ماجد القيسي - قراءة نقدية في نص الكاتبة الروائية المصرية ھدى حجاجي احمد

بعد تأمل عميق في نص "ظلُّ امرأةٍ في باريس" للروائية هدى حجاجي، وجدتُ نفسي أنجذب لا إلى قصة الحب التقليدية، بل إلى تلك "المتاهة" التي عاشها آدم بين جدران الحي اللاتيني. النص يضعنا أمام مواجهة شرسة بين الذاكرة والواقع، حيث تصبح الكتابة هي الأداة الوحيدة لترميم روح تتآكل في الغربة.
ما استوقفني فعلاً هو ذلك الصمت المطبق الذي واجهت به المرأة رسائل آدم لسنوات. لم يكن صمتاً عابراً، بل كان "موقفاً وجودياً". آدم، الشاعر والأكاديمي، كان يظن أنه يطارد امرأة هربت، بينما هو في الحقيقة كان يطارد زمناً توقف. الرسائل التي كان يكتبها ويمسحها، ثم يرسلها في نوبات تردد، لم تكن بريداً لشخص آخر بقدر ما كانت "مناجاة للذات"؛ محاولة منه للبقاء متصلاً بصورة ذهنية تأبى أن تغادر مخيلته، حتى وهو يقف أمام طلابه في السوربون يتحدث عن "الحنين" كأنما يشرح جرحه الخاص على السبورة.
المنعطف الذي أحدثه الصديق "مروان" لم يكن مجرد حركة عابرة، بل كان "الشرارة" التي فجرت جدار الصمت. ورغم أن الرد جاء متأخراً جداً، إلا أنه لم يكن رداً بالكلمات فقط، بل كان تجسيداً حياً في صورة "ليلى". وهنا تكمن براعة النص في تصوير تلك اللحظة التي يتقاطع فيها الماضي بالحاضر؛ ليلى لم تكن مجرد ابنة، بل كانت "الرسالة الأخيرة" التي صاغتها الأم بدمها وجسدها بعيداً عن صخب باريس.

1775304622914.png

لقد أدرك آدم، في لحظة تنوير قاسية، أن تلك الرسائل التي كان يظنها تمنعه من الانهيار، كانت تصل لامرأة تودعه وهي في قمة ضعفها، تودعه بصمت يليق بجلال المرض والرحيل. "تأخرت كثيراً يا آدم".. هذه الجملة هي مفتاح النص كله. إنها تلخص مأساة الإنسان الذي يعيش في "الوقت الضائع"، الذي يكتب قصائد الحب لامرأة قررت أن تصبح غياباً كاملاً لكي تظل في ذاكرته حضوراً نقياً.
أجدني أتساءل: هل كان آدم يحتاج حقاً لهذه الحقيقة؟ أحياناً يكون الوهم ملاذاً آمناً، لكن النص أبى إلا أن يمنحه "الوداع" الذي فاته، وداعاً لم يأتِ عبر الكلمات، بل عبر نظرة عينين تشبهان تماماً تلك العينين التي طاردهما في وجوه الغرباء لسنوات.
هي قراءة في وجع التأخر، وفي تلك الفجوة الهائلة بين ما نتخيله وبين ما يحدث في كواليس الحياة المكتومة. نص هدى حجاجي لم يكن مجرد سرد لقصة حب، بل كان مرآة تعكس عجزنا البشري أمام سطوة الزمن، وكيف أننا أحياناً نقضي أعمارنا في كتابة الهوامش، بينما المتن الحقيقي قد رحل منذ زمن بعيد دون أن نلحظ.
ما الذي يتبقى من الشاعر حين يكتشف أن كل قصائده كانت رثاءً مؤجلاً لامرأة لم تكن تسمعه؟ وأي ثقل سيحمله هذا الظرف الصغير الذي وضعته ليلى على الطاولة، ليعيد تشكيل عالم آدم من جديد؟

بقلم الأستاذ الناقد ماجد القيسي

********************
1775304727284.png

الشاعر الذي تأخر عن الوداع ظلُّ امرأةٍ في باريس بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي كان المطر الخفيف يتساقط على أرصفة الحيّ اللاتيني، بينما جلس آدم قرب نافذة شقته الصغيرة المطلة على نهر السين، أمام أكوام من الأوراق، قصائد غير مكتملة ورسائل لم يُرسلها بعد، شاعر عربي معروف في الأوساط الأدبية وأستاذ للأدب والنقد المقارن في جامعة باريس، تتزاحم حوله الدعوات إلى المهرجانات الشعرية والندوات الثقافية، ويسافر كثيرًا بين المدن الأوروبية، لكن شيئًا واحدًا ظلّ ثابتًا في حياته رغم كل التنقلات، ظلُّ امرأةٍ واحدة هربت يومًا من حياته لكنها لم تخرج أبدًا من قلبه، في كل صباح قبل أن يخرج إلى الجامعة كان يجلس أمام شاشة هاتفه طويلًا يكتب رسالة ثم يمسحها ويكتب أخرى ثم يتردد، وفي النهاية كان يضغط زر الإرسال، لم تكن ترد، مرّت سنوات وهو يفعل الشيء نفسه، رسائل طويلة أحيانًا، قصيرة أحيانًا، اعتذارات، حكايات عن باريس، صور للسين في الشتاء، أو مقطع من قصيدة كتبها وهو يتذكرها، لكن الهاتف ظلّ صامتًا، ومع ذلك لم يتوقف عن الكتابة، كان يشعر أن الرسائل، حتى لو لم تصل، تمنعه من الانهيار الكامل، في قاعة المحاضرات بجامعة باريس كان يقف أمام طلابه يتحدث بثقة عن الشعر المقارن، عن علاقة الذاكرة بالكتابة، وعن الحنين في الأدب العربي، لكن عينيه كانتا تفعلان شيئًا آخر، كلما رفع رأسه نحو المقاعد كان يبحث بين الوجوه عن وجهٍ واحد، أحيانًا يتوهم أنه رآها في الصف الثالث أو قرب النافذة، كان يراها في وجوه الطالبات، الانحناءة نفسها حين يكتبن الملاحظات أو الطريقة التي يرفعن بها رؤوسهن عند السؤال، وفي كل مرة يدرك الحقيقة، إنها ليست هي، في إحدى الأمسيات الشعرية جلس صديقه القديم مروان معه في مقهى صغير قرب السوربون، مروان كان شاعرًا أيضًا، لكن أكثر مشاكسة منه وأكثر جرأة، تناول هاتف آدم من فوق الطاولة وقال وهو يبتسم، "ما زلت تراسلها؟"، تنهد آدم ببطء، "نعم"، ضحك مروان ضحكة قصيرة، "وأنت تعرف أنها لن ترد"، سكت آدم لحظة ثم قال بهدوء، "أعرف… لكنني أخاف أن أتوقف"، أعاد مروان الهاتف إلى الطاولة وقال بنبرة ساخرة، "إذن دعني أجرب أنا"، نظر إليه آدم بدهشة، "ماذا تقصد؟"، ابتسم مروان ابتسامة مشاكسة، "سأكتب لها رسالة بدلًا منك"، وقبل أن يمنعه، كان قد كتب بالفعل، "يا سيدتي الهاربة… هذا الرجل يكتب لك منذ سنوات، ولم يتعب، أما أنا فقد تعبت عنه، فإما أن تردّي… أو أعيده إلى الحياة بالقوة"، ثم أرسل الرسالة، اتسعت عينا آدم، "هل جننت؟!"، ضحك مروان، "أحيانًا يحتاج العشاق إلى قليل من الجنون"، مرت الأيام ولم يصل رد، عاد آدم إلى عاداته القديمة، المحاضرات، القصائد، الرسائل التي لا جواب لها، وفي إحدى الليالي بعد أمسية شعرية مزدحمة في باريس، عاد إلى شقته متعبًا، جلس قرب النافذة كعادته، فتح الهاتف بلا اهتمام، لكن شيئًا صغيرًا أوقف قلبه، رسالة جديدة، كانت من رقمها، ارتجفت يده وهو يفتحها، كانت قصيرة جدًا، "تأخرت كثيرًا يا آدم… لكنني قرأت كل رسائلك، كلها"، توقف قلبه لحظة ثم تابع القراءة، "أنا الآن في باريس… وغدًا ستقابل شخصًا يشبهني كثيرًا"، لم يفهم، ظل يقرأ الرسالة مرات عديدة، وفي اليوم التالي دخل قاعة المحاضرات كعادته، لكن هذه المرة كان قلبه مضطربًا، جلس الطلاب في أماكنهم، وفجأة لاحظ فتاة جديدة في الصف الأول، رفعت رأسها نحوه، كانت تشبهها بشكل مذهل، الملامح نفسها والعينان نفسيهما، ابتسمت الفتاة وقالت بهدوء، "صباح الخير أستاذ"، شعر آدم بأن العالم يتوقف حوله، ثم قالت الفتاة، "اسمي ليلى"، وسكتت لحظة قبل أن تضيف، "أمي طلبت مني أن أسلّمك هذا"، وضعت على الطاولة ظرفًا صغيرًا، فتح آدم الظرف ببطء، كانت بداخله صورة قديمة وصوت مكتوب في رسالة قصيرة، "أنا لم أهرب منك… كنت أهرب من المرض، لم أرد أن تراني وأنا أذبل، لكنني تركت لك قصتي… في ابنتي"، تجمد آدم في مكانه، وفي تلك اللحظة فقط أدرك الحقيقة القاسية، أنه لم يتأخر عن الوداع فقط، بل كتب طوال حياته قصائد حبٍّ لامرأة كانت تودعه بصمت منذ سنوات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى