الآية الأولى، وهي الآية رقم 11 من سورة الأعراف. ونصُّها الكامل هو الآتي : "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ"
كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّه، في هذه الآية، لبني آدم، أي للإنسان العاقل، أي إلى الناس أجمعين. وكلمة "آدم"، في هذه الإية، حسب تقديري، ليست اسماً شخصيا، لكن نوع جديد من البشر يتميَّز بالعقل عن الكائنات الحية الحيوانية الأخرى.
يقول، سبحانه وتعالى، في هذه الآية الكريمة "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ… ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ…"، أي أن هناك ثلاثة مراحل : مرحلةُ أولى تمثَّلت في الخلق ومرحلة ثانية تمثَّلت في إتمام هيئة أو صورة ما تم خلقُه من كائن بشري حي. ثم جاءت المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التَّشريف والتَّكريم.
وما جعلني أقول إن الخلقََ والتَّصويرَ والتشريف مروا من ثلاثة مراحل متتالية، هو وجود حرف "ثم". و"ثم"، لغويا ونحوِياً، حرف عطفٍ، مع التَّراخي، يدل على أن الأشياءّ تتِم أو تحدث بالترتيب أو التَّتابُع، وتفصل بين حدوث هذه الأشياء فترة زمنية (وهذا هو التراخي) لم يتم تحديدُها في القرآن الكريم. وهذا يعني أن الخلق هو البداية ثم تبعه التصوير ثم تبعهما التشريف.
وما يؤكّد وقوعَ هذه المراحل الثلاثة، في الماضي، هو أن هذه الآية الكريمة بدأت بحرف "لقد". وحرف "لقد"، في اللغة العربية، أداة توكيد قوية، أي تؤكِّد أن المراحل الثلاثة وقعت، حقيقةً وفعلاً، في الماضي.
وما يثير الانتباهَ، في هذه الآية، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يذكر أو لم يُحدِّد الفترة الزمنية الفاصلة بين مرحلة والمرحلة التي تتبعُها. وبعبارة أخرى، لم يحدِّد، عزَّ وجلَّ، الفترة الزمنية الفاصلة بين الخلق والتَّصوير، وبين التصوير والتشريف.
وهذا الوضع يفرض علينا أن تكونَ هذه الفترة الزمنية موضوعَ تأويلاتٍ كثيرة. بمعنى أن الفترة الزمنية الفاصلة بين مرحلةٍ والتي تتبعها، يمكن أن تكون "قصيرة جدا أو قصيرة". كما يمكن أن تكون "طويلة أو طويلة جدا. إذن، ما لا جدالَ فيه، هو أن المراحل الثلاثة حدثت، في الماضي، بالتَّتابُع، أي الخلق ثم التَّصوير ثم التشريف. تبقى الفترة الفاصِلة بين مرحلةٍ والتي تتبعُها موضوعَ نقاش. فما الذي يمكن أن نستنتِجَه من قراءة مُتأنِّية ومُتمعِّنة لهذه الآية الكريمة؟
ما يمكن استنتاجُه من هذه الآية الكريمة، سأتطرَّقُ له مرحلة بمرحلة.
بالنسبة للمرحلة الأولى، أي مرحلة الخلق، القرآن الكريم واضح في هذا الشأن. بمعنى أن القدرة الإلهية على الخلقِ خارقة للعادة، إذ، بإمكانِه، خلقُ الأشياء من شيءٍ موجودٍ في الكون، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ".
وهذه هي الآية الثانية التي سأستشهِد بها بأن مفهومَ "التَّطوُّر" مشارٌ إليه في القرآن الكريم. وما يبيِّن ويوضِّح هذه الإشارة، في هذه الآية الكريمة، هو جزءها الأخير (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ") الذي يُؤكِّد أن تصويرَ الإنسان (النوع الجديد من البشر) مرَّ، هو الآخرُ، من مراحل. والدليل على ذلك أن خلقَ هذا الإنسان كان في بدايتِه (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ"). وهو ما سأكِّده عندما أتحدَّث عن مرحلة التَّصوير.
كما تبيِّن نفسُ الآية بأن الأشياء، حية أو غير حية، التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، قبل خلقِ الإنسان، أحسن خلقَها، بمعنى أنه خلق معها كلَّ ما يُمكِّنها من أن تكون نافِعة للمخلوقات الأخرى ومُنتَفِعة من المخلوقات الأخرى، أو بعبارة أخرى، مُكيفة للتَّواجد/للعيش في مكانٍ مُعيَّنٍ.
كما بإمكانه، جلَّ عُلاه، خلقُ الأشياء من العدم le néant. والعدم هو عدم وجود الأشياء، أو بعبارةٍ أخرى، ما يسبق هذا الوجود. وفي هذا الصدد، يقول، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 40 من سورة النحل : "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ". وفي الآية رقم 117 من سورة البقرة، يقول، سبحانه وتعالى : "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ".
في هذه الآية، المقصود من "...وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا…"، أي إذا قرَّرَ أن يخلُقَ شيئأً في الوجود، يقول له كُنْ فيكون. هذا هو ما نسميه "القدر والقضاء" وليس "القضاء والقدر". بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، له علمٌ مُسبق (القدر) بالأشياء التي سيخلُقُها، وعندما يقرِّرُ إخراجَها إلى حيز الوجود (القضاء)، إما يخلُقُها انطلاقا من شيءٍ موجود في الكون، وإما يخلقها من عدم. وما يُؤكِّد أن اللهَ، سبحانه وتعالى، له علمٌ بالأشياء، قبل خلقِها، هي الآية رقم 75 من سورة النمل : "وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ". مَن وَضَعَ هذا الكتابَ؟ بالطبع، إنه الله، سبحانه وتعالى.
و"الغائبةُ"، بالنسبة للعقل البشري، هي الأشياء، المادية أو المعنوية، التي ليس بإمكان هذا العقل أن يُدركَ وجودَها، إما دائما أو مؤقَّتاً. وهذه الأشياء قد تكون محسوسة (مرئية)، وقد تكون غير محسوسة (غير مرئيية). وقد تغيبُ عن إدراكِ الإنسان إلى الأبد كوقت قيام الساعة ومكان الموت وما يحدث للنفس البشرية غداً أو مستقبلا… والغائبات، بالنسبة للعقل البشري، إذا كانت محسوسة، فهي كل الأشياء المادية المُحيطة بالإنسان والتي أدرك وجودَها في وسط عيشِه. وإذا كانت غير محسوسة، فالعقل البشري استطاع أن يُدركَ وجودها، عبر ما يترتَّب عنها من نتائج كالجاذبية والضغط وحركَة الإلكترونات حول نواة الذرة le mouvement des électrons autour du noyau de l'atome…
أما بالنسبة للمرحلة الثانية، أي مرحلة التَّصوير (...ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ…). فإذا كان الخلق واضِحا في القرآن الكريم، فالتصوير لم يتم تفصيلُه في نفس القرآن. وحسب المعاجم والقواميس العربية، "صَوَّرْنَاكُمْ" تعني، في هذه الآية، أعطيناكم "هيئةً" أو "شكلاً" يُميِّزكم عن المخلوقات الأخرى. وبما أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يُحدِّد الفترةَ الزمنيةَ الفاصِلة بين مرحلة الخلق ومرحلة التصوير ثم بين مرحلة التَّصوير ومرحلة التشريف، فالبابُ مفتوح، كما سبق الذكرُ، أمام كل التأويلات أو مفتوحٌ للنقاش، لكن التأويلات والنقاش المشفوعان بالأدِلة. بمعنى أن هذه الفترة الزمنية، قد تُحسَب بالسنين أو بالقرون أو بملايين السنين، حسب تقسيم الزمان الذي تبنَّاه الإنسان. فما هو الدليل الذي سيأتي بجواب أو أجوبة لهذه التَّأويلات أو لهذا النقاش؟
العقل البشري هو الذي سيَأتي بحلول لهذه التأويلات أو لهذا النقاش، عن طريق البحث العلمي la recherche scientifique! والبحث العلمي هو الذي بيَّن بأن المرورَ من مرحلة الخلق إلى مرحلة التَّصوير، استغرقَ ملايين السنين.
وبغض النظر عن مرحلة الخلق وكيف تمَّ هذا الخلقُ، أليس المرورُ من مرحلة إلى أخرى، والذي بيَّن العلمُ الحديثُ la science contemporaine أنه استغرق ملايين السنين، إشارةً إلى التَّطور؟
والعلم الحديث هو الذي بيَّن، انطلاقا من أبحاث دروين Darwin الذي صاغَ نظرية الانتقاء الطبيعي la sélection naturelle و قبله Lamarck و بعدهما Alfred Russel Wallace، بواسطة علم الحفريات la paléontologie، وهو علمٌ بدأ يترسَّخ، في الأوساط العلمِية، في بداية القرن التاسع عشر.
وعلم الحفريات هو الذي بيَّن أن مرحلةَ التصوير التي جاءت بعد الخلق، استغرقت ملايين السنين. بمعنى أن مرحلة التصوير هي التي استغرقت ملايين السنين. ومرحلة التصوير هي إعطاء هيئة أو شكل لمُختلف أجناس البشر قبل أن ينفخََ اللهُ، سبحانه وتعالى، جزأً من روحه ليتحوَّل جنسٌ من أجناس البشر التي خلقها الله، عزَّ وجلَّ، من جنسٍ غير عاقلٍ إلى جنسٍ عاقل.
والأحفوريات les fossiles التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues على شكل عظامٍ sous forme d'os أو بقايا عظام des restes d'os، هي التي بيَّنت أن مرحلة التصوير، هي نفسُها، مرت من عدة مراحل تعاقبت فيها أجناسٌ بشرية مثل les australopithèques و Homo Habilis و Homo Erectus وبشر النياندرتال l'homme du neanderthal… إلى أن جاءت مرحلة "النفخ" (خلق الإنسان العاقل).
والفرق الأساسي بين الأجناس البشرية التي عثر عليها علماء الحفريات، هو أن هذه الأجناس البشرية كان لها تفكيرُ تطبيقي un raisonnement pratique، بينما الجنس العاقل كان ولا يزال له تفكيرٌ تجريدي un raisonnement abstrait.
والتفكير التطبيقي هو الذي مكَّن ويُمكِّن المُفكِّر من المرور من الأفكار إلى العمل le passage des idées à l'action. وهذا المرور من الأفكار إلى العملٍ، هو الذي مكَّن الأجناس البشرية المُشار إليها أعلاه، أي les australopithèques، Homo Habilis و Homo Erectus Homo Neandertalensis من صُنع أدواتٍ انطلاقا من مواد موجودة في وسط العيش، كالعظام والخشب والحجر الصَّوان le silex…
أما التفكير التجريدي الذي يميِّز الإنسانَ العاقلَ عن الأجناس البشرية التي سبقته، فيتمثَّل في القدرة على المفهمة la ،conceptualisation أي بإمكانه أن يحوٍِلَ الأشياءَ les choses والظواهر les phénomènes المُحيطة به، بعد تحليلها، إلى أفكار des idées ومفاهيم des concepts ومعارف des connaissances، قبل التأثير عليها أو تحويلها إلى أشياء ملموسة des choses concrètes.
وفي ختام هذه المقالة، هناك آيتان كريمتان يمكن الاستشهاد بهما لتأكيد إشارة القرآن الكريم لمفهوم "التَّطوُّر". وهتان الآيتان هما الآية رقم 67 من سورة مريم والتي نصها الكامل، هو : "أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا"، والآية رقم 1 من سورة الإنسان والتي نصُّها الكامل، هو : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا".
بالنسبة للآية الأولى، أي الآية رقم 67 من سورة مريم، هناك شيئان يكتسيان أهمِّيةً بالِغةً.
الشيءُ الأول هو أن تسميةَ "الإنسان" تنطبق على الكائن الحي البشري العاقل الذي سبق أن نفخ فيه، سبحانه وتعالى، جزأً من روحه، حيث انتقل من كائن حيٍّ بشري غير عاقلٍ إلى كائنٍ حي بشري عاقلٍ (كجنسٍ حي بشري غير عاقل ثم آدمي عاقل، ثم إنسي عاقل)، بواسطة النَّفخ. وسُمِّيِ الإنسان إنساناً لما أصبح كائنا حيا عاقلا اجتماعيا، أي قادرا على العيش، داخلَ المجتمعات المُنظَّمة.
أما الشيءُ الثاني الذي يُثير الانتباهَ، هو أن فعل "يَذْكُرُ" جاء في صيغة فعلٍ مضارعٍ. والمعروف أن الفعلَ المُضارعَ يدل على شيءٍ يحدث في الحاضرِ وفي المستقبل، أو بعبارة أخرى، فعل المضارِع يدل على استمرارية الحدث حاضرا ومستقبلا. وفي نفس الآية، الإنسانُ هو الذي يذكر، وبالتالي، هذا الذكر قد يقع في الحاضر وقد يقع في المستقبل. وما دام الذاكِرُ هو الإنسان، فماذا سيذكر، حاضرا أو مستقبلاً؟
سيذكر، أي سيقول أو سيعرف أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو الذي خلقَه، "مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ"، أي لم يكن، في الماضي، "شَيْئًا" ملموساً على أرض الواقع. "فما هو الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسان، حاضِراً ومستقبلاً"؟
ونفس الشيءِ جاء في الآية رقم 1 من سورة الإنسان، المُشار إليها أعلاه. في هذه الآية الكريمة وللتَّذكير، الإنسان هو الكائن الحي البشري العاقل، القادر على العيش داخلَ المجتمعات، علماً أن الإنسانَ جَمْعُه "ناس". والقرآن الكريم أشارَ، في كثير من سُورِه، لعبارة "يا أيها الناس". وعبارة "يا أيها الناس"، هي، في الحقيقة، نداءٌ إلهي موجَّهٌ للبشرية جمعاء، لتوحيد الله، أو للقيام بالأعمال الصالِحة أو لشكر الله على النِّعم التي وفَّرها للناس أو للتَّحذير من وسوسة الشيطان أو من يوم الحساب.
والآن، سأجيبُ على السؤال الذي وضعتُه أعلاه، وهو : "فما هو الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسان، حاضِراً ومستقبلاً"؟
الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسانُ حاضِرا ومستقبلا هو الذي بيَّنه العلم الحديث، أي العلم المعاصر la science contemporaine بالدليل والحُجة. العلم الحديث، كما سبق الذكرُ، عبرَ علم الحفريات la paléontologie بيَّن أن اللهَ، سبحانه وتعالى، قبل أن ينفخَ جزأً من روحه لخَلقِ كائن حيٍّ بشري آدمي عاقل، كان من بين مخلوقاته عدة أنواعٍ من الكائنات الحية البشرية غير العاقلة أو التي لها "تفكير تطبيقي" التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues، كما وضَّحتُ ذلك أعلاه.
إذن، التَّطوُّر، كمفهوم علمي معاصر، مُشارٌ إليه في القرآن الكريم. بل هناك عدَّة آياتٍ أخرى تُشيرُ له، أذكر ، من بينها على الخصوص، الآية رقم 30 من سورة الأنبياء : "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ".
في هذه الآية، ما يهمُّني هو جزءها ما قبل الأخير، أي، "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…". في هذا الجزء من الآية، قال، سبحانه وتعالى، "وَجَعَلْنَا" ولم يقل وخلقنا. وفعل "جَعَلَ" يعني أن الشيءَ المجعول يكون موجودا في الأرض أو في الكون. وإذا أضفنا إلى هذا التوضيح أن حرفَ "مِنَ"، هو حرف جرٍّ، المقصود منه، أساساً، هو ابتداء الغاية المكانية أو الزمانية، يصبِحُ معنى الآية هو أن الحياةَ، بمفهومِها البيولوجي، حيواناً ونباتاً، انطلقت من وسط مائي un milieu aquatique، أي بدأت في الماء. وهذا هو ما بيَّنه العلم الحديث عبر العديد من الأحفوريات الحيوانية والنباتية les fossiles animaux et végétaux التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues والتي تبيِّن بأن الحياةَ بالمفهوم البيولوجي بدأت في الوسط المائي منذ ما يزيد عن 4 ميار سنة. وهذه الحياة هي التي مرَّت من عدة مراحل من التَّطوُّر وأصبحت بريةً.
والقرآن الكريم فيه آياتٌ كريمة أخرى، عبارة عن إشاراتٍ لمفهوم "التَّطوُّر"، أذكر من بينها ما يلي:
1."وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح، 14). الأطوار تعني الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى.
2."وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانَ مِن طِينٍ" (السجدة، 7)، مشارٌ إليها أعلاه.
3."وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياء، 30)، مُشارٌ إليها أعلاه.
4."وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ" (الأنعام، 133). فكرة التَّطوُّر مُتضمَّنة في الجزء الأخير من الآية، أي "...كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ"، علما أن فعلَ "أنشأ" يعني أوجد أو خَلَقَ.
كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّه، في هذه الآية، لبني آدم، أي للإنسان العاقل، أي إلى الناس أجمعين. وكلمة "آدم"، في هذه الإية، حسب تقديري، ليست اسماً شخصيا، لكن نوع جديد من البشر يتميَّز بالعقل عن الكائنات الحية الحيوانية الأخرى.
يقول، سبحانه وتعالى، في هذه الآية الكريمة "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ… ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ…"، أي أن هناك ثلاثة مراحل : مرحلةُ أولى تمثَّلت في الخلق ومرحلة ثانية تمثَّلت في إتمام هيئة أو صورة ما تم خلقُه من كائن بشري حي. ثم جاءت المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التَّشريف والتَّكريم.
وما جعلني أقول إن الخلقََ والتَّصويرَ والتشريف مروا من ثلاثة مراحل متتالية، هو وجود حرف "ثم". و"ثم"، لغويا ونحوِياً، حرف عطفٍ، مع التَّراخي، يدل على أن الأشياءّ تتِم أو تحدث بالترتيب أو التَّتابُع، وتفصل بين حدوث هذه الأشياء فترة زمنية (وهذا هو التراخي) لم يتم تحديدُها في القرآن الكريم. وهذا يعني أن الخلق هو البداية ثم تبعه التصوير ثم تبعهما التشريف.
وما يؤكّد وقوعَ هذه المراحل الثلاثة، في الماضي، هو أن هذه الآية الكريمة بدأت بحرف "لقد". وحرف "لقد"، في اللغة العربية، أداة توكيد قوية، أي تؤكِّد أن المراحل الثلاثة وقعت، حقيقةً وفعلاً، في الماضي.
وما يثير الانتباهَ، في هذه الآية، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يذكر أو لم يُحدِّد الفترة الزمنية الفاصلة بين مرحلة والمرحلة التي تتبعُها. وبعبارة أخرى، لم يحدِّد، عزَّ وجلَّ، الفترة الزمنية الفاصلة بين الخلق والتَّصوير، وبين التصوير والتشريف.
وهذا الوضع يفرض علينا أن تكونَ هذه الفترة الزمنية موضوعَ تأويلاتٍ كثيرة. بمعنى أن الفترة الزمنية الفاصلة بين مرحلةٍ والتي تتبعها، يمكن أن تكون "قصيرة جدا أو قصيرة". كما يمكن أن تكون "طويلة أو طويلة جدا. إذن، ما لا جدالَ فيه، هو أن المراحل الثلاثة حدثت، في الماضي، بالتَّتابُع، أي الخلق ثم التَّصوير ثم التشريف. تبقى الفترة الفاصِلة بين مرحلةٍ والتي تتبعُها موضوعَ نقاش. فما الذي يمكن أن نستنتِجَه من قراءة مُتأنِّية ومُتمعِّنة لهذه الآية الكريمة؟
ما يمكن استنتاجُه من هذه الآية الكريمة، سأتطرَّقُ له مرحلة بمرحلة.
بالنسبة للمرحلة الأولى، أي مرحلة الخلق، القرآن الكريم واضح في هذا الشأن. بمعنى أن القدرة الإلهية على الخلقِ خارقة للعادة، إذ، بإمكانِه، خلقُ الأشياء من شيءٍ موجودٍ في الكون، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ".
وهذه هي الآية الثانية التي سأستشهِد بها بأن مفهومَ "التَّطوُّر" مشارٌ إليه في القرآن الكريم. وما يبيِّن ويوضِّح هذه الإشارة، في هذه الآية الكريمة، هو جزءها الأخير (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ") الذي يُؤكِّد أن تصويرَ الإنسان (النوع الجديد من البشر) مرَّ، هو الآخرُ، من مراحل. والدليل على ذلك أن خلقَ هذا الإنسان كان في بدايتِه (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ"). وهو ما سأكِّده عندما أتحدَّث عن مرحلة التَّصوير.
كما تبيِّن نفسُ الآية بأن الأشياء، حية أو غير حية، التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، قبل خلقِ الإنسان، أحسن خلقَها، بمعنى أنه خلق معها كلَّ ما يُمكِّنها من أن تكون نافِعة للمخلوقات الأخرى ومُنتَفِعة من المخلوقات الأخرى، أو بعبارة أخرى، مُكيفة للتَّواجد/للعيش في مكانٍ مُعيَّنٍ.
كما بإمكانه، جلَّ عُلاه، خلقُ الأشياء من العدم le néant. والعدم هو عدم وجود الأشياء، أو بعبارةٍ أخرى، ما يسبق هذا الوجود. وفي هذا الصدد، يقول، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 40 من سورة النحل : "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ". وفي الآية رقم 117 من سورة البقرة، يقول، سبحانه وتعالى : "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ".
في هذه الآية، المقصود من "...وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا…"، أي إذا قرَّرَ أن يخلُقَ شيئأً في الوجود، يقول له كُنْ فيكون. هذا هو ما نسميه "القدر والقضاء" وليس "القضاء والقدر". بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، له علمٌ مُسبق (القدر) بالأشياء التي سيخلُقُها، وعندما يقرِّرُ إخراجَها إلى حيز الوجود (القضاء)، إما يخلُقُها انطلاقا من شيءٍ موجود في الكون، وإما يخلقها من عدم. وما يُؤكِّد أن اللهَ، سبحانه وتعالى، له علمٌ بالأشياء، قبل خلقِها، هي الآية رقم 75 من سورة النمل : "وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ". مَن وَضَعَ هذا الكتابَ؟ بالطبع، إنه الله، سبحانه وتعالى.
و"الغائبةُ"، بالنسبة للعقل البشري، هي الأشياء، المادية أو المعنوية، التي ليس بإمكان هذا العقل أن يُدركَ وجودَها، إما دائما أو مؤقَّتاً. وهذه الأشياء قد تكون محسوسة (مرئية)، وقد تكون غير محسوسة (غير مرئيية). وقد تغيبُ عن إدراكِ الإنسان إلى الأبد كوقت قيام الساعة ومكان الموت وما يحدث للنفس البشرية غداً أو مستقبلا… والغائبات، بالنسبة للعقل البشري، إذا كانت محسوسة، فهي كل الأشياء المادية المُحيطة بالإنسان والتي أدرك وجودَها في وسط عيشِه. وإذا كانت غير محسوسة، فالعقل البشري استطاع أن يُدركَ وجودها، عبر ما يترتَّب عنها من نتائج كالجاذبية والضغط وحركَة الإلكترونات حول نواة الذرة le mouvement des électrons autour du noyau de l'atome…
أما بالنسبة للمرحلة الثانية، أي مرحلة التَّصوير (...ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ…). فإذا كان الخلق واضِحا في القرآن الكريم، فالتصوير لم يتم تفصيلُه في نفس القرآن. وحسب المعاجم والقواميس العربية، "صَوَّرْنَاكُمْ" تعني، في هذه الآية، أعطيناكم "هيئةً" أو "شكلاً" يُميِّزكم عن المخلوقات الأخرى. وبما أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يُحدِّد الفترةَ الزمنيةَ الفاصِلة بين مرحلة الخلق ومرحلة التصوير ثم بين مرحلة التَّصوير ومرحلة التشريف، فالبابُ مفتوح، كما سبق الذكرُ، أمام كل التأويلات أو مفتوحٌ للنقاش، لكن التأويلات والنقاش المشفوعان بالأدِلة. بمعنى أن هذه الفترة الزمنية، قد تُحسَب بالسنين أو بالقرون أو بملايين السنين، حسب تقسيم الزمان الذي تبنَّاه الإنسان. فما هو الدليل الذي سيأتي بجواب أو أجوبة لهذه التَّأويلات أو لهذا النقاش؟
العقل البشري هو الذي سيَأتي بحلول لهذه التأويلات أو لهذا النقاش، عن طريق البحث العلمي la recherche scientifique! والبحث العلمي هو الذي بيَّن بأن المرورَ من مرحلة الخلق إلى مرحلة التَّصوير، استغرقَ ملايين السنين.
وبغض النظر عن مرحلة الخلق وكيف تمَّ هذا الخلقُ، أليس المرورُ من مرحلة إلى أخرى، والذي بيَّن العلمُ الحديثُ la science contemporaine أنه استغرق ملايين السنين، إشارةً إلى التَّطور؟
والعلم الحديث هو الذي بيَّن، انطلاقا من أبحاث دروين Darwin الذي صاغَ نظرية الانتقاء الطبيعي la sélection naturelle و قبله Lamarck و بعدهما Alfred Russel Wallace، بواسطة علم الحفريات la paléontologie، وهو علمٌ بدأ يترسَّخ، في الأوساط العلمِية، في بداية القرن التاسع عشر.
وعلم الحفريات هو الذي بيَّن أن مرحلةَ التصوير التي جاءت بعد الخلق، استغرقت ملايين السنين. بمعنى أن مرحلة التصوير هي التي استغرقت ملايين السنين. ومرحلة التصوير هي إعطاء هيئة أو شكل لمُختلف أجناس البشر قبل أن ينفخََ اللهُ، سبحانه وتعالى، جزأً من روحه ليتحوَّل جنسٌ من أجناس البشر التي خلقها الله، عزَّ وجلَّ، من جنسٍ غير عاقلٍ إلى جنسٍ عاقل.
والأحفوريات les fossiles التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues على شكل عظامٍ sous forme d'os أو بقايا عظام des restes d'os، هي التي بيَّنت أن مرحلة التصوير، هي نفسُها، مرت من عدة مراحل تعاقبت فيها أجناسٌ بشرية مثل les australopithèques و Homo Habilis و Homo Erectus وبشر النياندرتال l'homme du neanderthal… إلى أن جاءت مرحلة "النفخ" (خلق الإنسان العاقل).
والفرق الأساسي بين الأجناس البشرية التي عثر عليها علماء الحفريات، هو أن هذه الأجناس البشرية كان لها تفكيرُ تطبيقي un raisonnement pratique، بينما الجنس العاقل كان ولا يزال له تفكيرٌ تجريدي un raisonnement abstrait.
والتفكير التطبيقي هو الذي مكَّن ويُمكِّن المُفكِّر من المرور من الأفكار إلى العمل le passage des idées à l'action. وهذا المرور من الأفكار إلى العملٍ، هو الذي مكَّن الأجناس البشرية المُشار إليها أعلاه، أي les australopithèques، Homo Habilis و Homo Erectus Homo Neandertalensis من صُنع أدواتٍ انطلاقا من مواد موجودة في وسط العيش، كالعظام والخشب والحجر الصَّوان le silex…
أما التفكير التجريدي الذي يميِّز الإنسانَ العاقلَ عن الأجناس البشرية التي سبقته، فيتمثَّل في القدرة على المفهمة la ،conceptualisation أي بإمكانه أن يحوٍِلَ الأشياءَ les choses والظواهر les phénomènes المُحيطة به، بعد تحليلها، إلى أفكار des idées ومفاهيم des concepts ومعارف des connaissances، قبل التأثير عليها أو تحويلها إلى أشياء ملموسة des choses concrètes.
وفي ختام هذه المقالة، هناك آيتان كريمتان يمكن الاستشهاد بهما لتأكيد إشارة القرآن الكريم لمفهوم "التَّطوُّر". وهتان الآيتان هما الآية رقم 67 من سورة مريم والتي نصها الكامل، هو : "أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا"، والآية رقم 1 من سورة الإنسان والتي نصُّها الكامل، هو : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا".
بالنسبة للآية الأولى، أي الآية رقم 67 من سورة مريم، هناك شيئان يكتسيان أهمِّيةً بالِغةً.
الشيءُ الأول هو أن تسميةَ "الإنسان" تنطبق على الكائن الحي البشري العاقل الذي سبق أن نفخ فيه، سبحانه وتعالى، جزأً من روحه، حيث انتقل من كائن حيٍّ بشري غير عاقلٍ إلى كائنٍ حي بشري عاقلٍ (كجنسٍ حي بشري غير عاقل ثم آدمي عاقل، ثم إنسي عاقل)، بواسطة النَّفخ. وسُمِّيِ الإنسان إنساناً لما أصبح كائنا حيا عاقلا اجتماعيا، أي قادرا على العيش، داخلَ المجتمعات المُنظَّمة.
أما الشيءُ الثاني الذي يُثير الانتباهَ، هو أن فعل "يَذْكُرُ" جاء في صيغة فعلٍ مضارعٍ. والمعروف أن الفعلَ المُضارعَ يدل على شيءٍ يحدث في الحاضرِ وفي المستقبل، أو بعبارة أخرى، فعل المضارِع يدل على استمرارية الحدث حاضرا ومستقبلا. وفي نفس الآية، الإنسانُ هو الذي يذكر، وبالتالي، هذا الذكر قد يقع في الحاضر وقد يقع في المستقبل. وما دام الذاكِرُ هو الإنسان، فماذا سيذكر، حاضرا أو مستقبلاً؟
سيذكر، أي سيقول أو سيعرف أن اللهَ، سبحانه وتعالى، هو الذي خلقَه، "مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ"، أي لم يكن، في الماضي، "شَيْئًا" ملموساً على أرض الواقع. "فما هو الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسان، حاضِراً ومستقبلاً"؟
ونفس الشيءِ جاء في الآية رقم 1 من سورة الإنسان، المُشار إليها أعلاه. في هذه الآية الكريمة وللتَّذكير، الإنسان هو الكائن الحي البشري العاقل، القادر على العيش داخلَ المجتمعات، علماً أن الإنسانَ جَمْعُه "ناس". والقرآن الكريم أشارَ، في كثير من سُورِه، لعبارة "يا أيها الناس". وعبارة "يا أيها الناس"، هي، في الحقيقة، نداءٌ إلهي موجَّهٌ للبشرية جمعاء، لتوحيد الله، أو للقيام بالأعمال الصالِحة أو لشكر الله على النِّعم التي وفَّرها للناس أو للتَّحذير من وسوسة الشيطان أو من يوم الحساب.
والآن، سأجيبُ على السؤال الذي وضعتُه أعلاه، وهو : "فما هو الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسان، حاضِراً ومستقبلاً"؟
الشيءُ الذي كان ملموساً على أرض الواقع وسيتذكَّره الإنسانُ حاضِرا ومستقبلا هو الذي بيَّنه العلم الحديث، أي العلم المعاصر la science contemporaine بالدليل والحُجة. العلم الحديث، كما سبق الذكرُ، عبرَ علم الحفريات la paléontologie بيَّن أن اللهَ، سبحانه وتعالى، قبل أن ينفخَ جزأً من روحه لخَلقِ كائن حيٍّ بشري آدمي عاقل، كان من بين مخلوقاته عدة أنواعٍ من الكائنات الحية البشرية غير العاقلة أو التي لها "تفكير تطبيقي" التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues، كما وضَّحتُ ذلك أعلاه.
إذن، التَّطوُّر، كمفهوم علمي معاصر، مُشارٌ إليه في القرآن الكريم. بل هناك عدَّة آياتٍ أخرى تُشيرُ له، أذكر ، من بينها على الخصوص، الآية رقم 30 من سورة الأنبياء : "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ".
في هذه الآية، ما يهمُّني هو جزءها ما قبل الأخير، أي، "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…". في هذا الجزء من الآية، قال، سبحانه وتعالى، "وَجَعَلْنَا" ولم يقل وخلقنا. وفعل "جَعَلَ" يعني أن الشيءَ المجعول يكون موجودا في الأرض أو في الكون. وإذا أضفنا إلى هذا التوضيح أن حرفَ "مِنَ"، هو حرف جرٍّ، المقصود منه، أساساً، هو ابتداء الغاية المكانية أو الزمانية، يصبِحُ معنى الآية هو أن الحياةَ، بمفهومِها البيولوجي، حيواناً ونباتاً، انطلقت من وسط مائي un milieu aquatique، أي بدأت في الماء. وهذا هو ما بيَّنه العلم الحديث عبر العديد من الأحفوريات الحيوانية والنباتية les fossiles animaux et végétaux التي عثر عليها علماء الحفريات les paléontologues والتي تبيِّن بأن الحياةَ بالمفهوم البيولوجي بدأت في الوسط المائي منذ ما يزيد عن 4 ميار سنة. وهذه الحياة هي التي مرَّت من عدة مراحل من التَّطوُّر وأصبحت بريةً.
والقرآن الكريم فيه آياتٌ كريمة أخرى، عبارة عن إشاراتٍ لمفهوم "التَّطوُّر"، أذكر من بينها ما يلي:
1."وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح، 14). الأطوار تعني الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى.
2."وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانَ مِن طِينٍ" (السجدة، 7)، مشارٌ إليها أعلاه.
3."وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياء، 30)، مُشارٌ إليها أعلاه.
4."وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ" (الأنعام، 133). فكرة التَّطوُّر مُتضمَّنة في الجزء الأخير من الآية، أي "...كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ"، علما أن فعلَ "أنشأ" يعني أوجد أو خَلَقَ.