خلف عبارة "أنا بصرف": أهكذا يختزل الزواج في نفقة ويهدر جوهر العطاء؟
في زمن تتفكك فيه كثير من الأسر وتبدو فيه البيوت جافةً كما يصفها البعض، يتردد صدى عبارة "أنا بصرف" في أروقة الخلافات الزوجية لنكتشف اننا أمام أزمة عميقة تتجاوز حدود الماديات. أزمة وعي بماهية العلاقة الزوجية وأزمة تقدير لدور المرأة الذي لا يقاس بإنفاق مادي.
عندما يقول الزوج "أنا بصرف" وكأنه يسدي لزوجته معروفًا أو يمن عليها بنفقته فإنه يغفل حقيقة مهمة: الزوجة شريكة حياة تمنح أغلى مالديها: عمرها، وصحتها، وقلبها، وراحتها النفسية، وأحيانًا تمنح وظيفتها وطموحاتها من أجل بناء كيان أسري مستقر.
قيل ان تتزوجك كانت في بيت أهلها ينفق عليها وتُدلل وتعيش في دفء الأسرة. لم تكن بحاجة إلى من ينفق عليها، وعندما وافقت على الزواج، وافقت على الحب والاستقرار والبناء المشترك، لا أن تصبح تابعة تُمنح النفقة كصدقة.
تعيش المرأة التي تسمع باستمرار عبارات الاستعلاء المالي في حالة من الاغتراب الزوجي. تشعر بأن وجودها في المنزل هو مجرد عبء مادي يتحمله الزوج وليس قيمة ومكانة للأسرة. هذه المعاملة تولد لديها مشاعر الاكتئاب والاحباط لأنها تدرك أن تضحياتها اليومية غير مرئية بالاضافة إلى فقدان تقدير الذات خصوصًا إذا كانت ربة منزل لا تعمل ولا تشارك في النفقة وهناك الكثيرات ممن يعملن من اجل المشاركة وتخفيف الاعباء المادية على ازواجهن فهي اذا كانت تعمل فهي تبذل جهدًا مضاعفًا.
مما يولد لديها البرود العاطفي فالامتنان المالي لا يعوض عن الدفء العاطفي وعندما يتحول الزواج إلى معادلة حسابية تجف وتتبلد المشاعر.
في المقابل نشهد تحولًا اجتماعيًا كبيرًا فالمرأة اليوم أصبحت تتولى أعلى المناصب و تدير الشركات وتتقلد المناصب القيادية وتسهم في الاقتصاد بقوة. ومع ذلك فإن الكثير من الرجال ما زالوا عالقين في نظرة تقليدية للمرأة باعتبارها مُعالة حتى لو كانت هي من تدير ميزانية الأسرة وتساهم فيها.
هذا التناقض يخلق صراعًا صامتًا فالمرأة التي تثبت كفاءتها في سوق العمل وتصبح شريكة في النفقة تُفاجأ بأن زوجها لا يزال يستخدم سلاح "أنا بصرف" للسيطرة أو التقليل من شأنها. وهذه الازدواجية في المعايير هي التي تدفع الكثيرات إلى العزوف عن الزواج لأنهن يرين أن الزواج في صورته التقليدية قد لا يمنحهن سوى قيود إضافية دون شراكة حقيقية.
وعندما تخلو البيوت من الاحترام المتبادل والتقدير الحقيقي وتُستبدل المشاعر بلغة المن والحسابات المالية فإن الخاسر الأكبر هم الأبناء. فالأولاد الذين ينشئون في بيوت جافة خالية من الدفء و يرون أمهاتهم تُهان أو يُقلل من قيمتهن أو يشهدون صراعات دائمة على المال والإنفاق، هؤلاء الأولاد هم من سيعانون
تشرد عاطفي حتى لو كانوا يعيشون في أرقي البيوت.
واضطرابات نفسية تظهر في صورة قلق أو عدوانية أو انسحاب.
ويعتبرون نماذج زواج مشوه فهم يكبرون مع اعتقاد أن الزواج هو سوق للمصالح ويكررون نفس الأنماط أو يهربون منها بالعزوف عن الزواج.
إن إصلاح الأسر يبدأ من إعادة تعريف العلاقة الزوجية على أساس الشراكة والتكامل وليس على أساس من يصرف على من. الزواج الناجح هو الذي ترى فيه المرأة أن جهدها في المنزل وعملها إن وجد وتضحياتها كلها مُقدرة بنفس قدر النفقة المالية بل وأكثر.
البيوت لم تعد جافة لأن المرأة تعمل أو لأنها استقلت ماديًا، بل لأن
بعض الأنماط الفكرية التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة هذا التحول.
فشلت في استيعاب مفهوم المواطنة الأسرية التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات. الحل ليس في عودة المرأة إلى البيت أو انسحابها من سوق العمل بل في تربية رجال ونساء على ثقافة الاحترام والتقدير غير المشروط.
الزواج ليس شركة تُدار بحسابات المكسب والخسارة، بل كيان إنساني يقوم على العطاء المتبادل.
وحين يغيب هذا الفهم، لا تنهار البيوت فجأة، بل تجفّ ببطء، حتى لا يبقى منها إلا الجدران.
فاتن صبحي
في زمن تتفكك فيه كثير من الأسر وتبدو فيه البيوت جافةً كما يصفها البعض، يتردد صدى عبارة "أنا بصرف" في أروقة الخلافات الزوجية لنكتشف اننا أمام أزمة عميقة تتجاوز حدود الماديات. أزمة وعي بماهية العلاقة الزوجية وأزمة تقدير لدور المرأة الذي لا يقاس بإنفاق مادي.
عندما يقول الزوج "أنا بصرف" وكأنه يسدي لزوجته معروفًا أو يمن عليها بنفقته فإنه يغفل حقيقة مهمة: الزوجة شريكة حياة تمنح أغلى مالديها: عمرها، وصحتها، وقلبها، وراحتها النفسية، وأحيانًا تمنح وظيفتها وطموحاتها من أجل بناء كيان أسري مستقر.
قيل ان تتزوجك كانت في بيت أهلها ينفق عليها وتُدلل وتعيش في دفء الأسرة. لم تكن بحاجة إلى من ينفق عليها، وعندما وافقت على الزواج، وافقت على الحب والاستقرار والبناء المشترك، لا أن تصبح تابعة تُمنح النفقة كصدقة.
تعيش المرأة التي تسمع باستمرار عبارات الاستعلاء المالي في حالة من الاغتراب الزوجي. تشعر بأن وجودها في المنزل هو مجرد عبء مادي يتحمله الزوج وليس قيمة ومكانة للأسرة. هذه المعاملة تولد لديها مشاعر الاكتئاب والاحباط لأنها تدرك أن تضحياتها اليومية غير مرئية بالاضافة إلى فقدان تقدير الذات خصوصًا إذا كانت ربة منزل لا تعمل ولا تشارك في النفقة وهناك الكثيرات ممن يعملن من اجل المشاركة وتخفيف الاعباء المادية على ازواجهن فهي اذا كانت تعمل فهي تبذل جهدًا مضاعفًا.
مما يولد لديها البرود العاطفي فالامتنان المالي لا يعوض عن الدفء العاطفي وعندما يتحول الزواج إلى معادلة حسابية تجف وتتبلد المشاعر.
في المقابل نشهد تحولًا اجتماعيًا كبيرًا فالمرأة اليوم أصبحت تتولى أعلى المناصب و تدير الشركات وتتقلد المناصب القيادية وتسهم في الاقتصاد بقوة. ومع ذلك فإن الكثير من الرجال ما زالوا عالقين في نظرة تقليدية للمرأة باعتبارها مُعالة حتى لو كانت هي من تدير ميزانية الأسرة وتساهم فيها.
هذا التناقض يخلق صراعًا صامتًا فالمرأة التي تثبت كفاءتها في سوق العمل وتصبح شريكة في النفقة تُفاجأ بأن زوجها لا يزال يستخدم سلاح "أنا بصرف" للسيطرة أو التقليل من شأنها. وهذه الازدواجية في المعايير هي التي تدفع الكثيرات إلى العزوف عن الزواج لأنهن يرين أن الزواج في صورته التقليدية قد لا يمنحهن سوى قيود إضافية دون شراكة حقيقية.
وعندما تخلو البيوت من الاحترام المتبادل والتقدير الحقيقي وتُستبدل المشاعر بلغة المن والحسابات المالية فإن الخاسر الأكبر هم الأبناء. فالأولاد الذين ينشئون في بيوت جافة خالية من الدفء و يرون أمهاتهم تُهان أو يُقلل من قيمتهن أو يشهدون صراعات دائمة على المال والإنفاق، هؤلاء الأولاد هم من سيعانون
تشرد عاطفي حتى لو كانوا يعيشون في أرقي البيوت.
واضطرابات نفسية تظهر في صورة قلق أو عدوانية أو انسحاب.
ويعتبرون نماذج زواج مشوه فهم يكبرون مع اعتقاد أن الزواج هو سوق للمصالح ويكررون نفس الأنماط أو يهربون منها بالعزوف عن الزواج.
إن إصلاح الأسر يبدأ من إعادة تعريف العلاقة الزوجية على أساس الشراكة والتكامل وليس على أساس من يصرف على من. الزواج الناجح هو الذي ترى فيه المرأة أن جهدها في المنزل وعملها إن وجد وتضحياتها كلها مُقدرة بنفس قدر النفقة المالية بل وأكثر.
البيوت لم تعد جافة لأن المرأة تعمل أو لأنها استقلت ماديًا، بل لأن
بعض الأنماط الفكرية التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة هذا التحول.
فشلت في استيعاب مفهوم المواطنة الأسرية التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات. الحل ليس في عودة المرأة إلى البيت أو انسحابها من سوق العمل بل في تربية رجال ونساء على ثقافة الاحترام والتقدير غير المشروط.
الزواج ليس شركة تُدار بحسابات المكسب والخسارة، بل كيان إنساني يقوم على العطاء المتبادل.
وحين يغيب هذا الفهم، لا تنهار البيوت فجأة، بل تجفّ ببطء، حتى لا يبقى منها إلا الجدران.
فاتن صبحي