تنهض تجربة الكاتبة سمية عبد المنعم على وعي سرديّ عميق بمفهوم الكتابة بوصفها خلاصًا من الفقد، واستعادةً رمزية للذات الممزقة بين الواقع وممكناته المتخيَّلة. وهو ما تؤكده في حوارها: "القصة هي الأقرب إلى روحي... أكتب القصة لأفخر... وعندما أكتب ولو سطرا واحدا، أو بيتا واحدا من الشعر أزهو كطاووس سعيد"[1].
تمثل قصة "إيزيس"[2] نموذجاً مكثفاً لهذا الإبداع، حيث يتحول الألم الشخصي النابع من تجربتها مع فقدان زوجها الكاتب محمد عبد المنعم زهران إلى طاقة سردية خالقة.
وتصرح في هذا الصدد: "مررت بمرحلة سكون إبداعي طالت لسنتين كاملتين... حتى حلت عليّ فجيعة الرحيل... لأكتشف في نفسي الكثير والكثير، بل المزيد والمزيد"[3].
العتبات النصية:
العنوان ("إيزيس"):
ليس مجرد مفتاحٍ دلالي، بل عتبة رمزية تختزن أبعاد المشروع السردي للكاتبة. فاختيار الأسطورة المصرية القديمة – أسطورة الإلهة إيزيس التي جمعت أشلاء أوزوريس لتبعثه من جديد – يحيلنا إلى تيمة الخلق والبعث والتجاوز.
الخلفية السيرذاتية:
تشكل السيرة الذاتية للكاتبة، "خريجة كلية الآداب جامعة عين شمس، كاتبة صحفية وقاصة وشاعرة، عضو باتحاد الكتاب، وحاصلة على جائزة عبدالغفار مكاوي عن مجموعة 'سرير فارغ' عام 2024"، إطاراً مهماً لفهم العمق النفسي في نصوصها، خاصة وأن "مجموعة سرير فارغ قد حملتها كثيرًا جدًا من آلام ومعاناة مرحلة الفقد التي عشتها مؤخرًا" كما ذكرت في حوارها.
ثانياً: المداخل النقدية
المدخل الأول: تقنيات السرد والبنية السردية
تنهض القصة على بنية سردية محكمة تخلق حالة من الاغتراب الوجودي منذ جملتها الافتتاحية: "لم يكن لصوت عجلات القطار على قضيبه ذاك الوقع المعتاد في نفسها"[4].
وتبلغ هذا الانزياح ذروته مع النداء الأسطوري الذي يوقظ في البطلة نداء الأم الكبرى: "استيقظي، استيقظي، استيقظى فى سلام يا سيدة السلام... يا إلهة الحياة يا جميلة فى الجنة.. استيقظي..." [5].
الزمن والمكان كفضاء نفسي:
الزمن الخارجي قصير (رحلة قطار) لكن الزمن النفسي ممتد، "أرقام ساعتها الصغيرة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل... وأنه مازال أمامها ساعة كاملة"[6].
والقطار يتحول إلى فضاء انتقالي (Liminal Space) يعكس حالتها الداخلية: "وراحت بعينيها إلى النافذة ثانية شاخصة حيث اللاشيء، وكأنها تناجي ربًّا يسكن تلك الحركة المتوالية لقطار يشق الظلام"[7].
الحوار الداخلي:
تمثل الأصوات الغامضة والهمسات تيار الوعي للبطلة، "كادت تهمس له: لا تتركني، كن بجانبي فأنا وحدي..."[8]، مما يخلق إيقاعاً داخلياً قائماً على التكرار والتوازي بين الحضور والغياب.
المدخل الثاني: التحليل النفسي والاجتماعي
البعد النفسي (فرويد ويونغ)
الرموز الفرويدية:
تظهر في "أدركت أنها تحتاج لقضاء حاجتها وتقاوم ذلك الإحساس منذ أكثر من ساعة... لكنها قررت الاستسلام لفطرتها"[9]، حيث يمكن تفسير "قضاء الحاجة" كرمز للكبت الرغبة الجسدية/العاطفية.
اللقاء بالشاب الغامض "وكأنه يعرفها حق المعرفة، ويدرك سرها الدفين" و"شعرت بقبضة كفه، بل امتد إليها شعور غريب"[10] يمثل صراعاً بين "الأنا" (الواقع) و"الهو" (الرغبة).
النظرية اليونغية:
الشاب الغامض يمكن أن يكون تجسيداً لـ "الأنيما والأنيموس" - الجانب الذكري المكمل في نفسها الذي يظهر في لحظة الضعف ليقودها.
البعد الاجتماعي:
ترسم القصة صورة للمرأة التي ترفض الخضوع لقوانين المجتمع، "حتى استسلم أهله وأعلنوا وفاته، بل وتلقوا العزاء فيه... لكنها أبدًا لم تستسلم لهم... بل قررت خوض رحلة البحث اليائسة وحدها.. وحدها تمامًا"[11].
الدموع هنا ليست انفعالاً عابراً بل آلية تطهير نفسي (Catharsis): "فجأة أدركت أن دموعها لم تكف عن صفع خديها منذ انطلاق القطار... فاستسلمت لانهمارها"[12].
المدخل الثالث: الأبعاد الأسطورية والرمزية
التماهي مع أسطورة إيزيس:
لا تأتي الأسطورة كاستشهاد خارجي بل كبنية تحتية نفسية. البطلة كإيزيس معاصرة تحاول ترميم الذاكرة المنكسرة. النهاية تؤكد هذا التماهي: "إيزيس ستعتنى بك، ستعتنى بك بعد أن وجدتك"[13].
رمزية العبور والحدود:
"توقفت أمام الحد الفاصل بين العربتين ونظرت إلى الأرضية التي تتأرجح في خفة مرعبة"[14].
هذا المشهد ليس مجرد فعل عابر، بل تجلٍّ رمزي للهاوية النفسية التي تخشاها البطلة — لحظة مواجهة اللاوعي.
المدخل الرابع: نقد التابوهات (الدين، الجنس، السياسة)
التابو الديني:
يتم تجاوزه عبر استدعاء الأسطورة المصرية كرمز إنساني للبعث الداخلي، وليس كمعبود أسطوري، مما يخلق ما يشبه "الروحانية العلمانية".
التابو الجنسي:
يتجلى في الحضور الصامت للجسد كذاكرة وجدانية. "كادت تهمس له: لا تتركني... تمالكت نفسها وشكرته وهي تخفض عينيها"[15]. الإيروس هنا ليس تلميحاً جسدياً بل تشبثاً رمزياً بالحياة في وجه الموت.
التابو الاجتماعي (رفض الحداد المفروض):
"أسموها مجنونة، غبيّة، لكنها لم تلتفت"[16]. هذا التمرد يمثل انفصالاً رمزياً عن الجماعة المحافظة التي تفرض على المرأة صورة نمطية.
التابو السياسي المقنع:
يمكن قراءة الفقد الشخصي كاستعارة عن فقدان أكبر، "احتلت صورة ذلك الشاب واجهة المحطة تمامًا... ثم راحت تختفي رويدًا رويدًا حتى تحولت أمام ناظريها لصورة زوجها"[17].
التكرار الدائري لظهور الأمل ثم اختفائه يلمح إلى دورات الأمل والانكسار في التجربة الإنسانية العامة.
ثالثاً: الخاتمة النقدية ونقاط القوة والضعف
هذه القراءة حاولت دمج الأبعاد الأسطورية والنفسية والاجتماعية في إطار سردي متكامل، مستفيدة من النص نفسه وشهادات الكاتبة حول عملية الخلق الأدبي، حيث قالت: "ليس هناك شك في أن أي إبداع يحمل بعضًا من روح صاحبه... ربما اتسعت مساحة ذلك الجزء لتصبح الكتابة هنا نوعًا من التطهير الذاتي"[18].
نقاط القوة
· الكثافة الرمزية العضوية: تحقيق إنجاز في بناء طبقات رمزية كالثنائية بين "القطار يشق الظلام" ونداء "يا إلهة الحياة".
· الجرأة النفسية: في تصوير الصراع الداخلي بصدق، كما في لحظة الضعف: "كن بجانبي فأنا ووحـــدي..." [19].
· الانزياح الأسطوري المبتكر: الدمج العضوي بين الواقعية النفسية والأسطورة، مما يعكس رؤية الكاتبة للأدب الذي "لا يمكن تصنيفه حسب جنس كاتبه... فالأفكار متاحة للجنسين على تنوعها"[20].
نقاط الضعف (النسبية):
· الغموض المفرط: قد يترك بعض القراء في حيرة حول طبيعة الشاب الغامض.
· الاقتصاد الشديد في الحوار الخارجي: قد يفقد السرد بعض الحيوية التواصلية.
الخاتمة النقدية الشاملة:
تبدو قصة "إيزيس" في ضوء هذه القراءة عملاً قصصيًّا يتجاوز حدود الحكاية إلى منطقة الرمز والأسطورة والوجود. وهو ما تؤكده الكاتبة في رؤيتها للأدب: "حلم النشوة والخلاص حلم أبدي لا ينتهي أبدًا... فالمبدع يكتب ليحيا"[21]. النص لا ينتهي بإجابة، بل يفتح الباب أمام ولادة جديدة محتملة، حيث تتحول صورة الشاب إلى صورة الزوج في مشهد الختام: "احتلت صورة ذلك الشاب واجهة المحطة تمامًا... ثم راحت تختفي رويدًا رويدًا حتى تحولت أمام ناظريها لصورة زوجها"[22].
ملامح التجريب:
تتجلى في الدمج العضوي غير المسبوق بين الواقعية النفسية الصارمة والأسطورة المصرية القديمة، وهو تجريب يعكس وعي الكاتبة بمشروعها الإبداعي، كما عبرت حين قالت: "أثر صدق ما كتبت على أسلوبي السردي كثيرًا، لأبتعد قليلًا عما ميّز قلمي في الماضي من العمق اللغوي، ليصبح الحدث هنا بكل ما يحيطه من مشاعر، هو البطل الأول والأخير"[23]. فـ«إيزيس» المعاصرة لا تجمع أشلاء جسدٍ غائب، بل ترمّم معنى الحياة في زمنٍ بلا معنى.
قصة "إيزيس" لسمية عبد المنعم هي أكثر من مجرد قصة عن الفقد؛ إنها استكشاف عميق للاوعي الأنثوي في مواجهة أعظم صدمة وجودية.
تنجح الكاتبة في تحويل رحلة قطار عادية إلى ملحمة نفسية أسطورية، مستخدمة تقنيات سردية متقدمة وتحليلاً نفسياً عميقاً لتكشف عن الصراع بين قوى الموت والحياة داخل النفس.
النص لا ينتهي بإجابة، بل يترك البطلة - والقارئ - في حالة من الترقب الأسطوري، حيث تتحول صورة الشاب إلى صورة الزوج، وتتحول الأصوات المواسية إلى تأكيد أسطوري: "إيزيس ستعتنى بك بعد أن وجدتك"[24].
إنها خاتمة تفتح الباب أمام ولادة جديدة محتملة، تماماً كما أنجبت إيزيس حورس من أوزوريس الميت، مشيرة إلى أن قوة الحياة قد تنبعث من رحم اليأس نفسه.
المراجع
(1) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"... قصة قصيرة. موقع الأنطولوجيا: سمية عبدالمنعم - "إيزيس"... قصة قصيرة
مقالات فى الدوريات
(1) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(2) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(1) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(2) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"... قصة قصيرة. موقع الأنطولوجيا: سمية عبدالمنعم - "إيزيس"... قصة قصيرة
والقصة من مجموعة قصصية بعنوان "سرير فارغ" (الفائزة بجائزة عبدالغفار مكاوي، من اتحاد كتاب مصر ٢٠٢٤)
(3) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(4) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(5) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(6) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(7) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(
سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(9) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(10) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(11) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(12) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(13) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(14) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(15) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(16) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(17) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(18) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(19) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(20) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(21) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). مرجع سابق
(22) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(23) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). مرجع سابق
(24) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
ولكم وافر الشكر والتقدير
تمثل قصة "إيزيس"[2] نموذجاً مكثفاً لهذا الإبداع، حيث يتحول الألم الشخصي النابع من تجربتها مع فقدان زوجها الكاتب محمد عبد المنعم زهران إلى طاقة سردية خالقة.
وتصرح في هذا الصدد: "مررت بمرحلة سكون إبداعي طالت لسنتين كاملتين... حتى حلت عليّ فجيعة الرحيل... لأكتشف في نفسي الكثير والكثير، بل المزيد والمزيد"[3].
العتبات النصية:
العنوان ("إيزيس"):
ليس مجرد مفتاحٍ دلالي، بل عتبة رمزية تختزن أبعاد المشروع السردي للكاتبة. فاختيار الأسطورة المصرية القديمة – أسطورة الإلهة إيزيس التي جمعت أشلاء أوزوريس لتبعثه من جديد – يحيلنا إلى تيمة الخلق والبعث والتجاوز.
الخلفية السيرذاتية:
تشكل السيرة الذاتية للكاتبة، "خريجة كلية الآداب جامعة عين شمس، كاتبة صحفية وقاصة وشاعرة، عضو باتحاد الكتاب، وحاصلة على جائزة عبدالغفار مكاوي عن مجموعة 'سرير فارغ' عام 2024"، إطاراً مهماً لفهم العمق النفسي في نصوصها، خاصة وأن "مجموعة سرير فارغ قد حملتها كثيرًا جدًا من آلام ومعاناة مرحلة الفقد التي عشتها مؤخرًا" كما ذكرت في حوارها.
ثانياً: المداخل النقدية
المدخل الأول: تقنيات السرد والبنية السردية
تنهض القصة على بنية سردية محكمة تخلق حالة من الاغتراب الوجودي منذ جملتها الافتتاحية: "لم يكن لصوت عجلات القطار على قضيبه ذاك الوقع المعتاد في نفسها"[4].
وتبلغ هذا الانزياح ذروته مع النداء الأسطوري الذي يوقظ في البطلة نداء الأم الكبرى: "استيقظي، استيقظي، استيقظى فى سلام يا سيدة السلام... يا إلهة الحياة يا جميلة فى الجنة.. استيقظي..." [5].
الزمن والمكان كفضاء نفسي:
الزمن الخارجي قصير (رحلة قطار) لكن الزمن النفسي ممتد، "أرقام ساعتها الصغيرة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل... وأنه مازال أمامها ساعة كاملة"[6].
والقطار يتحول إلى فضاء انتقالي (Liminal Space) يعكس حالتها الداخلية: "وراحت بعينيها إلى النافذة ثانية شاخصة حيث اللاشيء، وكأنها تناجي ربًّا يسكن تلك الحركة المتوالية لقطار يشق الظلام"[7].
الحوار الداخلي:
تمثل الأصوات الغامضة والهمسات تيار الوعي للبطلة، "كادت تهمس له: لا تتركني، كن بجانبي فأنا وحدي..."[8]، مما يخلق إيقاعاً داخلياً قائماً على التكرار والتوازي بين الحضور والغياب.
المدخل الثاني: التحليل النفسي والاجتماعي
البعد النفسي (فرويد ويونغ)
الرموز الفرويدية:
تظهر في "أدركت أنها تحتاج لقضاء حاجتها وتقاوم ذلك الإحساس منذ أكثر من ساعة... لكنها قررت الاستسلام لفطرتها"[9]، حيث يمكن تفسير "قضاء الحاجة" كرمز للكبت الرغبة الجسدية/العاطفية.
اللقاء بالشاب الغامض "وكأنه يعرفها حق المعرفة، ويدرك سرها الدفين" و"شعرت بقبضة كفه، بل امتد إليها شعور غريب"[10] يمثل صراعاً بين "الأنا" (الواقع) و"الهو" (الرغبة).
النظرية اليونغية:
الشاب الغامض يمكن أن يكون تجسيداً لـ "الأنيما والأنيموس" - الجانب الذكري المكمل في نفسها الذي يظهر في لحظة الضعف ليقودها.
