يحيى بركات - أمريكا في قلب الدائرة…

أمريكا في قلب الدائرة…
أم بين القوة والصوت؟
ليس السؤال: من يقود المشهد؟
بل: من يستطيع إيقافه؟
في الصورة الأولى…
تبدو الأمور واضحة.
الولايات المتحدة في مركز الكادر،
قوة عسكرية لا تُقارن،
اقتصاد يمسك بخيوط العالم،
تحالفات تمتد من أوروبا إلى الخليج،
ويدٌ قادرة على رفع الإيقاع… أو خفضه.
كل شيء يوحي بأنها المخرج،
وأن الحرب… مجرد مشهد في فيلم طويل تعرف نهايته مسبقًا.
لكن…
اقترب قليلًا.
سترى أن الكاميرا لا تثبت.
الإيقاع الذي يبدو مضبوطًا،
يحمل داخله ارتباكًا خفيًا.
كل قرار يُدفع إلى الأمام…
يُسحب من الخلف.
حين تصعّد،
تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
وحين تتراجع،
تترك فراغًا يملؤه آخرون.
في هذا المشهد،
لا يوجد خيار بلا كلفة.
ولا خطوة بلا ظل.
في زاوية أخرى من الكادر،
تقف إيران.
ليست ضعيفة كما يُراد لها أن تبدو،
ولا قوية بما يكفي لتحسم.
تصمد…
وهذا يكفي.
وفي زاوية ثالثة،
إسرائيل.
ليست مجرد حليف،
بل نقطة ضغط داخل الصورة نفسها،
تدفع الإيقاع إلى أعلى…
حتى حين يصبح أعلى مما يجب.
وهنا،
لا يعود السؤال: من يتحكم بمن؟
بل: كيف تشابكت هذه الخيوط… إلى درجة أن أحدًا لا يستطيع فكّها دون أن يقطعها جميعًا؟
المشهد الأوسع لا يُرى من داخل المعركة.
يُرى حين نبتعد قليلًا.
سنكتشف أن الحرب لم تعد قرارًا منفردًا،
بل جزء من نظام.
نظام يحتاج القوة ليبقى،
ويحتاج التوتر ليُبرر القوة،
ويحتاج الصراع ليُبقي التوتر حيًا.
وهنا…
تدخل أمريكا إلى الفخ.
ليس لأنها ضعيفة،
بل لأنها قوية بما يكفي… لتُضطر إلى الاستمرار.
هي تمسك بالإيقاع، نعم،
لكنها لا تستطيع إيقاف الموسيقى.
تستطيع أن تبدأ المشهد،
أن ترفع الصوت،
أن تخفضه…
لكنها لا تستطيع أن تقول: انتهى.
لأن النهاية،
ليست قرارًا عسكريًا فقط،
بل كسرٌ لبنية كاملة.
لكن ما لم نكن نسمعه من قبل…
بدأ الآن يُسمع.
ليس ككسر،
بل كاحتكاك.
صوتٌ خافت في البداية،
ثم يتوزّع.
في واشنطن،
أصوات تسأل: لماذا هذه الحرب أصلًا؟
في أوروبا،
امتعاض لا يُعلن القطيعة،
لكنه لم يعد يخفي الشك.
وفي الإقليم،
إدراك متأخر:
أن كثيرين كانوا داخل المشهد…
لكن خارج الحساب.
هنا،
لا يعود السؤال: هل هناك صوت؟
بل: ماذا يفعل هذا الصوت؟
هل هو مجرد ضجيج،
تستطيع الدائرة أن تمتصّه،
وتخرج أكثر مرونة؟
أم أنه بداية ترابط…
بين نقاط كانت تبدو متفرّقة؟
لأن الفرق بينهما…
هو الفرق بين استمرارٍ يتكيّف،
واستمرارٍ يبدأ بالاختلال.
في الحالة الأولى،
النظام يعيد ترتيب نفسه،
يمتصّ الصدمة،
ويواصل الدوران.
أما في الثانية،
فإن الصوت لا يبقى خارج الحركة،
بل يدخلها…
ويعيد توزيع الإيقاع من الداخل.
وهنا،
يتبدّل السؤال كله.
لم نعد فقط أمام حرب تُدار،
ولا أمام فخّ يُعاد إنتاجه،
بل أمام لحظة…
يبدأ فيها النظام بسماع نفسه.
وأمريكا،
في مركز هذا كله،
ليست فقط من يضبط الإيقاع،
بل من يصله الصوت أولًا.
وهذا أخطر موقع يمكن أن تكون فيه قوة.
لأن من يسمع…
لا يستطيع أن يتجاهل إلى الأبد.
في هذا النوع من الحروب،
لا يُطلب من الأقوى أن ينتصر،
بل أن يمنع الآخرين من الانتصار.
لكن حين يبدأ الصوت بالترابط،
وحين تنتقل الأسئلة من الهامش إلى الداخل،
يتحوّل هذا المنع نفسه…
إلى عبء.
وهنا،
نعود إلى السؤال الأول،
لكن بشكل مختلف:
ليس: هل أمريكا تقود المشهد؟
بل: هل ما زالت قادرة… على ضبطه؟
أم أنهاوهي في مركز الدائرة
بدأت تسمع
ما يجعل استمرار الدوران… أصعب؟
ربما لم ينكسر شيء بعد،
لكن يقينًا ما…
لم يعد كما كان.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

غانية ملحيس


يحيى العزيز

مقالك ليس مجرد تحليل سياسي فحسب، بل قراءة فلسفية متعمقة في طبيعة القوة والقرار ضمن منظومة معقدة. ما يميزه هو أسلوبك الإبداعي وقدرتك المتميزة على تحويل صراع القوى الدولية إلى مشهد سينمائي يمكن للقارئ أن يراه ويتتبعه ويتأمله، خلافًا للمقالات السياسية والاقتصادية الجافة. ويذكرنا بأن التحليل السياسي يمكن أن يكون فنا كما هو علم، إذا ما التقى بالوعي النقدي والبصيرة والعمق الفكري.
أكثر ما لفت انتباهي هو التركيز على فكرة أن القوة ليست فقط في الإمساك بالقرار، بل في القدرة على التعامل مع الأصوات والحركة التي تفوق السيطرة. هنا يظهر البعد الفكري: النظام الدولي ليس ثابتا، والأقوى ليس بالضرورة المتحكم النهائي، بل من يستطيع التكيف مع الديناميكيات الداخلية والخارجية.
كما يطرح المقال سؤالا جوهريا: هل استمرار السيطرة يتطلب القوة وحدها، أم الاستماع والقدرة على التفاعل مع الأصوات المحيطة؟
هذه الرؤية تدفع القارئ للتفكير في الصراعات العالمية ليس كمعركة بين دول، بل كشبكة من العلاقات والديناميكيات التي تتجاوز أي سلطة، ما يحفّز على التفكير العميق في معنى القوة والسيطرة والتفاعل داخل الأنظمة المعقدة.
غانية ملحيس
29/3/2026

.***
 
أعلى