وارد بدر السالم - لماذا نخشى الجمهور الثقافي؟ وارد بدر السالم (1)

(1)
كثيرٌ من الأدباء يخشون الجمهور الثقافي. وهذه خشية قد تكون مبررة على الصعيد النفسي الشخصي، وقد يكون المكان ذا رهبة من نوع خاص بجماعيته التي تُستوجب فيه الخشية من جمهور متعدد المناشيء والأفكار والمعتقدات والثقافات والآراء والمداخلات. بمعنى يكون هناك مركزان فاعلان في اللحظة ذاتها. مركز المؤلف المُحتفى به ( الأعلى) ومركز الجمهور المختلف (الأدنى) الذي "يسمع" و"يرى". الأول فرد يفكر بطريقته ويكرر أفكاره الشخصية. والثاني مجموعة لا تفكر بالطريقة ذاتها. وفي هذا نحاول الإشارة الى مركزين وهامشين في الحضور الأدبي الذي تمثله أحياناً اللقاءات والمحاورات وأحياناً الإصدارات الأدبية.
الإشارة تتم بين قطبين: الأول هو المؤلف، والآخر هو القاريء. وبينهما فسحة منظورة في كثيرٍ من الأحيان، تتم في قاعات الحوارات التي تتيح الأخذ والرد والعطاء والأسئلة والإجابات والتوجيه الأبوي. أما المداخلات البِنَوية الصاعدة والناشئة والطامحة الى بلوغ المنزلة الأبوية التي يمثلها المؤلف المعروف بعطاءاته الإبداعية، وهو المركز في اللقاءات، فهي ذات صلة بما يحدث من تجارب حوارية. وهذا البِنوية الأدبية؛ وهي الهامش الموازي للأبوة الأدبية، تفعّل أحياناً صورة اللقاءات وتحرّكها وتضفي عليها جدلاً قد يكون مفيداً في الغالب، بما يجعلها منصّة مفتوحة للآراء الحرة: مضادة أو مُماشية أو بين هذا وذاك. كل هذا يسير بنبرة زمنية، قد لا تكون محددة، لكنها في الغالب موقوتة بطبيعة النقاشات وأهميتها ونوع المؤلف الذي يتصدر المشهد الحواري.
هذا هو الجمهور المختلط بين أدباء وهواة وناشئة وقرّاء وطالبي معرفة وعابري حوارات ومتسكعي أدب وثقافة عامة. وهو جمهور ليس هامشياً بمعنى الإبعاد عن صلته بالمركز الأدبي في الأمسيات والأصبوحات الأدبية، لكن بمعنى قياسات النوع الأدبي والمفاضلة الزمنية والإبداعية. ومثل هذا الجمهور المختلط سنوزعه على بعض محاور هذا المقال. فلمثله وجهات نظر، قد لا تتفق مع وجهة نظر الأديب. وربما تُعارضها أو تناقضها ولا تلتقي معها بأي شكل من الأشكال. تتقابل مركزية جمهور متنوع الاهتمامات مع مركزية كاتب في حوارات قد تكون صعبة وغير مقنعة، لكنها في الأحوال كلها تنشّط الحوار واللقاء بما يخدم الغرض من المتابعة المباشرة. فهذا من طبيعة المواجهات المنبرية بين الأديب وجمهوره.
(2)
ننظر الى الجمهور الثقافي؛ لا بد من هذه التسمية؛ من ست زوايا مختلفة، يمكن إيرادها مختصرة على الوجه التالي:
• الجمهور الثقافي:
إنه الأقل كثافة من جمهور القراءة، إذ يكون لقاؤه مباشراً مع المؤلف. ونرى في هذا الجمهور بأنه الأكثر خطورة من النوع الثاني الذي سيليه، والأكثر مشاكسة في النفاذ الى تجربة الكاتب, له آراء ووجهات نظر وقراءات ومَلاحِظ ووقفات نقدية صريحة وجريئة قد تتناقض في كثير من الأحيان. وهذا مرتهن بالكاتب وشخصيته الإبداعية في ما أنتجه من إبداعات في السرديات والفنون بشكل عام. فالتجربة العامة تسحب مثل هذا التجمع الى قبول المُستضاف، وتقل الملاحظات السلبية عليه. بوصفه ذا تجربة طويلة زمنياً وإبداعياً.
الجمهور الثقافي في الأمسيات خليط من الوعي المتناقض والهوامش التي لا تريد أن تظهر والمتون التي تجد إن مركزيتها النقدية في مثل هذه الأمكنة وليس في الصحف والمجلات، حتى وظائفهم غير متجانسة كثيراً، لكنه الجمهور الذي يظهر فجأة ومعه الأفكار النقدية والمداخلات الصائبة، كما لو إنه تفريغ لتراكمات من القراءة استوجب دفعها مرةً واحدة في وجه المؤلف. لهذا فهو صادم في كثير من الأحيان. يثير التردد والقلق والخوف أيضاً والخشية منه.
• جمهور القراءة:
الجمهور الأكثر غموضاً من جمهور الأمسيات. غير معروف أبداً. مُشتت بين الأمكنة الثقافية والأدبية. لا تجمعه قاعة مفتوحة أو منبر استماع . لا نعرف ماذا يقرأ، وكيف ينظر الى المؤلف، وماذا يريد. وكيف يفكر.
مثل هذا الجمهور القاريء، المتابع، ينطوي على حس نقدي لا يمكن تجاهله. قد نجده في مواقع التواصل الأدبية، شاعراً أو ناقداً أو روائياً أو فناناً أو موسيقياً. فالمواهب الأدبية لا تظهر فجأة. تحتاج الى زمن غير قصير حتى تصل الى ما يتوجب أن تصل اليه. لذا فجمهور القراءة المجهول سنح له العصر الإلكتروني بمعطياته الفذة أن يطل من نوافذ الكترونية غير قليلة. وسمح له بأن يكون أحد شهود القراءة والكتابة، لكن بمستويات وعي متناقضة. ومع إن هذا العصر المختلف عن غيره من العصور ساعد الكثيرين على طي مراحل تجريبية في القراءة والكتابة. إلا إن الإشكالية أخلاقية أولاً وأخيراً وليست أدبية وثقافية. ومن الأكيد لا يمكن تعميم هذه التجربة الجديدة؛ قراءةً وكتابةً؛ على الجيل الجديد الذي نفترضه أكثر حداثة في التقنيات الإلكترونية المتنوعة من أي جيلٍ سبقه. وهذه المِزْية المتقدمة تمنحه الكثير من شروط البقاء على قيد القراءة والكتابة.
• الجمهور الصامت:
هو جمهور أكثر غموضاً أسمّيه الجمهور الصامت. له آراء متباينة سواء أكان على مستوى القاعة الأدبية والمنبر والحضور العام، أو على مستوى القراءة الصامتة البعيدة عن صخب المتابعات والمداخلات النقدية والإجرائية، لكنه يتردد ويخشى الإفصاح عمّا يجول في خاطره على منبر في لقاء مع مؤلف لأسباب كثيرة منها:
• الخوف من المنصّة العلوية. وهي المنصة الأكثر ثقافةً كما يتصورها. وهذ خشية أولى لها بعض الرصيد في الواقع.
• الخلفية الثقافية غير المكتملة أو الناضجة، والقناعة بأن (الآخر) هو أفضل منه. لهذا فالمنصّة الأعلى تحمل معها أيقونتها الشخصية بعلامة تكاد تكون متكاملة.
• السلوك التربوي الاجتماعي القديم يؤثر على الجمهور الصامت، منها التربية الأسرية القائمة على التخويف والضرب والإهانات. مثلما تكون المدرسة (الابتدائية) أحد عوامل زرع مثل هذا السلوك " الخائف" في لا وعي الإنسان الذي يميل الى الصمت؛ الذي يعدّ بلاغة الإصغاء أفضل من الدخول في متاهات الأسئلة والأجوبة.
حقيقة الأمر ليست بهذا التبسيط، إنما هو صمت يُذعن الى متطلبات المكان وجمهوره المتناقض، حتى وإن توحّد تحت راية ثقافية عامة أو خاصة.
• جمهور الشائعة:
في سنوات التسعينيات أقيمت أمسية روائية للفرنسي المعروف ألان روب غرييه (1922- 2008) وهو عَلم من أعلام الرواية الجديدة في العالم الى جانب ميشيل بوتور وكلود سيمون. حتى امتلأت قاعة اتحاد الأدباء في بغداد عن آخرها، بل وصل الجمهور في أكثر من طابور الى خارج القاعة. ولكي نقيس نوع الجمهور وأهميته ننظر الى نوع الأسئلة التي وُجّهت الى الكاتب. وقتها يمكن قياس جمهور الشائعة عن جمهور غيره مما قسّمناه الى أقسام. فغرييه ، وهو كاتب معروف، لم تكن ترجمات رواياته في ذلك الوقت كافية لأن نحيط بمجمل إبداعه في الرواية الجديدة، وما هي إضافاته أو افتراقاته عن غيره من كتّاب الموجات المتعاقبة التي سبقت الرواية الجديدة. ولم تتوفر الكثير من الدراسات البحثية والنقدية عن مساراته الأدبية الجمالية، لكي نمضي في قراءته وإصدار الأحكام المناسبة عما كتبه وروّجت اليه مدرسة الرواية الجديدة. وبالتالي - كما أتذكر- كانت الأسئلة عامة، بسيطة، غير مهمة، لا تنطوي على قراءة جدية له.
مثل هذا الجمهور، وهو متواجد أسفل المنصّات عادةً، أسمّيه جمهور الشائعة. يستهويه أن يرى الأعلام من الأدباء والمثقفين من أي مكان ؛ داخلي أو خارجي؛ حتى من دون تحضير مسبق أو قراءة فاحصة مبكرة لسيرة الكاتب وإنجازاته الإبداعية في ميدان.
• جمهور المقاعد الخلفية:
ثمة جمهور غامض هو أيضاً. يتخفى في المقاعد الخلفية في العادة. ينصت فقط. يريد أن يتعلم. يرى أدباء المنصّة العُليا. (الأغلبية من الأدباء مرت بهذا الهاجس العفوي) وهو هاجس طبيعي وإيجابي يقود الى القراءة بالنتيجة، ويفتح نافذة لها واسعة ومهمة. كما هو محاولة للكتابة تُحدث المزيد من التأثر وهضم القراءات وتمثّل الآخرين من الأدباء من ذوي السمعة الواسعة في الأوساط الثقافية والعلمية.
• الجمهور العابر:
جمهور لا يُعوّل على حضوره, يترك المحاضرة في أول ربع ساعة ثم يعود في آخر ربع ساعة وقد لا يعود. هذا النوع من الجمهور الخامل عابر لتزجية الوقت. يشعر بالملل واللا جدوى. لا يفهم شيئاً عن الفلسفة، ولا السيميائيات والبنيوية وما بعدها، ولا التفكيك ولا بعده. ولا نظريات القراءة. جمهور ناعس على مدار وجوده في القاعة. تكلس الوقت في معصمه. ينام. يحلم. يشخر. وعندما يستيقظ ينظر الى ساعة الموبايل. ثم يخرج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى