يحيى بركات - حين لا يقولها ترامب… ويؤمن بها الناس في زمنٍ ينهار فيه المعنى…

لا يعود الناس يبحثون عن الحقيقة…
بل عن مُنقذ.
وهنا تبدأ أخطر لحظة في التاريخ.
ليس حين يظهر “المخلّص”…
بل حين يصبح الناس مستعدين لرؤيته… في أيّ رجل.
هذه الصورة ليست تفصيلًا عابرًا.
ليست مزحة ذكاء اصطناعي.
هذه لحظة…
يقف فيها دونالد ترامب داخل الكادر…
لا كرئيس…
بل كصورة مستعارة من ذاكرة دينية عميقة.
يدٌ تُشفى.
ضوءٌ ينزل من السماء.
وجوهٌ تنظر إليه… لا كسياسي… بل كرجاء.
لا يقول: أنا المسيح.
لا يحتاج.
لأن الصورة قالتها.
والناس… أكملوا.
لكن الصورة وحدها لا تكفي.
هناك ما هو أخطر منها:
الأرض التي استقبلتها.
وعيٌ يتعب…
ثقافة تنحدر…
عقل لم يعد يحتمل التعقيد،
فيبحث عن جملة واحدة…
شخص واحد…
حقيقة واحدة لا تحتاج إلى تفكير.
وهنا…
تتحول الفكرة الدينية من سؤال… إلى أداة.
فكرة “المخلّص” لم تكن يومًا المشكلة.
المشكلة… في من يُعيد تصنيعها.
التاريخ يكرر نفسه… لا كنص… بل كآلية.
حين أراد الملك قسطنطين أن يحكم إمبراطورية لا تُحكم،
لم يرفع السيف فقط…
بل رفع الرمز.
وحين تحوّلت الكنيسة—عبر القرون—
من إيمان… إلى سلطة،
لم تُلغِ العقل…
بل جعلت الناس يعتقدون أنهم لا يحتاجونه.
وهناك…
وُلد أخطر أنواع الجهل:
الجهل الذي يبتسم… لأنه يظن أنه يعرف.
اليوم…
لا نعيش الماضي…
لكننا نعيش طريقته.
سياسة تستعير الدين.
خطاب يُخاطب الخوف لا العقل.
ورموز تُسحب من كتبٍ قديمة…
لتُعرض على شاشات حديثة.
وعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد…
يقف بنيامين نتنياهو،
لا كحليف عابر…
بل كجزء من نفس اللغة.
لغة لا تكتفي بالحرب…
بل تُعيد تعريفها:
كأنها قدر…
كأنها نبوءة…
كأنها الطريق إلى شيء “أكبر”.
هنا… تختلط الحدود.
الدين لم يعد دينًا.
والسياسة لم تعد سياسة.
والحرب… لم تعد فقط حربًا.
بل يصبح كل شيء…
مسرحًا لفكرة واحدة:
أن هناك من سيأتي…
أو ربما… جاء.
ثم… يظهر الرجل.
ينجو من الموت.
يتحدث بثقة من لا يُخطئ.
يتصرف كأن العالم يُدار من زاوية واحدة… زاويته.
لا يقول: أنا المسيح.
لكن المشهد…
يقولها بدلًا عنه.
وهذا أخطر.
لأن الكارثة لا تبدأ حين يدّعي القائد…
بل حين يؤمن الناس.
حين يتوقف الشك.
حين يُستبدل التفكير بالتصديق.
حين يتحول القائد… من خيار… إلى قدر.
لكن ما لا يُقال…
أن كل من يقف في هذا المقام…
يسقط.
ليس لأنه ضعيف…
بل لأن هذه المساحة… لا تحتمل بشرًا.
كل من أقنع نفسه أنه “مختار”…
دفع الثمن.
وكل من صدّق…
دفع معه.
وهنا المفارقة التي لا يريد أحد أن يراها:
أن هذا الوهم…
لن يرتدّ فقط على دونالد ترامب…
ولا على بنيامين نتنياهو…
ولا على وزرائهما…
بل على كل من صدّقهم.
بل حتى على من ظنّ أنه محمي داخل هذه الحكاية…
من اليهود في العالم… قبل غيرهم.
لأن النار…
لا تقرأ الروايات التي أشعلتها.
السؤال ليس:
ماذا قال ترامب؟
السؤال:
كيف وصل العالم إلى لحظة…
يمكن أن يُرى فيها رجل…
كأنه المخلّص… ويُصدَّق؟
هنا… تبدأ الحكاية.
وهنا… يجب أن نكمل.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

13/4/2026





Messenger_creation_03EFF68D-ABDC-476D-AE4C-BA2835090870.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى