوس: ص 83 / انظر الاتجاف – ج 4/100/ السلوة ج 2/14 المنزع اللطيف ص 310 / تاريخ تطوان ج 2/35...) ]. لقد حاول الجيل الثاني من الشعراء تمثل مفهوم جديد لسلطة القصيدة المادحة بعيدا عن التصور النقدي الذي أسسه المتنبي، حيث أصبحت قصيدة المدح لدى الشاعر في هذه الفترة مقترنة بالمجون ونرصد ذلك في قصيدة مدح بها ابن الطيب العلمي القائد عمر[ - وهو أحد قواد المنطقة الشمالية بالمغرب على عهد الباشا علي بن حمامة الريفي، وقد ولاه المولى اسماعيل عليها، والمتوفى سنة 1125 هـ]:[ - شعر العلمي : ص 232
]
خمرة يعلو عليها حبب
جاءنا الساقي بها في يده
قال لي والسكر يثني عطفه
قلت دعيني ليس قلبي فارغا
فارس ليث شجاع فاضل
فترى الإبريز من تحت الدرر
هي مثل النار ترمي بالشرر
خذ كؤوس الخمر في ظل الشجر
عمرت قلبي أوصاف عمره
ماجد والعين ليست كالخبر

وكأن الشاعر ابن الطيب العلمي، قد راتمى في أحضان المذهب النواسي، فهو لا يلتزم بالوحدة الدلالية للقصيدة المادحة، فالمقدمة جاءت في وصف الخمرة ومجالسها بأسلوب حواري حضري من حيث المعاني والألفاظ، وقد تنبه الشاعر على مصباح الزرويلي لمثل هذه التجاوزات الفنية التي سادت لدى معاصريه، حيث يؤكد في تقديم له في إحدى قصائده التي مدح بها الوزير اليحمدي على مذهبه الفني" وقد ذهبت في نسيبها وتخلصها مذهب العرب"[ - ديوان مصباح الزرويلي : ج 2/55 مطلع قصيدة مدحه بها
لمن طلل قد محاه القدم وعفى عليه دوام الديم]، فهو ملتزم بالمكونات الدلالية والفنية التي ميزت القصيدة المادحة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة القصيدة الرسمية في العصر السعدي، بالقصيدة المادحة في فترة المولى إسماعيل، فقد خرج شعر المديح في بعض الأحيان عن الطريقة الفنية التي تداولها الشعراء، إلى أشكال شعرية أكثر التصاقا بالمذهب الحضري، حيث كان الموشح قالبا فنيا استثمره الشعراء في هذا الغرض، وهذا ابن زاكور يمدح المولى إسماعيل من خلال موشح[ -المنتخب : ص 57]:
هذا الملاعب للأسنة
إذ جبين الحرب أسوده

هذا المضارب والمقـــاوم والمــدد والمؤيد
هذا المضارب والمطاعن فضل هذا ليس والمؤيد
هذا المقدم رمحه
في ثغره البطل المزرد

هذا الذي بحلى المفاخر والمآثر قد تفرد
فحياتنـــا بوجوده لله ما أهنا وأرغد
ويبدو أن هذا المديح لا يتلائم مع فن الموشحات سواء من حيث المضمون أو الشكل، ويتعارض مع التدفقات الإيقاعية والموسيقية للموشح، كما أن التقريرية والنزعة الخطابية تغلب على الشاعر، مما يترتب عنه خلل فني بين شكل الموشح وبين موضوع المدح، فالمديح الرسمي يميل إلى الجدية، وهذا يتعارض مع الخفة والرشاقة والغنائية التي تطبع فن الموشح، فتغيب سلطة اللغة الشعرية، وتسيطر نزعة مذهب الحضريين في الشعر، وعلى العموم فإن المديح الرسمي/ السياسي، في هذه الفترة قد عبر عن بعض التصورات الفنية، وكذلك الشاعر المغربي رغم التزامه بالمنهج التقليدي في هذه المدائح، إلا أن بعض الملامح الفنية تشير إلى تحول هذا الغرض عن المفهوم المذهبي الذي تأسس مع أبي تمام ثم أبي الطيب المتنبي حيث نلاحظ كثرة المبالغات والإيغال في التشبيهات، وغياب مفهوم البطولة الشعرية، رغم قوة السلطان المولى إسماعيل، إضافة إلى سيطرة النزعة الحضرية لدى كثير من الشعراء كابن الطيب العلمي وابن زاكور والصاحب الشرقي وغيرهم. لكن رغم كل هذه الاستنتاجات، لا يمكن إعطاء أحكام عامة عن المديح السياسي / الرسمي في هذه الفترة، لقلته أو للبتر الذي لحق الكثير من القصائد، مما يجعل البحث عن طبيعة القصيدة المادحة أمرا يتسم بالحذر في إصدار الأحكام النقدية الجاهزة، خصوصا وأن المديح السلوكي استأثر بالاهتمام لدى شريحة من شعراء هذه الفترة، وتحديد مفهوم نقدي واضح لقصيدة المديح الرسمي، يطرح إشكالات متعددة، من قبيل ماهية قصيدة المديح السياسي في فجر الدولة العلوية، وهل يمكن اعتبار المديح النبوي ومدح العلماء والأشياخ هو في حد ذاته اختيار سياسي ومذهبي وفني يعارض من خلاله الشاعر السياسة التي تنهجها السلطة ؟ وهل تعتبر القصيدة المادحة الرسمية نصا جامعا لأغلب أعراض الشعر، أم أنها مجرد لعبة فنية، يحاول من خلالها الشاعر المغربي في هذه الفترة وضع تقية فنية تحميه من بطش السلطة؟ أم أنه كان يسعى من خلال مدح الملوك والأمراء والوزراء والقادة، التكسب من خلال مدحهم، والتملق إليهم؟.



خاتمــــــــــة

لقد كان للجانب الروحي والديني والصوفي، الدور الكبير والفعال في صياغة قصيدة واعية بمذاهب العرب في الشعر، ذلك أن سلطة النموذج الفني ظلت راسخة لدى مجموعة من رواد الشعر في فجر الدولة العلوية، وهذه السلطة تستمد مرجعيتها من الوعي النقدي والعلم والصناعة الشعرية.
فاستلهام البناء الشعري القديم، وكثرة الأماكن النموذجية المرتبطة بحياة الصحراء والبادية، هي انعكاس لحركة الشعر والشعراء جغرافيا، حيث تتبع المريدون والشعراء الزوايا المترامية في الصحراء، وقدموا قرابين محبتهم عن طريق سلطة الشعر، من خلال مكون التشبع بالنزعة البدوية باعتبارها تحمل قيما وجدانية، وتجسد سلوكا اجتماعيا ونفسيا، وباعتبارها كذلك مكونا إبداعيا وخطابا فنيا يجعل من الشعر المعبر عن الفضائل والقيم التي تحدد سلوك الفرد والجماعة، لذلك تجاوز الرواد الأوائل كاليوسي والعياشي والتستارتي قصيدة المديح السياسي، ربما للفوضى التي سادت في بداية تأسيس الدولة العلوية، أو ربما لتشنج العلاقة بين الحاكم والمحكومين، خصوصا تلك العلاقة المضطربة بين العلماء وذوي السلطة، لهذا تحققت البطولة الشعرية من خلال المدح النبوي ومدح العلماء والأشياخ والارتماء في بحر التصوف.