البعد الاجتماعي:
ترسم القصة صورة للمرأة التي ترفض الخضوع لقوانين المجتمع، "حتى استسلم أهله وأعلنوا وفاته، بل وتلقوا العزاء فيه... لكنها أبدًا لم تستسلم لهم... بل قررت خوض رحلة البحث اليائسة وحدها.. وحدها تمامًا"[11].
الدموع هنا ليست انفعالاً عابراً بل آلية تطهير نفسي (Catharsis): "فجأة أدركت أن دموعها لم تكف عن صفع خديها منذ انطلاق القطار... فاستسلمت لانهمارها"[12].
المدخل الثالث: الأبعاد الأسطورية والرمزية
التماهي مع أسطورة إيزيس:
لا تأتي الأسطورة كاستشهاد خارجي بل كبنية تحتية نفسية. البطلة كإيزيس معاصرة تحاول ترميم الذاكرة المنكسرة. النهاية تؤكد هذا التماهي: "إيزيس ستعتنى بك، ستعتنى بك بعد أن وجدتك"[13].
رمزية العبور والحدود:
"توقفت أمام الحد الفاصل بين العربتين ونظرت إلى الأرضية التي تتأرجح في خفة مرعبة"[14].
هذا المشهد ليس مجرد فعل عابر، بل تجلٍّ رمزي للهاوية النفسية التي تخشاها البطلة — لحظة مواجهة اللاوعي.
المدخل الرابع: نقد التابوهات (الدين، الجنس، السياسة)
التابو الديني:
يتم تجاوزه عبر استدعاء الأسطورة المصرية كرمز إنساني للبعث الداخلي، وليس كمعبود أسطوري، مما يخلق ما يشبه "الروحانية العلمانية".
التابو الجنسي:
يتجلى في الحضور الصامت للجسد كذاكرة وجدانية. "كادت تهمس له: لا تتركني... تمالكت نفسها وشكرته وهي تخفض عينيها"[15]. الإيروس هنا ليس تلميحاً جسدياً بل تشبثاً رمزياً بالحياة في وجه الموت.
التابو الاجتماعي (رفض الحداد المفروض):
"أسموها مجنونة، غبيّة، لكنها لم تلتفت"[16]. هذا التمرد يمثل انفصالاً رمزياً عن الجماعة المحافظة التي تفرض على المرأة صورة نمطية.
التابو السياسي المقنع:
يمكن قراءة الفقد الشخصي كاستعارة عن فقدان أكبر، "احتلت صورة ذلك الشاب واجهة المحطة تمامًا... ثم راحت تختفي رويدًا رويدًا حتى تحولت أمام ناظريها لصورة زوجها"[17].
التكرار الدائري لظهور الأمل ثم اختفائه يلمح إلى دورات الأمل والانكسار في التجربة الإنسانية العامة.
ثالثاً: الخاتمة النقدية ونقاط القوة والضعف
هذه القراءة حاولت دمج الأبعاد الأسطورية والنفسية والاجتماعية في إطار سردي متكامل، مستفيدة من النص نفسه وشهادات الكاتبة حول عملية الخلق الأدبي، حيث قالت: "ليس هناك شك في أن أي إبداع يحمل بعضًا من روح صاحبه... ربما اتسعت مساحة ذلك الجزء لتصبح الكتابة هنا نوعًا من التطهير الذاتي"[18].
نقاط القوة
· الكثافة الرمزية العضوية: تحقيق إنجاز في بناء طبقات رمزية كالثنائية بين "القطار يشق الظلام" ونداء "يا إلهة الحياة".
· الجرأة النفسية: في تصوير الصراع الداخلي بصدق، كما في لحظة الضعف: "كن بجانبي فأنا ووحـــدي..." [19].
· الانزياح الأسطوري المبتكر: الدمج العضوي بين الواقعية النفسية والأسطورة، مما يعكس رؤية الكاتبة للأدب الذي "لا يمكن تصنيفه حسب جنس كاتبه... فالأفكار متاحة للجنسين على تنوعها"[20].
نقاط الضعف (النسبية):
· الغموض المفرط: قد يترك بعض القراء في حيرة حول طبيعة الشاب الغامض.
· الاقتصاد الشديد في الحوار الخارجي: قد يفقد السرد بعض الحيوية التواصلية.
الخاتمة النقدية الشاملة:
تبدو قصة "إيزيس" في ضوء هذه القراءة عملاً قصصيًّا يتجاوز حدود الحكاية إلى منطقة الرمز والأسطورة والوجود. وهو ما تؤكده الكاتبة في رؤيتها للأدب: "حلم النشوة والخلاص حلم أبدي لا ينتهي أبدًا... فالمبدع يكتب ليحيا"[21]. النص لا ينتهي بإجابة، بل يفتح الباب أمام ولادة جديدة محتملة، حيث تتحول صورة الشاب إلى صورة الزوج في مشهد الختام: "احتلت صورة ذلك الشاب واجهة المحطة تمامًا... ثم راحت تختفي رويدًا رويدًا حتى تحولت أمام ناظريها لصورة زوجها"[22].
ملامح التجريب:
تتجلى في الدمج العضوي غير المسبوق بين الواقعية النفسية الصارمة والأسطورة المصرية القديمة، وهو تجريب يعكس وعي الكاتبة بمشروعها الإبداعي، كما عبرت حين قالت: "أثر صدق ما كتبت على أسلوبي السردي كثيرًا، لأبتعد قليلًا عما ميّز قلمي في الماضي من العمق اللغوي، ليصبح الحدث هنا بكل ما يحيطه من مشاعر، هو البطل الأول والأخير"[23]. فـ«إيزيس» المعاصرة لا تجمع أشلاء جسدٍ غائب، بل ترمّم معنى الحياة في زمنٍ بلا معنى.
قصة "إيزيس" لسمية عبد المنعم هي أكثر من مجرد قصة عن الفقد؛ إنها استكشاف عميق للاوعي الأنثوي في مواجهة أعظم صدمة وجودية.
تنجح الكاتبة في تحويل رحلة قطار عادية إلى ملحمة نفسية أسطورية، مستخدمة تقنيات سردية متقدمة وتحليلاً نفسياً عميقاً لتكشف عن الصراع بين قوى الموت والحياة داخل النفس.
النص لا ينتهي بإجابة، بل يترك البطلة - والقارئ - في حالة من الترقب الأسطوري، حيث تتحول صورة الشاب إلى صورة الزوج، وتتحول الأصوات المواسية إلى تأكيد أسطوري: "إيزيس ستعتنى بك بعد أن وجدتك"[24].
إنها خاتمة تفتح الباب أمام ولادة جديدة محتملة، تماماً كما أنجبت إيزيس حورس من أوزوريس الميت، مشيرة إلى أن قوة الحياة قد تنبعث من رحم اليأس نفسه.
المراجع
(1) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"... قصة قصيرة. موقع الأنطولوجيا: سمية عبدالمنعم - "إيزيس"... قصة قصيرة
مقالات فى الدوريات
(1) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(2) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(1) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(2) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"... قصة قصيرة. موقع الأنطولوجيا: سمية عبدالمنعم - "إيزيس"... قصة قصيرة
والقصة من مجموعة قصصية بعنوان "سرير فارغ" (الفائزة بجائزة عبدالغفار مكاوي، من اتحاد كتاب مصر ٢٠٢٤)
(3) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(4) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(5) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(6) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(7) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(
(9) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(10) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(11) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(12) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(13) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(14) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(15) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(16) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(17) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(18) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). جريدة الدستور. سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب
(19) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(20) أبو الحسن الجمال. (4 مايو, 2023). القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية» (حوار صحفى). صحيفة القبس الثقافى. القاصة سمية عبد المنعم: أنا ضد مصطلح «الكتابة النسوية»
(21) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). مرجع سابق
(22) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
(23) حسين عبد الرحيم. (16 مايو, 2023). سمية عبدالمنعم: القصة القصيرة متنفسى الحقيقى.. ولا ننكر دور الجوائز فى الأدب (حوار). مرجع سابق
(24) سمية عبدالمنعم. (30 أكتوبر, 2024). "إيزيس"...
ولكم وافر الشكر والتقدير