لائحة المصادر والمراجع

أولا – المصادر
الأشباه والنظائر : جلال الدين السيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى /1990.
تاريخ الضعيف – تحقيق أحمد العماري – نشر دار المأثورات – الرباط – الطبعة الأولى /1986م.
الحيوان : لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ – تحقيق وشرح عبد السلام هارون – دار الجيل – بيروت د-ت
ديوان سقط الزند : لأبي العلاء المعري / شرح وضبط عمر فاروق الطباع – دار الأرقم بن ابي الارقم للطباعة والنشر – بيروت – الطبعة الأولى 1998.
ديوان علي مصباح الزرويلي – دراسة وتحقيق محمدي الحسني – عالم الكتب الحديثة – الطبعة الأولى سنة 2011.
رسائل أبي على الحسن بن مسعود اليوسي : جمع وتحقيق ودراسة فاطمة القبلي – دار الثقافة – الدار البيضاء 1981 .
زهر الأكم في الأمثال والحكم : تأليف الحسن اليوسي تحقيق محمد حجي ومحمد الأخضر- دار الثقافة الدار البيضاء 1981.
سوس العالمة : تأليف المختار السوسي – مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر – الطبعة الثانية 1984.
السحر والشعر : لسان الدين بن الخطيب تحقيق ودراسة قدور إبراهيم عمار – دائرة الشؤون الثقافية والنشر 1975.
صفوة من انتشر من إخبار وصلحاء القرن الحادي عشر – حمد الإفراني – طبعة حجرية.
الصناعتين : لأبي هلال العسكري – تحقيق مفيد قميحة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان 1989.
عيار الشعر : لابن طباطبا العلوي : تحقيق وتعليق طه الحاجري وحمد زغلوم سلام – المكتب التجارية الكبرى شارع محمد علي – القاهري /1956.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه : لابن رشيق القيروايي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – دار الجيل – بيروت الطبعة الرابعة /1972
القاموس المحيط : الفيروز ابادي – مراجعة انس محمد الشامي وزكريا جابر – دار الحديث – القاهرة /2008
القانون في أحكام العلم والعالم وأحكام المتعلم : الحسن اليوسي / تحقيق وشرح وتعليق وفهرسة وتقديم حميد حماني – مطبعة شالة – الرباط – الطبعة الأولى /1998
القصيدة المادحة : د. عبد الله الطيب – الخرطوم، طبعة 1982
لسان العرب : ابن منظور – المجلد السابع – دار صادر بيروت – معجم العين : الخليل بن احمد الفراهيدي، ترتيب وتحقيق الدكتور عبد الحميد الهنداوي : ج II – دار الكتب العلمية بيروت – لبنان / الطبعة الأولى /2002.
معجم مقاييس اللغة : لابن فارس ، تحقيق وضبط عبد السلام هارون –ج 5 – دار الفكر للطباعة والنشر.
منهاج البلغاء وسراج الأدباء : حازم القرطاجي، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة – دار الكتب الشرقية، تونس 1960 .
منهج الفن الإسلامي : محمد قطب / دار الشروق – بيروت ، الطبعة السادسة /1983
المحاضرات : الحسن اليوسي – إعداد محمد حجي – دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر بالرباط 1976
المرشد إلى فهم أشعار العرب : د. عبدالله الطيب مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده – مصر الطبعة الأولى /1955
المعسول : محمد المختار السوسي – مطبعة النجاح – البيضاء سنة 1960.
المنتخب في شعر ابن زاكور: تحقيق عبد الله كنون، دار المعارف – مصر /1966
الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري: أبو القاسم الآمدي – تحقيق احمد صقر – دار المعارف – مصر الطبعة الثالثة /1972.
نيل الأماني في شرح التهاني : الحسن اليوسي د-ت-د-ط
ثانيا – لائحة المراجع
البنية اللغوية لبردة البوصيري : رابح بوحوش / ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر 1982.
تاريخ النقد الأدبي عند العرب – إحسان عباس – دار الثقافة – لبنان
جماليات المكان : غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- الطبعة الثانية 1984م.
خل وبقل : مجموعة مقالات أدبية ونقدية تأليف الأستاذ عبد الله كنون – الطبعة المهدية تطوان – ذ – ت – د – ط
الشعر الدلائي: عبد الجواد السقاط – مكتبة المعارف الرباط – الطبعة الأولى /1985
الشعر المغربي في العصر المريني، قضاياه وظواهره: عبد الرزاق شقور – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – تطوان الطبعة الأولى /1996.
عبقرية اليوسي : د- عباس الجراري – دار الثقافة – الدار البيضاء – مطبعة النجاح الجديدة – الطبعة الأولى /1981
العالم والنص والناقد : ادوارد سعيد – ترجمة عبد الكريم محفوظ – اتحاد الكتاب العرب – دمشق /2000
المدائح النبوية في الأدب العربي : زكي مبارك – منشورات دار الشعب – القاهرة /1971 .
النبوغ المغربي في الأدب العربي : عبد الله كنون – دار الكتاب اللبناني – بيروت – الطبعة الثالثة 1975 .
النقد الثقافي : عبد الله الغذامي – المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء – الطبعة الأولى / 2000
ومضات معرفية : تنسيق د. عبدالوهاب الفيلالي / د. خالد سقاط – منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق اوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس- مطبعة اتفوبرانت – فاس/ 2017.
ثالثا – المخطوطات
أنس السمير في نوادر الفرزدق وجرير – تأليف علي مصباح الزرويلي، نسخة مصورة – مخ- م- ح- ع – رقم 5300
الأقنوم في مبادئ العلوم : تأليف عبد الرحمان الفاسي مخطوط. م. ع. الرباط، رقم 15 ك.
الثغر الباسم في جملة من كلام أبي سالم : تأليف محمد بن حمزة بن هاشم / مخطوط / خ-ع- ك 304
رابعا – لائحة المجلات
البطولة الشعرية في أدب المغاربة : د- عبد الله بنصر العلوي مجلة آفاق للثقافة والتراث – عدد 5 سنة 1994.
الخروج من التيه : عبد العزيز حمودة – عالم المعرفة – العدد 298–الكويت 2000
ثنائية سلطة النص ونص السلطة في الشعر العربي مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية السنة السابعة – العدد 15/1440 هـ.
ملامح الفكر السياسي عند اليوسي : محمد الكتاني – مجلة المناهل – العدد 15 – عدد خاص باليوسي – السنة السادسة 1979.
مفهوم السلطة في الفكر السياسي الإسلامي : إشكالية المعنى والدلالة – خالد فوري يعقوب المحاسنة – مجلة كلية الدراسات الاسلامية والعربية للبنات بدمنهور العدد الرابع – الجزء الثاني /2019
مجلة المغرب العربي الجديد / السنة الأولى – العدد الرابع
خامسا – الرسائل الجامعية
أدب التستاوتي من خلال كتاب نزهة الناظر : أحمد الطريبق اليدري – رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط / السنة الجامعية 85-86
شعر ابن الطيب العلمي : جمع وتحقيق، ودراسة عبد الرحيم الراجي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الرباط 1985
شعر عبد القادر التستاوتي : جمع وتقديم وتصنيف عبد اللطيف شهبون – رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الرباط 1990/1991.
الشعر السعدي في سياق التفاعل بين الواقع والفكر والإبداع: د. عبد الله بنصر العلوي / اطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله – ظهر المهراز – فاس، سنة 91-92 / ج 1 (مرقونة).
مقدمة ديوان الهلالي السجلماسي : تقديم وتحقيق عبد الله الهمس – رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى